جبرة الشيخ.. مستشفى دمرته الحرب ومرضى يبحثون عن النجاة

أفق جديد
في محلية جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، لم تنتهِ معاناة المدنيين بانتهاء المعارك واستعادة المنطقة؛ فما تزال آثار الحرب حاضرة في أكثر الأماكن ارتباطًا بحياة الناس واحتياجاتهم اليومية.
المستشفى وهو المرفق الصحي الذي كان ملاذًا للمرضى أصبح خارج الخدمة؛ فلا غرف العمليات قادرة على إنقاذ المصابين، ولا عنابر الأطفال تستقبل الصغار، فيما تحولت أروقته إلى شاهد على حجم الدمار والنهب والتخريب. ووفق إفادات محلية، استُخدم المستشفى خلال فترة القتال لأغراض عسكرية، قبل أن يُترك وقد لحقت به أضرار واسعة حالت دون استئناف عمله.
وبينما عادت الحياة تدريجيًا إلى المنطقة بعد توقف المعارك، بقي المرضى أمام سؤال أكثر قسوة: أين يتلقون العلاج؟ فغياب المستشفى لا يعني فقدان مبنى فحسب، بل يعني حرمان السكان من خدمة صحية أساسية، في منطقة أنهكتها الحرب وأثقلت كاهل سكانها مشقة الوصول إلى مرافق صحية بديلة.
وبين جدرانه المدمرة، تبدو الخسارة أكبر من مبنى طبي؛ إنها خسارة نافذة كان يعتمد عليها آلاف المدنيين للعلاج في منطقة أنهكتها الحرب. ومع غياب المستشفى، يصبح المرض نفسه معركة جديدة، يخوضها السكان بإمكانات محدودة، وفي وقت قد تعني فيه دقائق التأخير الفارق بين الحياة والموت.
عندما استعاد الجيش السوداني والقوات المشتركة منطقة جبرة الشيخ في كردفان أواخر الشهر الماضي، لم يكن أكثر المشاهد تأثيرًا هو حجم الدمار العسكري، بل ما حل بالمستشفى الرئيسي في المنطقة. فقد خرج المستشفى تمامًا عن الخدمة، بعد أن تعرض لأعمال التدمير والنهب والتخريب التي لم تسلم منها غرف العمليات ولا عنابر الأطفال ولا المرافق الحيوية.
وتحولت منشأة، يفترض أن تكون ملاذًا للمرضى، إلى ثكنة عسكرية ومخزن للسلاح، قبل أن تُترك خرابًا ليُحرم آلاف المدنيين من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية.
وأوضح كادر طبي أن المستشفى والمراكز الصحية تعرضت للدمار، مما يضيف عبئًا جديدًا على السكان والسلطات في منطقة أنهكتها الحرب والنزوح.
وأوضح لـ”أفق جديد”، أن “المستشفى خرج عن الخدمة بالكامل تقريبًا، ولم تعد هناك قدرة على إجراء العمليات أو استقبال الحالات الحرجة. حتى الحالات البسيطة أصبحت مشكلة، لأن المريض يحتاج إلى السفر لمسافات طويلة بحثًا عن العلاج”.
وأشار إلى أن “الأطفال هم الأكثر تضررًا، خصوصًا المصابين بالملاريا والالتهابات وسوء التغذية. غياب عنبر الأطفال يعني أن الأسر تضطر إلى البحث عن بدائل خارج المنطقة، وهو أمر مكلف وصعب في ظل الظروف الحالية”.
من جهته يقول حمزة الرشيد وهو ناشط في الحقل الإنساني لـ”أفق جديد”: “بعد المعارك، كانت هناك حاجة كبيرة لخدمات الطوارئ والجراحة، لكن المستشفى لم يكن قادرًا على تقديمها. بعض الإصابات كان يمكن التعامل معها لو توفرت غرفة عمليات وأدوية ومستلزمات إسعافية”.
وأضاف: “المشكلة ليست في المبنى فقط؛ حتى إعادة تشغيل المستشفى تحتاج إلى أدوية ومعدات وأجهزة ومولد كهرباء ومياه وكوادر طبية. إعادة الخدمة تتطلب تدخلًا عاجلًا ومتكاملًا”.
بدوره يقول أحد سكان محلية جبرة الشيخ لـ”أفق جديد”: “قبل الحرب كنا نأتي إلى هذا المستشفى للعلاج وإجراء العمليات والولادة، أما الآن فلا نجد فيه شيئًا. المريض إما ينتظر أو نضطر إلى نقله إلى منطقة أخرى”.
وأشارت أم لديها طفل مريض في حديثها لـ”أفق جديد”، بالقول: “أكبر خوف لدينا هو أن يمرض أحد الأطفال في الليل. المستشفى لم يعد يعمل، والطريق إلى أقرب مكان تتوفر فيه الخدمة الصحية طويل وصعب، ولا نعرف كيف نتصرف إذا كانت الحالة طارئة”.
وتابعت: “الحرب لم تدمر المستشفى فقط، بل جعلت العلاج نفسه أكثر صعوبة. تكلفة النقل والدواء أصبحت فوق قدرة كثير من الأسر، لذلك هناك مرضى يفضلون البقاء في منازلهم حتى مع تدهور حالتهم”.
في الأثناء يقول المواطن أحمد الزين لـ”أفق جديد”: “نحن نحاول العودة إلى حياتنا، لكن كيف تعود الحياة من دون مستشفى؟ الناس تحتاج إلى الماء والغذاء والأمان والعلاج، وكلما غابت واحدة من هذه الأشياء زادت معاناة الأسر”.
وأضاف: “استعدنا المنطقة، لكننا لم نستعد الحياة بعد. المستشفى الذي كان ينقذ الناس أصبح خرابًا، والمريض اليوم قد يموت بسبب عدم وجود مكان يعالَج فيه”.
في جبرة الشيخ، لم تترك الحرب خلفها جدرانًا مهدمة فحسب، بل تركت مرضى بلا علاج، وأطفالًا بلا عنابر، ومصابين بلا غرف عمليات. فحين يُدمّر المستشفى، لا تتوقف الخدمات الطبية وحدها، بل تضيق مساحة الأمل أمام مجتمع أنهكته الحرب أصلًا.
وبينما يحاول السكان استعادة حياتهم من بين الركام، يبقى السؤال الأشد إلحاحًا: من يعيد للمستشفى قدرته على إنقاذ الأرواح، ومن يعيد للمدنيين حقهم في العلاج والأمان؟ ففي الحروب، قد تُستعاد المدن عسكريًا، لكن استعادة الحياة لا تبدأ إلا عندما تعود المستشفيات إلى العمل، وتعود أبوابها مفتوحة أمام من يبحثون فيها عن فرصة للنجاة.





