صوت الثورة ونبض الأمة .. هلا 96.. إذاعة قاومت العتمة وتحدت الركام

 

أفق جديد

في بلدٍ اعتاد أن تُغلق فيه الأفواه قبل أن تُغلق الأبواب، وأن تُطفئ السلطة المنابر كلما اقتربت من الحقيقة، بدت الإذاعة، في أحيان كثيرة، أكثر من وسيلة إعلام. كانت نافذةً على العالم، ورفيقًا في الطريق، وذاكرةً متنقلة بين البيوت والسيارات والمقاهي ومكاتب العمل.

ومن بين الأصوات التي عاشت هذه التحولات، يبرز صوت هلا 96؛ الإذاعة التي بدأت في عام 2014 محطةً للمنوعات والموسيقى والشباب، قبل أن تتسع تجربتها شيئًا فشيئًا لتصبح جزءًا من المشهد العام، ثم شاهدًا على الثورة، وضحيةً للانقلاب، وأحد الأصوات التي حاولت أن تنجو من الحرب، لا من أجل النجاة وحدها، وإنما من أجل أن يبقى هناك صوت سوداني يقول إن للحياة وجهًا آخر غير وجه البندقية.

كانت هلا 96، في بدايتها، ابنةً لزمن مختلف. زمنٍ كانت فيه المدن السودانية، رغم أثقال السياسة والاقتصاد، وسيطرة دولة الهوس الديني، لا تزال تعرف شيئًا من إيقاع الحياة الطبيعية. أغنية في الصباح، برنامج خفيف في الظهيرة، حوار في المساء، وضحكات مذيعين اعتاد المستمعون أصواتهم حتى أصبحوا جزءًا من يومهم.

لم يكن أحد، ربما، يتخيل أن هذه الإذاعة التي بدأت من عالم المنوعات ستجد نفسها بعد سنوات قليلة في مواجهة السلطة والرقابة والانقلاب والحرب، وأن تتحول قصتها من قصة محطة إذاعية إلى فصل من فصول تاريخ السودان المعاصر.

صوت يدخل البيوت

ولدت عام 2014 إذاعة هلا 96، إذاعةً للمنوعات تستهدف بصورة خاصة الشباب، وتقدم الموسيقى والترفيه والبرامج الاجتماعية والثقافية بإيقاع سريع وخفيف يحاكي روح إذاعات “الإف إم” الحديثة. وفي وقت قصير استطاعت أن تنتزع لنفسها مكانًا بين الإذاعات السودانية، وأن تبني قاعدة واسعة من المستمعين، فضلًا عن حصولها على جوائز وتقديرات وتصدرها استطلاعات رأي لسنوات متتالية.

تأسست هلا 96 FM عام 2014، إذاعةً تستهدف بصورة أساسية شريحة الشباب، إلى جانب قطاعات واسعة من جمهور المستمعين. اعتمدت منذ البداية على نمط برامجي سريع وخفيف، يستلهم روح إذاعات الـ الحديثة، ويجمع بين الموسيقى والترفيه والبرامج الاجتماعية والثقافية، كانت السنوات السابقة لثورة ديسمبر محكومة بقبضة أمنية ضيقة على الإعلام، تضيق معها مساحة الكلام كلما اقترب من السياسة والأسئلة العامة. وفي ذلك المناخ، تعلمت هلا 96 كيف تقول ما تريد من بين السطور؛ فتتناول القضايا العامة عبر الاقتصاد والمجتمع والثقافة، وتترك للموسيقى والبرامج مساحة تقول أحيانًا ما تعجز عنه النشرات والتصريحات.

ومع اتساع الحراك الشعبي في أواخر 2018، لم تعد المسافة بين الإذاعة والشارع كما كانت. تغير الخطاب، وتغيرت البرامج، واقترب الميكروفون من نبض الناس. وحين اشتدت الضغوط الأمنية، اضطرت الإذاعة في لحظات إلى إيقاف برامجها والاكتفاء بالأغاني الوطنية، ثم الكلاسيكية والشعبية. كان الصمت مفروضًا، لكن الموسيقى نفسها أصبحت شكلًا من أشكال الكلام..

لكن نجاح الإذاعة لم يكن في شكلها البرامجي وحده.

كان في قدرتها على الاقتراب من الناس.

فالإذاعة لا تحتاج إلى صورة كي تصنع علاقة حميمة مع جمهورها. يكفي أن يسمع المستمع صوتًا مألوفًا في اللحظة المناسبة حتى يشعر أن أحدًا يجلس إلى جواره. وربما كان هذا ما فعلته هلا 96 طوال سنواتها الأولى؛ دخلت إلى البيوت دون ضجيج، واستقرت في الذاكرة دون أن تطلب ذلك.

يصف عمر محمد آدم، أحد مذيعيها، مجتمع هلا بأنه «البيت الكبير»؛ بيت يشبه السودان الكبير، وليس مجرد مؤسسة تمنح العاملين فيها راتبًا آخر الشهر. كان المكان، في نظره، يحمل جماليات الحياة السودانية نفسها: اللمة، والرفقة، وتفاصيل الصباح والمساء، والمشاوير، والزحام، وصوتًا يشبه الناس ويعبّر عن أحلامهم.

ذلك الوصف يفسر شيئًا مهمًا في تجربة هلا.

فالمؤسسات الإعلامية قد تُقاس بعدد العاملين فيها، وحجم معداتها، ومساحتها الإعلانية، ونسبة جمهورها، لكن هناك معيارًا آخر أقل قابلية للقياس: مقدار ما تصبح المؤسسة جزءًا من الحياة اليومية للناس.

وهلا أصبحت كذلك.

بين الموسيقى والسياسة

لم تكن سنوات ما قبل ثورة ديسمبر سهلة على الإعلام السوداني.

كانت السلطة تراقب المجال العام بعين أمنية، وتضع حدودًا واضحة لما يمكن نشره وما ينبغي الصمت عنه. وكانت القضايا السياسية والأمنية خصوصًا تقع في المنطقة الأكثر حساسية، حيث يمكن للكلمة أن تصبح سببًا للاستدعاء، وللمادة الصحفية أن تتحول إلى ملف أمني.

في مثل هذه البيئة، لم يكن أمام المؤسسات الإعلامية المستقلة سوى البحث عن مساحات ضيقة للمناورة.

وهلا فعلت ذلك.

اقتربت من القضايا العامة عبر الاقتصاد والمجتمع والثقافة، واستفادت من فريق مهني يمتلك الخبرة والقدرة على قراءة ما وراء الأخبار. لم تكن السياسة دائمًا في مقدمة العناوين، لكنها كانت حاضرة في خلفية المشهد؛ في سؤال عن الأسعار، أو عن حياة الناس، أو عن الشباب، أو عن الثقافة، أو عن مستقبل البلاد.

كان المستمع يعرف ما وراء الكلمات.

وفي الأنظمة التي تضيق فيها مساحة الكلام، يتعلم الناس عادةً فن القراءة بين السطور.

ديسمبر يطرق الباب

ثم جاء ديسمبر.

لم تكن ثورة ديسمبر مجرد حدث سياسي بالنسبة إلى الإعلام السوداني؛ كانت زلزالًا أعاد تعريف علاقة الصحافة بالشارع، وأعاد للناس ثقتهم بأن أصواتهم يمكن أن تصبح قوة سياسية.

ومع تصاعد الاحتجاجات في نهاية 2018، بدأت هلا 96 تغير خطابها وبرامجها بما يتناسب مع سرعة الأحداث. ومع انحيازها إلى مطالب الثورة، تعرضت لمضايقات واستدعاءات وضغوط أمنية، وصلت إلى إجبارها في فترات معينة على وقف برمجتها المعتادة والاكتفاء ببث الأغاني الوطنية، قبل أن تنتقل إلى الأغاني الكلاسيكية والشعبية.

وهنا حدث أمر بالغ الدلالة.

حين أُغلقت مساحة الكلام، بقيت الأغنية.

وحين لم يعد ممكنًا للمذيع أن يقول كل شيء، كانت الأغنية تقول شيئًا.

أغاني وردي ومحمد الأمين لم تكن في تلك الأيام مجرد فواصل موسيقية. كانت ذاكرة وطنية تتحرك عبر الأثير، تستعيد معنى البلاد في لحظة كان فيها الناس يحاولون انتزاع مستقبلهم من قبضة الماضي.

يقول رئيس تحرير صحيفة صوت الأمة، الطاهر المعتصم، لـ”أفق جديد” إن الإذاعة خلال الثورة كانت، رغم المضايقات، تبث الأغنيات الوطنية التي تشحذ همم السودانيين، وإن مذيعيها دخلوا بيوت السودانيين من شمال البلاد إلى جنوبها، حتى أصبحت هلا 96 جزءًا من الذاكرة الوطنية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يمنحها المعتصمون والمتابعون اسمًا لم تختره الإدارة، وإنما منحه الشارع:

إذاعة الثورة.

من الاستوديو إلى الميدان

بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، خرجت هلا 96 من المنطقة الرمادية إلى فضاء أكثر وضوحًا.

أصبح دعم التحول المدني والديمقراطي جزءًا من خطابها، وأصبح حضورها في الأحداث مباشرًا. وفي اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، وجدت الإذاعة واحدة من أهم ساحات وجودها. كانت تنقل أجواء الاعتصام، وتستمع إلى أصوات الثوار، وتناقش قضايا المرحلة الانتقالية، وتضع على طاولة النقاش أسئلة الدولة المدنية والمواطنة والتحول الديمقراطي.

كان الميكروفون هذه المرة وسط الناس.

لم تعد الإذاعة تروي الشارع من خلف زجاج الاستوديو، بل أصبحت جزءًا من الشارع.

وفي تلك الفترة، لم تعد البرامج السياسية مجرد مساحة للحوار، بل أصبحت مساحة لتخيل السودان الذي يمكن أن يأتي بعد ثلاثة عقود من الحكم الشمولي؛ سودان الدولة المدنية، والمؤسسات، والحريات، والمواطنة المتساوية.

ويقول الصحافي والمحلل السياسي أشرف عبد العزيز لـ”أفق جديد” إن هلا لعبت دورًا محوريًا في ربط الرسالة الإعلامية بمسار التحول الوطني، وأسهمت في دعم الحكم المدني وتعزيز الوعي بالمشاركة السياسية والمواطنة، مشيرًا بصورة خاصة إلى برنامج «سودان جديد» الذي فتح نقاشًا واسعًا حول التغيير والعدالة الاجتماعية ومستقبل الدولة.

لكن التجربة لم تكن سياسية فقط.

حتى في الإعلام الرياضي والترفيهي، حاولت هلا تقديم صيغة مختلفة؛ رياضة تتجاوز نتائج المباريات إلى السلام والتعايش وبناء قدرات الشباب، وترفيه لا يهبط بالذائقة العامة بل يرتقي بها.

كان ذلك جزءًا من تصور أوسع للإعلام: أن يخدم المجتمع حتى وهو يمارس وظيفته اليومية.

الانقلاب لا يطفئ الصوت

لم يطل زمن الانتقال حتى عاد السودان إلى امتحان آخر.

في 25 أكتوبر 2021، وقع الانقلاب.

مرة أخرى، كانت هلا 96 في مرمى السلطة.

أُغلقت الإذاعة ومنعت من البث لنحو 45 يومًا، وتضررت مواردها الإعلانية، ثم عادت إلى العمل وهي تحمل الخط التحريري نفسه، رافضة الضغوط والإغراءات التي كان يمكن أن تدفعها إلى تغيير موقفها.

كان يمكن للإغلاق أن يزرع الخوف.

لكنه زرع شيئًا آخر: الإصرار.

واصلت الإذاعة الدفاع عن قيم الحرية والدولة المدنية والتحول الديمقراطي، رغم استمرار الاستدعاءات والبلاغات والإجراءات الأمنية.

يصف أبو بكر عمر فرح لـ”أفق جديد” تلك المرحلة باعتبارها محاولة لإخراس صوت لم يعتد الصمت. فقبل الحرب كانت هلا، في رأيه، صوتًا بديلًا يخترق حصار الإعلام في عهد الإنقاذ، ثم جاء انقلاب أكتوبر ليضيف حلقة جديدة من القمع.

لكن ذلك لم يكن سوى مقدمة للامتحان الأصعب.

15 أبريل

في 15 أبريل 2023، بدأت الحرب.

في ذلك اليوم، تغير كل شيء.

لم يعد الخطر يأتي من أجهزة الرقابة أو أبواب مكاتب الأمن.

أصبح الخطر يأتي من الرصاص.

توقفت هلا 96 عن البث الإذاعي المباشر بسبب الظروف الأمنية. ثم تعرض مقرها للنهب والحريق والتدمير، وفقدت الإذاعة بنيتها التحتية ومعدات البث.

وهنا اكتملت المأساة.

ذلك البيت الذي عاش فيه العاملون سنواتهم، والذي احتفظ بأصواتهم وذكرياتهم، لم يعد موجودًا.

كان المشهد أكبر من خسارة مؤسسة.

كان جزءًا من صورة السودان نفسه.

بلدٌ يُحرق أمام أصحابه.

مدنٌ تفقد ملامحها.

بيوتٌ تصبح أنقاضًا.

وأحلامٌ تضطر إلى حمل نفسها والرحيل.

يقول المذيع حسن بكري إن الصدمة كانت أكبر من الوصف، وإن البيت الذي كان يضج بالحياة والعمل والأمل تحول إلى ركام. لكنه ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد” أن الميكروفون لم ينكسر، وأن الفريق واصل طريقه من مواقع النزوح واللجوء، حاملًا آلام السودانيين وأحلامهم، ومتمسكًا بالتحول المدني الديمقراطي ومحاربة الكراهية والعنصرية وقيم ديسمبر.

حين لا يعود المكان مهمًا

الحرب تطرح على المؤسسات أسئلة قاسية.

هل تستطيع الاستمرار إذا فقدت مقرها؟

هل يمكن أن تبث إذا فقدت معداتها؟

هل يمكن لفريق مشتت بين البلدان أن يبقى فريقًا؟

وهل يمكن لمؤسسة إعلامية أن تواصل رسالتها حين تصبح مواردها محدودة إلى هذا الحد؟

هلا 96 أجابت بالفعل، لا بالكلمات.

في منتصف عام 2024، أعادت إطلاق نشاطها عبر المنصات الرقمية.

كان الانتقال إلى العالم الرقمي في ظاهره ضرورة فرضتها الحرب، لكنه تحول لاحقًا إلى فرصة لإعادة تعريف معنى الإذاعة نفسها.

لم تعد هلا مرتبطة ببرج إرسال.

لم تعد بحاجة إلى استوديو تقليدي كي تصل إلى جمهورها.

لم يعد المستمع مضطرًا إلى ضبط مؤشر الراديو.

أصبح الصوت في هاتفه.

والقصة في شاشته.

والتقرير يمكن أن يصل إليه وهو في الخرطوم أو القاهرة أو جوبا أو نيروبي أو أوروبا أو أمريكا.

وهكذا، فقدت هلا مقرها، لكنها وسعت جغرافيتها.

إذاعة بلا جدران

التحول الرقمي لم يكن مجرد نقل البرامج القديمة إلى الإنترنت.

كان إعادة اختراع للمحتوى.

دخلت هلا عالم البودكاست، والتقارير الصوتية، والفيديوهات القصيرة، والأفلام الوثائقية، والقصص الإنسانية، والملصقات، والإنفوغراف، والمحتوى التوعوي والتفاعلي.

وفي هذا التحول، تغيرت طبيعة الرسالة نفسها.

في زمن السلام، يمكن للإذاعة أن تمنح المستمع أغنية، وحوارًا، وبرنامجًا رياضيًا، ونشرة أخبار.

أما في زمن الحرب، فالمهمة تصبح أكثر تعقيدًا.

عليك أن تشرح.

أن تتحقق.

أن تحذر.

أن تواجه الشائعة.

أن تمنح الضحية مساحة للكلام.

أن تروي قصة النازح دون أن تختزله في رقم.

أن تقول إن وراء كل خبر إنسانًا.

وراء كل مدينة خريطة من الذكريات.

وراء كل رقم عائلة.

مقاومة الكراهية

الحرب لا تقتل الناس فقط.

إنها تحاول أيضًا أن تقتل قدرتهم على رؤية بعضهم بعضًا كبشر.

خطاب الكراهية يسبق الرصاصة أحيانًا، ويمهد لها، ويمنحها شرعية زائفة. ولهذا أصبح التصدي للتضليل والتحريض والكراهية جزءًا من مهمة هلا 96 في مرحلتها الجديدة.

الإذاعة، وفق رؤيتها الحالية، تضع الإنسان السوداني وحقه في الحياة والأمن والسلام في مقدمة أولوياتها، وتسعى إلى تقديم المعلومات الموثوقة وتعزيز الوعي ومواجهة خطاب الكراهية، ودعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام، والتمهيد لتحول مدني ديمقراطي.

هذه ليست مهمة سهلة في بلد تتعدد فيه الروايات، وتتضارب فيه المصالح، وتتسع فيه مساحة التضليل مع اتساع مساحة الحرب.

لكن ربما هنا بالذات تظهر قيمة التجربة.

فالإعلام في الحرب لا يستطيع أن يكون محايدًا تجاه الكذب.

ولا يمكن أن يكون محايدًا تجاه قتل المدنيين.

ولا ينبغي أن يقف على مسافة واحدة من الحقيقة والتضليل.

شهادة الذين عاشوا التجربة

لعل أجمل ما في قصة هلا 96 أن شهادتها لا تأتي فقط من سجلات المؤسسة، بل من الذين مروا عبرها.

مدير دائرة الإعلام بحزب الأمة القومي المصباح أحمد يتذكرها كمنبر للحرية والأمل، وفضاءً أتاح للرأي والرأي الآخر أن يلتقيا في زمن كانت فيه المنابر تضيق. ويرى أنها أسهمت في كشف الاستبداد واستضافة الثوار وأصحاب الرأي، وأنها بقيت صوتًا للحريات والسلام والتعايش والكرامة الإنسانية.

أشرف عبد العزيز يتذكر قدرتها على الجمع بين الإعلام السياسي والتغيير في شكل الإعلام الرياضي والترفيهي، ويرى في تجربة «سودان جديد» نموذجًا لبرامج حاولت فتح النوافذ على مستقبل مختلف للسودان.

طاهر المعتصم يتذكر الأغاني الوطنية.

وربما تكمن أهمية هذه الشهادة في أن الذاكرة الإعلامية لا تحفظ الأخبار فقط؛ تحفظ أيضًا الأصوات التي صاحبتها.

تحفظ الأغنية التي جاءت في لحظة الخوف.

تحفظ صوت المذيع الذي قال شيئًا كنت تحتاج إلى سماعه.

تحفظ البرنامج الذي جمع الناس حول قضية.

تحفظ الضحكة التي جعلت صباحًا ثقيلًا أقل وطأة.

وهكذا يصبح الإعلام جزءًا من الذاكرة الشخصية.

البيت الذي حمل السودان

كان فريق هلا، كما يصفه العاملون فيها، مجتمعًا صغيرًا يشبه السودان الكبير.

وهذه الصورة تستحق التوقف.

فالسودان نفسه بلد شديد التنوع؛ لهجات متعددة، ثقافات مختلفة، أقاليم بعيدة، وذاكرات متباينة. لكن الراديو كان دائمًا قادرًا على اختصار المسافات.

صوت واحد يمكن أن يصل إلى آلاف البيوت في وقت واحد.

ولهذا دخل مذيعو هلا إلى بيوت السودانيين من الشمال إلى الجنوب، كما يقول طاهر المعتصم.

لم يكونوا يعرفون دائمًا من يستمع إليهم.

لكن المستمع كان يعرفهم.

وهذه واحدة من أعظم أسرار الإذاعة: أن علاقة من طرف واحد يمكن أن تصبح، في وجدان الطرف الآخر، علاقة متبادلة.

ماذا يعني أن تنجو مؤسسة؟

نجاة هلا 96 من الحرب لا تعني أنها خرجت منها سليمة.

فهي فقدت مقرها ومعداتها، وتضررت مواردها، وتشتت فريقها، واضطرت إلى إعادة بناء أدواتها من جديد.

لكن النجاة في هذه الحالة لا تقاس بما بقي من الأجهزة.

تقاس بما بقي من الرسالة.

وقد بقيت الرسالة.

بل ربما ازدادت وضوحًا.

فكلما اتسعت الحرب، اتسع معنى أن تكون هناك مؤسسة إعلامية تقول إن حياة السودانيين أهم من الحرب، وإن السلام ليس شعارًا، وإن المدنيين ليسوا مجرد هامش في نشرات المعارك، وإن السودان الذي يستحق المستقبل هو السودان الذي تتسع فيه مساحة الإنسان لا مساحة السلاح.

من «هلا» إلى الذاكرة

بعد أكثر من عقد، أصبحت هلا 96 مؤسسة مختلفة عن تلك التي بدأت عام 2014.

لم تعد إذاعة منوعات فقط.

ولم تعد محصورة في موجة واحدة.

أصبحت منصة إعلامية متعددة الأدوات، تحمل خبرة أكثر من عشر سنوات، وذاكرة بلد مر بثورات وانقلابات وحرب، وفريقًا تعلم أن الإعلام ليس دائمًا رفاهية مهنية، وإنما قد يصبح، في لحظات معينة، وسيلة للبقاء المعنوي.

ومن هنا، تبدو قصة هلا 96 جزءًا من قصة أكبر.

قصة الإعلام السوداني الذي ظل، رغم القيود والحرب، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا بين الرصاص.

قصة الصحافي الذي يغادر بلاده ولا يغادر مهنته.

قصة المذيع الذي يفقد الاستوديو ولا يفقد صوته.

وقصة المؤسسة التي تفقد مبناها، لكنها لا تفقد جمهورها.

الغد الذي لم يصل

ماذا تريد هلا 96 غدًا؟

الإجابة لا تبدو مجرد العودة إلى البث التقليدي.

الحلم، كما يقول العاملون فيها، هو أن تستمر في رفع الصوت المدني، والاهتمام بالقصص الإنسانية، وتوثيق الحرب بصوت سوداني حر، وأن تبقى قادرة على العمل مهما حاولت الظروف إسكاتها.

وربما يكون حلم العودة إلى السودان حاضرًا في كل ذلك.

العودة إلى وطن لا يحتاج فيه الصحافي إلى الاختباء.

إلى استوديو لا يخشى فيه المذيع من طرق الباب.

إلى مدينة لا تتحول فيها أجهزة البث إلى حطام.

إلى موجة FM تعود إليها الأصوات بعد أن تهدأ المدافع.

لكن العودة الحقيقية ليست عودة جهاز إلى مكانه.

إنها عودة السودان نفسه إلى الحياة.

الصوت الذي بقي

في النهاية، لا يمكن كتابة قصة هلا 96 باعتبارها قصة نجاح مؤسسي فحسب.

ثمة شيء أكثر عمقًا.

إنها قصة مقاومة ناعمة.

مقاومة لا تحمل سلاحًا، ولا تسيطر على أرض، ولا تملك كتائب.

مقاومة تقوم على الميكروفون والكلمة والصورة والذاكرة.

وحين نتأمل مسار الإذاعة منذ 2014، يبدو السودان نفسه كأنه مر أمام الميكروفون.

بدأت الحكاية في زمن الاستبداد.

ثم جاءت الثورة.

ثم الحلم بالدولة المدنية.

ثم الانقلاب.

ثم الحرب.

ثم النزوح.

ثم الفضاء الرقمي.

وفي كل مرحلة، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة:

هل يمكن إسكات الصوت؟

وكانت الإجابة تأتي دائمًا من مكان آخر.

لا.

يمكن إغلاق الإذاعة.

لكن لا يمكن إغلاق الحاجة إلى الحقيقة.

يمكن تدمير المبنى.

لكن لا يمكن تدمير الذاكرة.

يمكن أن يتشتت الفريق.

لكن يمكن للأصوات أن تلتقي من جديد.

يمكن أن تحترق أجهزة البث.

لكن يمكن للهاتف أن يصبح استوديو.

يمكن أن تهدم الحرب بيتًا.

لكنها لا تستطيع أن تهدم البيت الذي بنته الكلمات داخل قلوب المستمعين.

ولهذا ربما تستحق هلا 96 أن تُقرأ اليوم لا باعتبارها محطة إذاعية نجت من الحرب، وإنما باعتبارها وثيقة حية عن قدرة الإعلام السوداني على البقاء.

لقد تغيرت الأدوات.

تغيرت الأمكنة.

تغير الجمهور.

وتغير السودان نفسه.

لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا:

الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تفتح نافذة في جدار مغلق.

وأن الصوت يمكن أن يصل، حتى من تحت الركام.

وأن الإعلام، في أكثر لحظات التاريخ ظلمة، يستطيع أن يكون دليلًا على أن الحياة لم تستسلم بعد.

قد لا يكون لهلا 96 اليوم مبنى يشبه البيت القديم.

لكن لديها ما هو أبقى.

لديها ذاكرة أكثر من عقد.

لديها أصوات عاشت مع الناس.

لديها جمهور حملها معه حين حمل حقائبه وغادر.

ولديها قصة لا تزال مفتوحة.

وربما لهذا كله، فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن هلا 96 ليس أنها نجت.

بل إنها واصلت الكلام.

في بلدٍ حاولت الحرب أن تجعل الصمت لغته الوحيدة، بقيت هلا تقول إن السودان ليس بندقية فقط، وليس جبهة قتال، وليس رقمًا في تقرير إنساني.

السودان أيضًا أغنية.

وذاكرة.

وبيت.

ووجه أم.

وصوت مذيع في صباح بعيد.

وحلم دولة.

وحكاية شعب يريد أن يعيش.

وهلا 96، منذ أن بدأت رحلتها، ظلت تحاول أن تمنح كل ذلك صوتًا.

ولهذا، حين تهدأ الحرب يومًا، ويعود السودانيون إلى مدنهم، ويُفتح أول استوديو من جديد، لن تكون عودة هلا 96 مجرد عودة إذاعة إلى موجتها القديمة.

ستكون عودة صوتٍ حمل ذاكرة البلاد عبر سنوات العتمة.

صوتٍ خرج من بين الركام.

صوتٍ لم تهزمه الحرب.

صوتٍ لم يتعلم الصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى