مناورة على جثة بلد منهارة.. البرهان يحاور البرهان 

أفق جديد

أيُعقل أن تسألوني هذا السؤال؟؛ هكذا رد أحد القيادات السياسية في تحالف قوى التغيير الجذري على سؤال «أفق جديد» بشأن موقف التحالف من الحوار الذي دعا إليه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولم تكن نبرته بحاجة إلى كثير من التأويل لفهم المسافة التي تفصل بين الدعوة وموقف قطاع واسع من القوى المدنية التي لم تعد ترى في أي مبادرة تصدر عن قيادة الجيش مجرد دعوة بريئة إلى الجلوس، وإنما تقرأها في سياق طويل من المحاولات التي سبقت الحرب، ثم جاءت الحرب لتجعل كلفة أي تسوية سياسية أكثر قسوة وتعقيداً. قال القيادي إن التحالف «رفض مكافأتهما مجتمعين» ـ في إشارة إلى البرهان حميدتي ـ على انقلاب 25 أكتوبر، متسائلاً كيف يمكن بعد ذلك أن «يكافئ أحدهما على هذه الحرب» بالانضمام إلى حوار لا يريد منه، بحسب تقديره، إلا إطالة أمد جلوسه على كرسي السلطة، قبل أن يمضي في حديثه إلى قائلا نحن اختلفنا مع  القوى المدنية لانها كلما لوّح لها العسكريون بقليل من السلطة هرعت إليهم، ثم أطلق عبارته الأكثر حدة حين قال إن المكافأة التي يستحقها قادة الحرب، في رأيه، ليست مقاعد السلطة ولا طاولة الحوار، وإنما «حبل المشنقة»، وإنه لا يرى معهم حواراً أو جلوساً، وإنما تسليم السلطة التي بأيديهم والذهاب إلى سجن كوبر انتظاراً لمصيرهم أمام العدالة.

 

ولم يكن الرجل، وهو يتحدث بهذه القسوة، سياسياً عابراً على هامش المشهد؛ فهو ممن عركتهم السياسة السودانية طويلاً ، ولذلك بدا مدركاً أن عباراته لا تصلح لأن تمر كحديث عابر في مجلس خاص، فعاد بعد ذلك وطلب عدم نشر حديثه باسمه، لا لأنه تراجع عن مضمونه، وإنما لأنه يتوقع أن يصدر التحالف خلال الأيام المقبلة بياناً تفصيلياً يحدد موقفه من دعوة البرهان ومن المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب، وبالتالي فإن ما قاله يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن المزاج السياسي داخل تيار ظل يرى منذ انقلاب أكتوبر أن المشكلة السودانية لا يمكن حلها بإعادة تدوير السلطة العسكرية في صيغ مدنية جديدة. ومع ذلك، فإن أهمية حديثه لا تأتي من كونه الموقف النهائي للتحالف بقدر ما تكمن في أنه يضع إصبعه على الجرح الذي ستواجهه مبادرة البرهان منذ لحظة ولادتها: أزمة الثقة؛ إذ كيف يمكن إقناع قوى سياسية بأن دعوة الحوار تستهدف إنهاء الأزمة، بينما صاحبها ما زال يتحدث بلغة النصر العسكري، ويعلن في الخطاب نفسه مواصلة الحرب حتى «استكمال تطهير أرض السودان»؟

 

من هنا تبدأ قراءة خطاب البرهان، لا من منصة المناسبة العسكرية ولا من الكلمات الاحتفالية التي تليق بذكرى سودنة قيادة القوات المسلحة، وإنما من هذه المفارقة التي ظلت معلقة فوق الخطاب كله؛ قائد جيش يقود حرباً منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويقول إن خصمه إلى زوال، ثم يفتح في الوقت ذاته باباً لحوار سوداني شامل. وفي السياسة لا يمكن المرور على هذه المفارقة باعتبارها مجرد اختلاف في اللغة، لأن معنى الحوار يتغير تماماً بحسب موقع المتحدث منه؛ فإذا كان البرهان يعتقد أن الدعم السريع في طريقه إلى النهاية، وأن الجيش قادر على استكمال مهمته العسكرية وتحقيق الحسم، فإن دعوة الحوار تبدو أقرب إلى محاولة لترتيب مرحلة ما بعد الانتصار، أما إذا كان يدرك أن الحرب لن تنتهي عسكرياً مهما طال أمدها، وأن البلاد لا يمكن أن تستعيد عافيتها من دون تسوية سياسية تشمل أطراف الصراع والقوى المدنية والمجتمعات التي مزقتها الحرب، فإن الخطاب كان يحتاج إلى لغة أخرى، أكثر اعترافاً بالواقع وأقل احتفالاً بالانتصار.

 

ولعل المشكلة الكبرى في خطاب البرهان أنه لم يقدم هذه الإجابة، بل ترك الباب مفتوحاً أمام القراءتين معاً، فظل منطق الحرب حاضراً بقوة في مفرداته، بينما جاء الحوار كأنه المسار السياسي الذي يمكن أن يبدأ بعد أن تقول البنادق كلمتها الأخيرة. وهذه ليست طريقة سهلة لبناء عملية سلام، لأن الحوار السياسي الجاد لا يبدأ عادة من نقطة يطلب فيها أحد الأطراف من الآخر أن يسلّم سلاحه أولاً ثم يجلس، وإنما يبدأ عندما يدرك الجميع أن استمرار الحرب لم يعد قادراً على إنتاج النتيجة التي يريدها أي طرف، وأن الدولة التي يتقاتلون باسمها تتآكل تحت أقدامهم جميعاً. ومن هنا فإن شروط البرهان التي ظلت تدور حول تسليم السلاح والتجمع في مناطق محددة وعودة المواطنين قبل البحث في مستقبل المقاتلين، يمكن فهمها من منظور الدولة باعتبارها دفاعاً عن احتكارها للسلاح، لكنها في ميزان التفاوض السياسي تبدو أقرب إلى شروط استسلام منها إلى أرضية تفاوض؛ فالطاولة تصبح، في هذه الحالة، امتداداً للميدان، ويصبح الحوار مجرد وسيلة لإقناع الخصم بما لم يستطع السلاح فرضه عليه.

 

وهذا تحديداً ما يجعل موقف القيادي في تحالف التغيير الجذري أكثر من مجرد رفض سياسي للمبادرة، فهو يعبر عن تيار يرى أن المشكلة السودانية ليست في غياب الحوار، وإنما في طبيعة السلطة التي تدعو إليه، وفي السؤال المتعلق بما إذا كان الحوار سيؤدي إلى تأسيس دولة جديدة أم إلى منح السلطة القائمة فرصة أخرى لإعادة ترتيب بقائها. قد تكون لغة القيادي شديدة القسوة، وقد تبدو عباراته عن «حبل المشنقة» أقرب إلى لغة الغضب السياسي منها إلى شروط بناء السلام، لكن خلف هذه اللغة سؤال لا يمكن إسقاطه بسهولة من الحساب: هل ستكون نهاية الحرب مدخلاً إلى محاسبة من قادوا البلاد إلى الكارثة، أم ستكون مناسبة لمنحهم شرعية سياسية جديدة بعد أن فشلوا في منع الحرب أو إنهائها؟ وهذا السؤال ليس سؤال تحالف التغيير الجذري وحده، وإنما سيظهر بصورة أو أخرى أمام كل القوى المدنية التي ستفكر في الاستجابة لدعوة البرهان.

 

خمس سنوات بين خطابين

 

ولفهم عمق هذه الشكوك، لا بد من العودة خمس سنوات إلى الوراء، إلى مدينة شندي، وإلى مناسبة عسكرية تكاد تكون صورة قديمة للمشهد الذي يحاول البرهان رسمه اليوم. ففي الذكرى الثامنة والستين لسودنة قيادة القوات المسلحة، وقف الرجل نفسه يتحدث في لحظة كانت فيها البلاد قد دخلت مرحلة الانفجار السياسي الذي اعقب انقلاب 25 أكتوبر، وكانت الشوارع تضغط بكل قوتها ضد عودة العسكر إلى واجهة الحكم. يومها لم يتردد البرهان في الدفاع عن وجود الدعم السريع داخل المنظومة الأمنية والسياسية، وقال إن القوات المسلحة والدعم السريع والشرطة «يد واحدة»، مؤكداً أن أحداً لن يستطيع إخراجها من المشهد السياسي، وكان واضحاً لمن تابع ذلك الخطاب أن الرسالة موجهة إلى القوى المدنية التي كانت تطالب بإعادة تعريف علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة وبالحياة السياسية، وإن لم يسمِّ البرهان قوى الحرية والتغيير باسمها صراحة.

 

كان السودان يومها مختلفاً، لكن المفارقة أن الرجل نفسه يعود الآن إلى المناسبة ذاتها تقريباً، وقد تغير كل شيء حوله إلا أن السؤال الأساسي ما زال قائماً: ما موقع الجيش في السياسة؟ ففي شندي كان الدعم السريع حليفاً داخل المعادلة العسكرية، وكانت الأزمة تدور حول الشراكة بين المدنيين والعسكريين وحول من يملك القرار في الدولة، أما اليوم فقد تحول الحليف إلى عدو، وتحولت الشراكة إلى حرب، وتحولت الدولة نفسها إلى جغرافيا موزعة بين قوى عسكرية مختلفة، وأصبح السؤال الذي كان يبدو آنذاك نظرياً حول مستقبل العلاقة بين الجيش والسياسة سؤالاً وجودياً يتعلق بمستقبل السودان كله.

 

وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة؛ ففي ذلك الوقت كان البرهان يحذر من محاولات إخراج الدعم السريع من المشهد، بينما يقود اليوم حرباً لإخراجه منه، وكان يتحدث عن وحدة الأجهزة العسكرية والأمنية بينما أصبحت تلك الوحدة نفسها واحدة من أكبر ضحايا الحرب، وكان الخلاف السياسي يدور حول الانتقال والشراكة والانتخابات، أما اليوم فقد أصبح السودان أمام مدن مدمرة، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد منهك، ومؤسسات دولة أصابها الوهن، ومجتمعات فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على العيش الطبيعي، وقوى مسلحة تملك مناطق نفوذ لا يمكن تجاهلها في أي حديث جاد عن المستقبل.

 

ولذلك فإن المقارنة بين خطاب شندي وخطاب الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة ليست استعراضاً للماضي بقدر ما هي محاولة لفهم طريقة تفكير السلطة في التعامل مع الأزمة؛ ففي المرتين تظهر المؤسسة العسكرية في قلب المعادلة السياسية، وفي المرتين تأتي الدعوة أو الإشارة إلى الحوار من موقع القوة، وفي المرتين يظل السؤال المتعلق بحدود الدور السياسي للجيش معلقاً. غير أن الفارق هذه المرة أن البلاد دفعت ثمن السنوات السابقة دماً وخراباً، ولم يعد ممكناً التعامل مع الأزمة كما لو أنها خلاف سياسي عادي يمكن حله بتسوية بين النخب.

 

من الانقلاب إلى الحرب

 

بعد انقلاب 25 أكتوبر، لم تكن المشكلة التي واجهت البرهان ، وإنما كانت مشكلة شرعية سياسية بالدرجة الأولى؛ فالشوارع رفضت الانقلاب، والقوى المدنية رفضت الاعتراف به، وفشلت محاولات صناعة حاضنة سياسية واجتماعية واسعة له، وحاولت السلطة العسكرية عبر تجميع عدد من قيادات الإدارات الأهلية والطرق الصوفية وبعض القوى السياسية أن تصنع لنفسها قاعدة اجتماعية تستطيع من خلالها تجاوز العزلة التي فرضتها عليها الثورة. ثم جاءت محاولات الحوار التي ارتبط بعضها بمسار «روتانا»، وتوالت الوساطات والضغوط الإقليمية والدولية، إلى أن وجد البرهان نفسه مضطراً إلى الدخول في مسار تفاوضي أفضى لاحقاً إلى الاتفاق الإطاري، قبل أن ينتهي كل شيء إلى الحرب المفتوحة بين الجيش والدعم السريع.

 

في تلك المرحلة كان الحوار بالنسبة إلى السلطة العسكرية وسيلة للخروج من مأزق سياسي، أما اليوم فإن المبادرة تأتي من موقع مختلف تماماً؛ فالبرهان لا يقف أمام شارع غاضب ، وإنما أمام بلد ممزق بالحرب، ومعسكر عسكري واسع يستند إليه، وخصم مسلح يسيطر على مناطق واسعة، وقوى مدنية متفرقة لا تثق في المؤسسة العسكرية ولا تتفق في ما بينها على مستقبل المرحلة الانتقالية. ولذلك فإن استدعاء تجربة الحوار السابقة لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، وإنما يعني أن بعض الأدوات القديمة يجري استدعاؤها في ظروف جديدة أكثر خطورة.

 

خريطة تغيرت

 

أحد أكثر جوانب الخطاب ضعفاً هو أنه لم يعترف بما يكفي بحقيقة أن الحرب أعادت رسم الخريطة السياسية والجغرافية للسودان، وأن الحديث عن استعادة السيطرة لا يمكن أن يحجب حقيقة أن سنوات القتال صنعت مراكز قوة جديدة يصعب تجاوزها بمجرد إعلان الانتصار. فقوات الدعم السريع تفرض نفوذاً واسعاً في دارفور، وتدور معارك ونزاعات نفوذ في كردفان والنيل الأزرق، وتتداخل التحالفات بين القوى المسلحة، بما فيها الحركة الشعبية ـ شمال، مع مصالح محلية وإقليمية جعلت الحرب أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين مؤسسة عسكرية ومجموعة متمردة.

 

ومن الخطأ السياسي أن يُبنى الحوار على خريطة قديمة للسودان، لأن أي عملية سلام جادة ينبغي أن تبدأ من الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما ترغب الأطراف في أن يكون. فالخصم الذي تسيطر قواته على مساحات واسعة، وتملك قيادة وتنظيماً وموارد وتحالفات، لا يختفي بمجرد وصفه بأنه «إلى زوال»، كما أن وجوده على طاولة التفاوض لا يعني منحه شهادة شرعية، وإنما يعني الاعتراف بأنه جزء من المشكلة التي يجب حلها إذا كان الهدف هو إعادة بناء دولة واحدة.

 

السودان الغائب

 

يتحدث البرهان في خطابه عن الشعب السوداني ووحدة السودان والدولة السودانية، لكن المواطن الذي عاش الحرب لا يظهر بالقدر الكافي في تفاصيل المبادرة. أين الملايين الذين اقتُلعوا من بيوتهم؟ أين سكان الخرطوم ودارفور وكردفان والنيل الأزرق الذين عاشوا سنوات تحت القصف والخوف والنزوح؟ أين أسر القتلى والمفقودين؟ أين الأطفال الذين انقطعت مدارسهم؟ أين أصحاب الأعمال الذين فقدوا مصادر رزقهم؟ وأين المجتمعات التي تحولت الحرب بالنسبة إليها من حدث سياسي إلى نمط حياة؟

 

هذه ليست أسئلة إنسانية جانبية، وإنما هي صلب أي مشروع للسلام، لأن الحرب لم تكن مجرد معركة بين قوتين عسكريتين، وإنما كارثة اجتماعية أعادت تشكيل حياة ملايين السودانيين. ولذلك فإن الحديث عن «حوار سوداني شامل» يظل ناقصاً ما لم يحدد من هو السوداني الذي سيجلس إلى الطاولة، ومن يمثل النازحين واللاجئين والمجتمعات المحلية، ومن يمثل القوى التي رفضت طرفي الحرب، ومن يضمن ألا يتحول الحوار إلى اجتماع بين النخب المسلحة والسياسية بينما يظل المجتمع الذي دفع الثمن الأكبر خارج القاعة.

 

استقلال من؟

 

يقول البرهان إن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار، ولن تفرض أجندته أو مخرجاته، وإنها ستوفر الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية، وهذه صيغة تبدو في ظاهرها مطمئنة، لكنها تحمل في داخلها سؤالاً أكبر عن استقلال العملية نفسها؛ فمن يختار الجهة المنظمة؟ ومن يحدد المشاركين؟ ومن يضمن ألا يتحول الدعم اللوجستي والأمني إلى نفوذ سياسي؟ ومن يملك حق تفسير الضمانات؟ ومن يحسم الخلاف إذا اختلف المشاركون حول مخرجات الحوار؟

 

في السياسة، لا يكفي أن تقول السلطة إنها لن تدير الحوار، إذا كانت تملك في الوقت نفسه مفاتيح البيئة التي سيجري فيها الحوار. الاستقلال الحقيقي لا يكون في النصوص وحدها، وإنما في طريقة تشكيل العملية، وفي قبول جميع الأطراف بقواعدها، وفي وجود ضمانات مستقلة لا يستطيع طرف واحد تعديلها متى شاء.

 

الحصانات والثقة

 

ولعل حديث البرهان عن الحصانات ووقف الإجراءات الجنائية يكشف بوضوح حجم أزمة الثقة التي تحاول المبادرة تجاوزها؛ فمن الطبيعي أن يحتاج سياسي أو ناشط أو قيادي مسلح إلى ضمانات إذا كان سيجلس مع سلطة يخشى أن تستخدم مؤسساتها القانونية والأمنية ضده، لكن السؤال الأعمق هو لماذا يحتاج السوداني أصلاً إلى حصانة استثنائية كي يمارس حقه في الحوار السياسي؟

 

الحوار الحقيقي لا يبنى فقط على ضمان ألا يُعتقل المشاركون أثناء الاجتماع، وإنما على خلق مناخ يستطيع فيه الناس انتقاد السلطة بعد انتهاء الاجتماع من دون خوف. وإذا كانت الدولة تريد بالفعل فضاءً عاماً مفتوحاً، فإن المطلوب ليس حماية المشاركين في قاعة الحوار فقط، وإنما إعادة فتح المجال السياسي والإعلامي كله، لأن الحرية التي تبدأ عند باب القاعة وتنتهي عند الخروج منها ليست حرية سياسية، وإنما استثناء مؤقت.

 

مثلث الاستقرار

 

ولعل أكثر عبارات الخطاب دلالة قوله إن الجيش والشعب في «أكمل مراحل الانسجام»، وإن الحوار سيكمل «مثلث الاستقرار» بين الجيش والشعب والنخب، وهي عبارة تكشف، من حيث لا يقصد قائلها ربما، استمرار حضور المؤسسة العسكرية في قلب التصور السياسي للدولة. فالجيش في الدولة الديمقراطية ليس ضلعاً سياسياً موازياً للشعب والنخب، وإنما مؤسسة وطنية تخضع للدستور والقانون والسلطة المدنية، ودوره هو حماية الدولة لا المشاركة في تحديد من يحكمها.

 

وهنا تعود الأزمة السودانية القديمة نفسها؛ فمنذ الاستقلال ظل الجيش يدخل السياسة في كل مرة بحجة حماية الدولة، ثم يتحول بمرور الوقت إلى طرف في الصراع حول السلطة، ثم يأتي السياسيون للبحث عن صيغة شراكة معه، فتتعطل عملية الانتقال، ثم ينفجر الشارع، ثم يأتي انقلاب جديد، وهكذا تستمر الدائرة. وإذا كان البرهان يريد بالفعل أن يكون حواره مختلفاً عن كل الحوارات السابقة، فإن السؤال الأول الذي يجب أن يكون على طاولته هو: ما العلاقة التي يريدها السودان بعد الحرب بين الجيش والسياسة؟

 

خطاب للداخل

 

ولأن الخطاب جاء في مناسبة عسكرية، كان من الطبيعي أن يحتفي بالقوات المسلحة وبالأجهزة الأمنية والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية والقوى التي ساندت الجيش خلال الحرب، لكن المشكلة أن البرهان أراد للخطاب في الوقت نفسه أن يكون نقطة انطلاق لعملية سياسية وطنية. وهنا كان ينبغي أن تتغير اللغة، لأن السلام يحتاج إلى مفردات مختلفة عن مفردات التعبئة العسكرية؛ يحتاج إلى الاعتراف بالخسارة بقدر الاحتفاء بالصمود، وإلى مخاطبة الخصوم بلغة سياسية بدلاً من مخاطبتهم باعتبارهم أعداء ينبغي القضاء عليهم، وإلى الاعتراف بأن الدولة لا يمكن أن تعود إلى عافيتها إذا ظل نصف المجتمع تقريباً يرى أن السلطة لا تستمع إلا إلى الذين يقفون معها.

 

فالسلام لا يبدأ من تعداد حلفاء الحرب، ولا يمكن أن يكون خطاباً لجمهور واحد ثم يتحول فجأة إلى دعوة لجمهور آخر كي يأتي إلى الطاولة.

 

صمود والجذريون

 

ومن هنا يمكن فهم اختلاف مواقف القوى المدنية من المبادرة. فـ«صمود» لم يغلق الباب أمام الحوار بصورة مطلقة، لكنه وضع شرطاً واضحاً يتمثل في أن يكون الهدف النهائي للحوار هو إيقاف الحرب، بينما يبدو تحالف قوى التغيير الجذري أكثر تشدداً، وهو ما تعكسه بوضوح إفادة قياديه لـ«أفق جديد». وفي الحالتين، رغم اختلاف اللغة والدرجة، هناك نقطة مشتركة تستحق التوقف عندها: لا أحد يريد أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة القائمة.

 

وهذا يعني أن البرهان لا يواجه فقط سؤال قبول الدعوة أو رفضها، وإنما يواجه سؤالاً أعمق يتعلق بالهدف النهائي منها. إذا كان يريد حواراً لإنهاء الحرب، فعليه أن يوضح كيف يمكن أن يقود الحوار إلى وقف إطلاق النار، وكيف ستتوقف العمليات العسكرية أثناءه، وكيف ستشارك الأطراف التي لا تثق به، وكيف ستُدار المرحلة الانتقالية بعده. أما إذا كان الحوار سيجري بينما تستمر الحرب حتى «التطهير» و«النصر»، فإن خصومه سيقرأونه بوصفه مساراً سياسياً موازياً للمعركة، لا طريقاً لإنهائها.

 

خطر التقسيم

 

والوقت هنا ليس محايداً؛ فكل يوم تستمر فيه الحرب يخلق واقعاً جديداً، وكل قوة تسيطر على مساحة من الأرض تبدأ في بناء شبكاتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، ومع مرور الوقت تصبح سلطات الأمر الواقع أكثر رسوخاً، ويصبح تفكيكها أصعب، ويصبح الانقسام أكثر من مجرد نتيجة للحرب، بل بنية لها مصالح وأطراف مستفيدة منها.

 

وهذا هو الخطر الذي لم يأخذ مساحة كافية في خطاب البرهان: أن السودان قد يصل إلى مرحلة لا يكون فيها السؤال كيف نوقف الحرب، وإنما كيف ندير الانقسام الذي صنعته الحرب. وعند تلك النقطة ستكون كلفة الوحدة أكبر بكثير، لأنك لن تكون أمام جيش وقوة مسلحة فقط، وإنما أمام واقعين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين نشآ على جانبي خطوط القتال.

 

السؤال الذي لم يُجب عنه

 

كان يمكن للخطاب أن يكون أكثر قوة وتأثيراً لو أن البرهان طرح على نفسه وعلى جمهوره أسئلة صعبة بدلاً من الاكتفاء بإطلاق المبادرة: هل الجيش مستعد لتسوية لا يكون فيها منتصراً؟ هل تقبل القيادة العسكرية بانتقال سياسي جديد؟ هل تقبل المؤسسة العسكرية في نهاية المطاف بالخضوع الكامل للسلطة المدنية؟ هل يمكن إعادة بناء جيش وطني واحد لا يكون طرفاً في السياسة؟ وما مصير بقية القوى المسلحة؟ ومن يملك قرار الدولة خلال الفترة الانتقالية؟ وهل يستطيع أنصار الدعم السريع والحركة الشعبية ـ شمال أن يجلسوا إلى الطاولة بوصفهم أطرافاً سودانية، أم أن المطلوب منهم أولاً أن يعلنوا الهزيمة ثم يأتوا؟

 

هذه الأسئلة هي التي ستحدد جدية المبادرة، وليس عدد المؤيدين لها أو عدد الذين سيحضرون الاجتماع الأول.

 

بين شندي واليوم

 

وبين خطاب شندي وخطاب الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة، يمكن قراءة خمس سنوات كاملة من التحولات السودانية؛ في شندي كان البرهان يتحدث عن جيش ودعم سريع وشرطة تمثل «يداً واحدة»، واليوم يقود الجيش حرباً ضد الدعم السريع، وفي شندي كان الخلاف حول من يملك القرار في المرحلة الانتقالية، واليوم أصبح السؤال حول ما إذا كانت الدولة نفسها ستبقى موحدة، وفي شندي كانت الشوارع تطالب بالحكم المدني، واليوم أصبحت المدن نفسها بحاجة إلى إعادة بناء، وفي شندي كانت السياسة تتصارع على مستقبل السودان، أما اليوم فقد أصبحت الحرب هي التي تصوغ مستقبل السودان على الأرض.

 

لهذا فإن الخطاب الجديد لا يمكن قراءته بمعزل عن القديم، ولا يمكن النظر إلى دعوة الحوار باعتبارها حدثاً منفصلاً عن المسار الذي بدأ بانقلاب أكتوبر ثم انتهى إلى الحرب. فالمسافة بين الخطابين ليست خمس سنوات فقط، وإنما ملايين النازحين والقتلى والمصابين، ومدن دمرت، ومؤسسات انهارت، وثقة سياسية تبخرت، وأجيال كاملة دخلت الحرب وهي لا تعرف السودان الذي كان قبلها.

 

مناورة أم بداية؟

 

هنا تعود عبارة القيادي في تحالف التغيير الجذري إلى مكانها الطبيعي في التقرير؛ فالرجل لا يرى في دعوة البرهان بداية لمرحلة جديدة، وإنما يخشى أن تكون محاولة جديدة لإدارة السلطة، ولذلك جاء رفضه حاداً إلى الحد الذي جعل الحوار نفسه يبدو في نظره نوعاً من المكافأة. قد تكون هذه القراءة متشددة، وقد يختلف معها كثيرون ممن يرون أن الحوار، مهما كانت نوايا الداعين إليه، يظل أفضل من استمرار الحرب، لكن لا يمكن تجاهل السؤال الذي يقف خلفها: ماذا سيخسر البرهان إذا فشل الحوار، وماذا سيخسر السودان إذا نجح الحوار من دون أن ينهي الحرب؟

 

السؤال الثاني أخطر من الأول، لأن السودان لا يحتاج إلى نجاح شكلي لمبادرة سياسية، وإنما يحتاج إلى نهاية حقيقية للحرب.

 

ما بعد الدم

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يوزع المقاعد بين القوى المتصارعة، ولا إلى تسوية تعيد تدوير الوجوه التي ظلت تتناوب على السلطة بينما تتسع المسافة بين الدولة والمجتمع، وإنما يحتاج إلى عملية سياسية تعيد تأسيس الدولة نفسها على قواعد جديدة، تبدأ بوقف الحرب، ثم تعالج قضية الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة، وتفتح الباب أمام انتقال مدني حقيقي، وتضع العدالة في مكانها، وتعيد للنازحين واللاجئين حقهم في العودة، وتطلق عملية واسعة لإعادة الإعمار، وتمنع مرة واحدة وإلى الأبد تحويل القوات المسلحة إلى طرف سياسي.

 

فالمشكلة ليست أن البرهان دعا إلى الحوار؛ فالحوار في نهاية المطاف هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يخرج السودان من الحرب من دون أن يترك وراءه حرباً أخرى كامنة. المشكلة أن الدعوة جاءت وهي محملة بمنطق الحرب، وبثقة المنتصر قبل أن تقع نهاية المعركة، وبشروط أقرب إلى الاستسلام منها إلى التفاوض، وبخطاب يجعل الجيش طرفاً مركزياً في مثلث الحكم بدلاً من أن يعيده إلى موقعه الطبيعي كمؤسسة وطنية.

ردود أفعال

لم تحتج دعوة البرهان إلى الحوار السياسي داخل السودان إلى وقت طويل حتى تكشف حجم الفجوة التي تفصل بين صاحب المبادرة والقوى المدنية التي يفترض أن تكون واحدة من ركائز أي عملية سياسية مقبلة؛ فمنذ ان تسربت أصداء الخطاب الذي أطلق فيه القائد العام للقوات المسلحة مبادرته،  استبقت الردود الإعلان الرسمي   وتوالت  من داخل القوى المدنية، لا باعتبارها مجرد تحفظات على تفاصيل الدعوة، وإنما باعتبارها اعتراضاً على فلسفة المبادرة ومكانها وتوقيتها والجهة التي تقف خلفها والغاية التي يمكن أن تنتهي إليها. وفي مقدمة هذه الأصوات جاء التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، الذي اختار أن يضع موقفه في بيان مكتوب، واضح اللغة، لا يترك مساحة كبيرة للمناورة، مؤكداً أنه لم يتلق أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن المبادرة، ولم يشارك في أي ترتيبات متصلة بها، قبل أن يذهب إلى السؤال الأهم: ما قيمة الحديث عن الحوار إذا لم يكن الهدف الأول منه وقف الحرب التي مزقت السودان؟

 

كان بيان «صمود» أشبه بوضع خط فاصل بين الحوار الذي يمكن أن يكون طريقاً إلى السلام، والحوار الذي يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي للحرب ونتائجها. فالتحالف، الذي ظل منذ اندلاع الحرب يكرر أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تجد طريقها إلى الحل عبر الحسم العسكري، لم يتراجع عن هذا المبدأ، لكنه في الوقت نفسه رفض أن تتحول عبارة «لا حل عسكرياً» إلى تفويض مفتوح لأي مبادرة سياسية لا تضع وقف القتال في مقدمة أولوياتها. ومن هنا جاء تأكيده أن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية يجب أن يكونا غاية أي عملية سياسية ومدخلها الأول، وصولاً إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي، وأنه لا معنى لمسار سياسي منفصل عن المسارين الأمني والإنساني، لأن الحوار الذي يجري بينما تستمر المدافع في إطلاق النار قد يتحول ببساطة إلى عملية تفاوض على إدارة الحرب بدلاً من إنهائها.

 

وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط حساسية في موقف «صمود»، فالمشكلة في نظر التحالف ليست في الحوار من حيث المبدأ، وإنما في الحوار الذي يأتي منفصلاً عن وقف إطلاق النار، أو الحوار الذي يسمح لأحد أطراف الحرب بأن يدخل إلى القاعة محتفظاً بسلاحه وسيطرته العسكرية ثم يستخدم الطاولة السياسية لتثبيت ما حققه في الميدان. ولهذا يطرح التحالف سؤاله المباشر: أي حوار يمكن أن يجري تحت دوي المدافع؟ وهو سؤال يتجاوز البلاغة السياسية إلى جوهر العملية التفاوضية، لأن أي طرف يجلس إلى طاولة الحوار وهو يملك القدرة على مواصلة الحرب يمتلك في الوقت نفسه وسيلة ضغط على بقية المشاركين، ويصبح الاتفاق رهيناً بميزان القوة العسكرية لا بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات سياسية.

 

ولذلك لم يكتف «صمود» بالمطالبة بوقف الحرب، وإنما وضع شرطاً آخر لا يقل أهمية، وهو استقلال العملية السياسية عن هيمنة أي من أطراف الحرب، معتبراً أن أي مسار تفتقر ترتيباته إلى هذه الاستقلالية لن يؤدي إلى السلام، وإنما سيعيد إنتاج منطق الحرب داخل العملية السياسية. وهذه النقطة تمس بصورة مباشرة فكرة الحوار داخل السودان التي طرحها البرهان، لأن مكان انعقاد الحوار ليس مجرد اختيار تنظيمي، بل يحمل دلالة سياسية بالغة؛ فإذا انعقد الحوار في مناطق تخضع لسيطرة طرف واحد، وتحت ترتيبات أمنية وإدارية يوفرها ذلك الطرف، فكيف يمكن إقناع بقية السودانيين بأن الطاولة محايدة؟

طريق التقسيم

ويذهب «صمود» إلى أبعد من ذلك حين يلفت إلى حقيقة لم يعد ممكناً تجاهلها، وهي أن السودان اليوم يعيش انقساماً فعلياً في السيطرة على الأرض، حتى وإن لم يتحول هذا الانقسام بعد إلى تقسيم رسمي للدولة. هناك مناطق تخضع للجيش، وأخرى تقع تحت سيطرة الدعم السريع، ومناطق تتداخل فيها القوى المسلحة والحركات والحلفاء المحليون، وفي ظل هذه الخريطة المعقدة يصبح تنظيم حوار داخل مناطق سيطرة الجيش وحدها قابلاً لأن يتحول، من حيث لا يريد منظموه أو يريدون، إلى اعتراف سياسي بالأمر الواقع الذي صنعته الحرب. ولهذا يحذر التحالف من أن هذا المسار يمكن أن يقود إلى ترسيخ الانقسام بدلاً من إعادة توحيد البلاد، ويعتبر أن وحدة السودان لا يمكن الدفاع عنها بإقامة عملية سياسية فوق جزء من جغرافيته فقط.

 

لكن أكثر ما يكشف عن عمق الهوة السياسية بين «صمود» والسلطة العسكرية هو موقف التحالف من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، إذ يرفض بصورة قاطعة أن تكون هذه القوى جزءاً من أي عملية سياسية تستهدف إنهاء الحرب، متهماً إياها بأنها من أشعلت الحرب أو أسهمت في استمرارها وأنها تتكسب من استمرارها. وهذه ليست مسألة تفصيلية بالنسبة للتحالف؛ فهي تمس تعريفه لمن ينبغي أن يكون طرفاً في المرحلة المقبلة، إذ يرى أن القوى التي أسقطتها ثورة ديسمبر لا يمكن أن تعود إلى السلطة عبر بوابة الحرب، ولا ينبغي أن تتحول الكارثة التي عاشها السودانيون إلى وسيلة لإعادة تدوير القوى التي خرجت من المشهد بفعل الثورة.

 

وهذا الموقف يفتح بالضرورة على واحدة من أعقد قضايا المرحلة المقبلة: هل يمكن بناء سلام سوداني من دون معالجة قضية العدالة؟ وهل يمكن تحقيق مصالحة وطنية إذا جرى تجاوز الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب وما قبلها؟ «صمود» يرفض فكرة العفو السياسي الشامل، ويعتبر أن الإجراءات التي اتخذت ضد القوى المدنية ذات طبيعة سياسية في أصلها، لكنه في المقابل يعلن تمسكه بالعدالة والمساءلة للجميع، بمن في ذلك من أشعلوا الحرب ومن تكسبوا منها ومن ارتكبوا جرائم بحق المدنيين، مع الدعوة إلى تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذا التصور تصبح العدالة جزءاً من عملية السلام وليست خصماً لها، لأن السلام الذي يقوم على طمس الجرائم قد يوقف إطلاق النار مؤقتاً، لكنه يترك جذور الصراع حية تحت الرماد.

 

ومن داخل قيادة «صمود» جاء نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف ليمنح هذا الموقف بعداً أكثر صراحة، عندما ربط بين دعوة البرهان للحوار وبين ما اعتبره مشروعاً أوسع للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية لإعادة إنتاج السلطة عبر الحرب. وفي قراءته لوثيقة «أجندة المستقبل»، التي قال إنها صدرت عن المؤتمر الوطني المحلول في فبراير 2025 بتوقيع أحمد هارون، فإن ما يجري اليوم ليس سلسلة من التطورات المنفصلة، وإنما مسار سياسي متكامل يبدأ بالحسم العسكري ثم ينتقل إلى صيغة حكومية مدنية محدودة، قبل أن ينتهي بحوار داخلي يمنح المؤسسة العسكرية دوراً مركزياً في إدارة الدولة.

 

لا يكتفي خالد عمر بوصف هذه الرؤية بأنها نظرية سياسية، وإنما يحاول مقارنتها بما حدث بالفعل خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى تشكيل حكومة من الكفاءات، وإلى التعديلات التي عززت سلطات القيادة العسكرية، ثم إلى الدعوة الحالية للحوار داخل السودان. وبغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع تفسيره للوثيقة، فإن أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يكشف عن طبيعة المخاوف التي تتحكم في موقف جزء كبير من القوى المدنية؛ فهذه القوى لا ترى في دعوة البرهان مبادرة منفصلة عن بنية السلطة القائمة، وإنما تخشى أن تكون مقدمة لشرعنة وضع سياسي جديد يبقى فيه الجيش في مركز القرار، بينما تُستخدم واجهات مدنية لتوفير الغطاء السياسي والدولي.

 

وعند هذه النقطة يصبح الخلاف أكثر من خلاف على مبادرة؛ إنه خلاف على مستقبل الدولة بعد الحرب. خالد عمر يرى أن استمرار الحرب ليس مجرد فشل في الوصول إلى تسوية، وإنما قد يكون جزءاً من مشروع سياسي يسعى إلى استنزاف المجتمع ثم إعادة تشكيله على صورة أكثر قبولاً بسلطة العسكر، بينما يرى البرهان وأنصاره أن استمرار الحرب ضرورة لإنهاء التمرد واستعادة الدولة. وبين الرؤيتين يقف ملايين السودانيين الذين لا يعنيهم كثيراً أي تفسير ينتصر في البيانات، بقدر ما يعنيهم أن تتوقف الحرب وأن يعودوا إلى بيوتهم وأن يجدوا دولة قادرة على حمايتهم.

امتلاك الحق

أما الواثق البرير، الأمين العام لحزب الأمة القومي وعضو قيادة «صمود»، فيضيف إلى هذا الجدل زاوية أخرى تتعلق بمسألة من يملك حق تعريف الحوار نفسه. فالمشكلة في رأيه ليست في أن يجلس السودانيون إلى بعضهم، وإنما في أن تكون هناك عملية سياسية حقيقية لا يتم تصميمها مسبقاً على مقاس طرف واحد، ولا تتحول إلى آلية لتوزيع المواقع بين القوى التي تمتلك السلاح والنفوذ. ولذلك فإن قبول الحوار من حيث المبدأ لا يعني قبول أي صيغة تحمل اسمه، لأن الفرق كبير بين حوار يفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي وحوار يستخدم لاستكمال شرعنة السلطة القائمة.

 

ويأتي موقف رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي  بابكر فيصل أكثر حدة من حيث اللغة، حين وصف الدعوة بأنها «مونولوج قائد الجيش وحلفائه»، مستدعياً تاريخاً طويلاً من تجارب الحوار التي عرفها نظام الإنقاذ، ويرى أنها انتهت في معظمها إلى إعادة إنتاج السلطة نفسها من خلال استيعاب بعض الأفراد والمجموعات، بدلاً من معالجة جذور الأزمة الوطنية. وفي نظر فيصل، فإن دعوة البرهان تأتي في لحظة أسوأ من سابقاتها، لأن السودان لا يعيش مجرد أزمة سياسية يمكن حلها بصفقة بين النخب، وإنما يواجه خطراً وجودياً على وحدته وتماسكه الاجتماعي، إلى جانب كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.

 

ولهذا فإن وصف «المونولوج» ليس مجرد سخرية سياسية، وإنما محاولة لتوصيف حوار يرى فيصل أن أطرافه قد تكون معروفة قبل أن تبدأ الجلسة، وأن مخرجاته قد تكون محددة سلفاً، وأن الغاية النهائية منه يمكن أن تكون فتح الطريق أمام بقاء العسكر في السلطة بدلاً من إنهاء الحرب وإعادة البلاد إلى مسار مدني. وهو يرى أن القوى الديمقراطية التي صمدت في مواجهة الاستبداد لن تنجذب إلى بريق المناصب أو إغراءات المشاركة الشكلية، لأن القضية بالنسبة لها ليست الحصول على مقاعد في حكومة جديدة، وإنما بناء دولة لا يعود فيها الانقلاب العسكري طريقاً مشروعاً للوصول إلى السلطة.

 

وبين بيان «صمود» وقراءة خالد عمر وموقف الواثق البرير ولهجة بابكر فيصل، تتشكل صورة سياسية واضحة: القوى المدنية الديمقراطية لا ترفض فكرة الحوار لأنها ترفض السلام، وإنما لأنها تخشى أن يتحول الحوار إلى بديل عن السلام، وأن تصبح الدعوة إليه وسيلة لتأجيل وقف الحرب، أو لتثبيت نتائجها، أو لإعادة إنتاج سلطة عسكرية بواجهة مدنية. وهذا فارق جوهري ينبغي ألا يضيع وسط الضجيج السياسي الذي رافق المبادرة، لأن السودان لا يحتاج في هذه اللحظة إلى حوار لمجرد الحوار، وإنما إلى عملية سياسية تستطيع أولاً أن توقف آلة الحرب، ثم تفتح الطريق أمام معالجة أسبابها، وبعد ذلك فقط يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي حول شكل الدولة والانتقال والانتخابات وإعادة بناء الجيش والمؤسسات.

 

وفي النهاية، فإن أصعب ما في مبادرة البرهان ليس أن يجد لها مؤيدين؛ فالحرب الطويلة تصنع دائماً مجموعات مستعدة للجلوس إلى أي طاولة أملاً في الحصول على موقع أو حماية أو نفوذ. الصعوبة الحقيقية هي أن تقنع القوى التي فقدت الثقة في المؤسسة العسكرية بأن الحوار لن يكون إعادة إنتاج لتجارب الماضي، وأن تقنع المناطق التي تعيش خارج سيطرة الجيش بأن السودان كله حاضر في القاعة، وأن تقنع ضحايا الحرب بأن العدالة لن تُدفن تحت طاولة التفاوض، وأن تقنع السودانيين بأن الجيش، بعد انتهاء الحرب، لن يعود مرة أخرى لاعباً سياسياً يحدد شكل الحكومة ومصير الانتقال.

 

فالسؤال الذي تطرحه «صمود» ومن خلفه خالد عمر يوسف والواثق البرير وبابكر فيصل ليس في جوهره: هل نتحاور أم لا؟ وإنما: أي حوار؟ ولأي غاية؟ وتحت أي ضمانات؟ ومن يشارك فيه؟ ومن يملك قرار مخرجاته؟ وهل ينتهي بوقف الحرب وبناء الدولة، أم ينتهي بمنح الحرب شرعية سياسية جديدة؟

 

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستواجهه دعوة البرهان؛ فالكلمات يمكن أن تفتح باباً، لكن الذي يحدد إن كان الباب يؤدي إلى السلام أو إلى جولة جديدة من الصراع هو ما يوجد خلفه.

مقاربة جزئية  

 

 غير ان ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري، يضع دعوة الحوار في سياق أوسع من مجرد فتح قناة تفاوضية بين الجيش وبعض القوى السياسية. فبالنسبة إليه، لا معنى لحوار لا يقود إلى مقاربة متكاملة تنهي الحرب، وتخاطب جذورها، وتضع حداً لتعدد الجيوش، وتفتح الطريق أمام بناء دولة مدنية وجيش وطني مهني.

 

ويقول عرمان إنه من المؤمنين بالحوار المباشر مع الجيش، لكن على أسس ومبادئ واضحة تقود إلى سلام مستدام، لا إلى حلول هشة تعيد إنتاج الأزمة. ويشرح أن المقاربة المتكاملة، في جوهرها، هي التي تربط بين الكارثة الإنسانية ووقف الحرب ومخاطبة جذورها، بحيث تكون الحرب الحالية «آخر الحروب».

 

ولا يرى عرمان في هذه المقاربة مكافأة للإسلاميين على الحروب التي خاضوها منذ عام 1989، أو تسوية سياسية تتيح لهم العودة إلى الواجهة، بل على العكس؛ فهي، في تقديره، تستدعي محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها، وفي مقدمتها صناعة تعددية الجيوش والمليشيات واختطاف الدولة وامتطاء ظهر المؤسسة العسكرية.

 

ويضع عرمان إنهاء ما يسميه «اختطاف الدولة» بواسطة الإسلاميين شرطاً أساسياً للاستقرار والتنمية وإعادة بناء الجيش والدولة. ومن هنا، يرى أن التصريحات الأخيرة للبرهان ورئيس هيئة الأركان الفريق أول ياسر العطا، بشأن ابتعاد الجيش عن الإسلاميين وعدم مشاركة المؤتمر الوطني في الحوار، تمثل تطوراً يستحق الترحيب، لأنها، بحسب تقديره، تقرّب المسافة بين الجيش وقوى الثورة والتغيير، ويمكن أن تفتح نقطة جديدة للالتقاء حول قضية الحرب والسلام.

لكن عرمان لا يرى أن خطوة الجيش اكتملت. فالمقاربة التي يطرحها، في تقديره، لا تزال جزئية وتفتقر إلى الشمول.

ويقول إن الجيش، للمرة الأولى، يتجه إلى طرح سياسي وحوار مع بعض الأطراف القريبة منه والتي تشاركه الحرب والطعام، لكنه لم يمد يده إلى خصومه السياسيين، بل وضع شروطاً مسبقة للمختلفين معه، خصوصاً القوى المناهضة للحرب.

ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن الجيش صمم حواره قبل أن يجلس إلى المختلفين معه، وحدد الزمان والمكان، في صورة قد تؤدي، بدلاً من وقف الحرب، إلى جذب مزيد من القوى إلى معسكرها.

ولا يفصل عرمان هذه المبادرة عن تطورات الميدان. فالجيش، كما يقول، حقق تقدماً عسكرياً فعلياً وكسب معارك مهمة، لكنه «لم يكسب الحرب». ولذلك فإن تحويل التقدم العسكري إلى مدخل لحوار سياسي، من دون ربطه بوقف الحرب وإنهائها، قد يجعل المبادرة أسيرة لمعادلات الميدان وتقلباته.

ويضيف أن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، إذ تشارك فيها أطراف إقليمية قريبة وبعيدة، الأمر الذي يستدعي مقاربة داخلية وخارجية متكاملة تعبر بالسودان نحو سلام مستدام، وتخرج الجيش من دائرة الحروب إلى المهمة الأصعب: بناء جيش واحد يحتكر أدوات العنف في إطار مدني ديمقراطي.

 

الحوار مع الجميع

 

في رؤية عرمان، لا يمكن لأي مقاربة أن تدعي الشمول إذا لم تضع وقف الحرب والكارثة الإنسانية في مركزها. لذلك فإن الحوار، مهما طال القتال، يجب أن يشمل الدعم السريع وحلفاءه، وأن يقود إلى هدنة إنسانية تفتح الطريق أمام إنهاء الحرب.

ومن دون ذلك، يظل الحوار، في تقديره، «جزئياً ومعلقاً على مشاجب الحرب».

ويرى أن أمام الجيش فرصة للاستفادة من رغبة السودانيين وقوى الثورة في بناء جيش واحد، غير مسيس ومهني، وأن يطرح بدلاً من ذلك مقاربة متكاملة تستجيب لهذه الرغبة الشعبية.

ويستعين عرمان بعنوان المسرحية السودانية الشهيرة «ضرة واحدة لا تكفي» ليقدم صورة ساخرة عن أزمة تعدد الجيوش في السودان. فإذا كانت المسرحية الكوميدية التي أبدعها عادل محمد خير وأخرجها عماد الدين إبراهيم ناقشت تعدد الزوجات وقضايا اجتماعية، فإن السودان، في توصيف عرمان، أصبح أمام أكثر من ثلاثين «ضرة» مسلحة حتى الأسنان.

 

ويقول إن هذه «الضرات» المسلحة ليست مجرد ظاهرة طارئة، بل تعبير عن خلل تاريخي وبنيوي وهيكلي في الدولة والجيش. ولذلك فإن الحوار الوطني ينبغي أن يكون فرصة لإنهاء تعددية الجيوش والمليشيات، و«تسريح الضرات بإحسان»، حتى يعود السودان إلى أجندة بناء الجيش الواحد المهني، والتنمية، ودولة المواطنة المدنية بلا تمييز.

 

ولا تستثني المقاربة التي يدعو إليها أحداً؛ فهي، بحسبه، يجب أن تشمل الجيش وحلفاءه، والدعم السريع وحلفاءه، وأن تخاطب مخاوف الجيوش والقوى السياسية والمجتمعية الأخرى، وصولاً إلى سلام مستدام.

 

ويستند عرمان في ذلك إلى تجارب السودان نفسه، قائلاً إن البلاد تمتلك تجارب مهمة، بعضها نجح وبعضها فشل، ويمكن الاستفادة منها بدلاً من إعادة إنتاج أخطاء الماضي.

 

عودة الإسلاميين

 

وفي جانب آخر من حديثه، يتوقف عرمان عند تحركات الإسلاميين واجتماعاتهم داخل السودان وخارجه، بما في ذلك اجتماع تركيا، ويرى فيها محاولة لإعادة تقديم الحركة الإسلامية في ثوب جديد قبل انتهاء الحرب.

وبلهجة ساخرة، يقول إن الإسلاميين «رفعوا المصاحف على أسنة العودة للحياة المدنية»، وإنهم يحاولون نفض غبار فشلهم التاريخي عبر إحالة بعض الأسماء والواجهات القديمة إلى التقاعد، وتقديم جيل جديد وواجهات جديدة.

ويعتقد عرمان أن هذه المناورة تخدم أكثر من هدف في الوقت نفسه: إعادة ترتيب البيت الإسلامي الداخلي، وتسوية صراعات القيادة بين تياراته وشخصياته، وتقديم صورة جديدة للحركة في مواجهة التصنيف الأمريكي لها كحركة إرهابية.

 

ويختصر هذه المحاولة بالقول إنهم يريدون أن يقولوا بصوت جهير إن «الحركة الإرهابية قد توفاها الله»، من دون أن يطلبوا عزاء، وإنما سعياً إلى توحيد صفوفهم المنقسمة بين تيارات وشخصيات مختلفة.

ويضع عرمان عودة بعض قدامى المحاربين وما يسميه «توبة البراؤون» داخل السياق نفسه، محذراً من أن إعادة تدوير الوجوه القديمة تحت عناوين جديدة لن تغير جوهر التجربة السياسية التي قادت البلاد إلى الحرب.

في نهاية حديثه، يطرح عرمان سؤالاً مباشراً على قيادة الجيش: لماذا لا تلتقي مباشرة مع القوى المناهضة للحرب؟

ويقترح أن يجلس الجيش، في مكان محايد، مع قوى إعلان المبادئ، وتحالف «صمود»، والقوى الجذرية، وحركات الشباب والنساء والمقاومة، في إطار الدعوات التي طرحتها الآليات الإقليمية والدولية، بما فيها الخماسية والرباعية.

ولا يرى عرمان في مثل هذا الاجتماع تنازلاً سياسياً، وإنما اختصاراً للزمن والمراوغات، واستثماراً للطاقة السياسية المتاحة لإنقاذ ملايين النازحين واللاجئين الذين يدفعون ثمن استمرار الحرب.

 

فالسؤال، بالنسبة إليه، لم يعد من يربح الجولة المقبلة في الميدان، وإنما كيف يستطيع السودانيون أن يخرجوا من الحرب نفسها.

 

ومن هنا تأتي دعوته إلى مقاربة تجمع وقف الحرب وإنهاءها، ومواجهة الكارثة الإنسانية، وتهيئة المناخ السياسي، والحوار مع أطراف النزاع وحلفائهم، ثم الانتقال إلى المهمة الأكبر: بناء دولة مدنية ديمقراطية وجيش وطني واحد.

 

وفي جوهر طرح عرمان، لا تكفي مصافحة سياسية بين الجيش وبعض حلفائه، ولا يكفي انتصار عسكري مهما كان مهماً، ولا يكفي تبديل الإسلاميين لواجهاتهم وأسمائهم. المطلوب، كما يقول، هو اتفاق على مستقبل السودان نفسه؛ اتفاق يجعل هذه الحرب خاتمة لسلسلة حروب، لا استراحة مؤقتة بين حربين.

في النهاية، لا تقف القوى المدنية أمام دعوة البرهان إلى الحوار بوصفها دعوة عابرة يمكن قبولها أو رفضها وفق حسابات اللحظة، وإنما تنظر إليها باعتبارها اختباراً حقيقياً لما إذا كانت المؤسسة العسكرية قد أدركت أن السودان لم يعد يحتمل إدارة أزماته بالطريقة القديمة؛ فبلد خرج من حرب أكلت مدنه وقراه، وشردت ملايينه، ومزقت نسيجه الاجتماعي، وفتحت أبواباً واسعة أمام مشاريع التقسيم، لا يمكن أن تكون أولويته البحث عن صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين النخب، وإنما إيقاف الحرب أولاً، ثم تفكيك الأسباب التي أشعلتها، وإعادة بناء الدولة على أساس مختلف تماماً عما قاد إليها.

 

ولذلك فإن قيمة أي حوار لن تقاس بعدد القوى التي ستجلس حول الطاولة، ولا بحجم القاعة، ولا بعدد البيانات التي ستصدر عنها، وإنما بما إذا كان قادراً على الإجابة عن السؤال الذي تهربت منه السياسة السودانية طويلاً: كيف نبني دولة لا يستطيع فيها الجيش أن يحكم، ولا تستطيع المليشيا أن تستولي على الدولة، ولا تستطيع الحركة السياسية أن تستخدم السلاح للوصول إلى السلطة؟ فإذا لم يكن هذا هو جوهر الحوار، فإن الطاولة لن تكون أكثر من استراحة سياسية في حرب طويلة، وربما غطاءً مدنياً لواقع عسكري يريد أن يجد لنفسه شرعية جديدة.

 

السودان لا يحتاج إلى حوار يعيد توزيع المقاعد حول السلطة، وإنما إلى حوار يعيد تعريف السلطة نفسها؛ لا يحتاج إلى تسوية تحفظ مواقع الذين صنعوا الأزمة، وإنما إلى تسوية تنقذ الدولة والمجتمع من آثارها؛ ولا يحتاج إلى هدنة بين النخب، وإنما إلى سلام يشعر به النازح في معسكره، واللاجئ خارج وطنه، والأم التي فقدت أبناءها، والمواطن الذي فقد بيته ومصدر رزقه. وما لم تصل دعوة البرهان إلى هذه الحقيقة، فإن أصوات الرفض التي خرجت من «صمود» ومن القوى المدنية لن تكون مجرد معارضة لمبادرة سياسية، بل ستظل تعبيراً عن خوف أعمق من أن تتحول الحرب، بعد كل هذا الدم، من مأساة وطنية إلى مشروع سياسي لإعادة إنتاج السلطة ذاتها التي قادت السودان إلى الحرب.

 

فالسودان الذي دفع هذا الثمن الباهظ لا يستحق حواراً يعيد الماضي بوجوه جديدة؛ يستحق نهاية حقيقية للحرب، وعدالة لا تستثني أحداً، ودولة لا يحكمها السلاح، وسلاماً لا يكون مجرد هدنة بين حربين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى