التوحيد في لغة الحوار ..ما الذي تشير إليه المشاورات الداخلية للبرهان فعلياً

بقلم تسغااب أمار
باحث في مجلة هورن ريفيو
على مدى الأسابيع القليلة الماضية، عقد الفريق أول عبد الفتاح البرهان سلسلة من الاجتماعات غير المعلنة وغير الرسمية مع كتل سياسية، وزعماء صوفيين، وشخصيات من الإدارة القبلية والمحلية، ولجان مقاومة، وأكاديميين، ومهنيين مستقلين. والهدف المعلن من هذه الاجتماعات هو تمهيد الطريق لمؤتمر حوار سوداني-سوداني داخلي، قد يُعقد في وقت مبكر من شهر أغسطس.
وتتفق التقارير التي تم تأكيدها عبر الجزيرة وسودان تريبيون بشأن الاجتماعات على مجموعة مشتركة من التفاصيل: مقترحات بتعليق الملاحقات القضائية المتعلقة بعقوبة الإعدام ضد شخصيات المعارضة، ولا سيما المتهمين الموالين لصمود، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الذين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب وتقويض الدستور، والحد من حملات وسائل الإعلام الحكومية ضد المعارضين السياسيين، وتشكيل لجنة تحضيرية مستقلة مخولة بتحديد جدول أعمال المؤتمر والمشاركين فيه ومكان انعقاده وتوقيته.
يُصوّر تقرير قناة الجزيرة، الذي استند إلى مصادر سياسية مجهولة، المشاورات على أنها أسفرت عن اتفاق واسع النطاق بشأن هذه الخطوات. في المقابل، يروي تقرير صحيفة “سودان تريبيون”، نقلاً عن مسؤول في تحالف صمود حضر أحد الاجتماعات، روايةً أكثر غموضاً: إذ أبلغ البرهان شخصيات سياسية في أواخر يوليو/تموز أنه تواصل مع قيادة صمود عارضاً عليها حوافز ملموسة، من بينها رفع القيود التي تمنع بعض قادة التحالف من العمل داخل السودان. ولا تزال شخصيات بارزة في صمود غير مقتنعة، إذ تربط المبادرة بالسلطات العسكرية التي استولت على السلطة في انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتعتبر ذلك تدخلاً قسرياً لا تأييداً.
تُجري آلية الخماسية مشاورات موازية خاصة بها منذ مؤتمر برلين في أبريل/نيسان ومحادثات أديس أبابا التي عُقدت في الفترة من 3 إلى 5 يونيو/حزيران. وتشير التقارير إلى أن الجولة الأخيرة من هذه المشاورات، التي انطلقت في 29 يوليو/تموز، فشلت في تضييق الخلافات حول ترتيبات المؤتمر، ولم يحضرها صمود مجدداً. وتجري الآن عمليتان تحظيان بمتابعة دولية في آن واحد، إحداهما بقيادة بورتسودان وداخلية، والأخرى برعاية الخماسية وخارجية، وهو ازدواجية تُشير بحد ذاتها إلى مدى استمرار التنازع على ملكية الحوار.
يُشكّل الدعم الإقليمي أساسًا لكلا المسارين، فقد استضافت السعودية البرهان مرارًا في جدة حتى عام 2026، وضغطت الرياض والقاهرة معًا على بورتسودان لقبول خارطة طريق مدعومة دوليًا. وتقول مصادر مطلعة على العملية، وصفت التفاعلات لمجلة هورن ريفيو، إن الدعم يتجاوز ذلك: فقد أبدت الرياض والقاهرة دعمهما لمبادرة الحوار نفسها، وهناك خطط بديلة لعقد المؤتمر خارج السودان، ربما في السعودية، إذا استمرت الكتل المدنية في رفض إقامته في مكان تسيطر عليه بورتسودان.
يأتي هذا التوقيت بعد أقل من شهر من قرار محكمة بورتسودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان “حميدتي” دقلو وخمسة عشر شخصية بارزة في القوات غيابياً بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية مرتبطة بمقتل حاكم غرب دارفور عام 2023. وقد تناولت التغطية الإعلامية الإقليمية بصراحة الطبيعة المزدوجة للحكم: فهو بمثابة رد قضائي على فظائع حقيقية، ومؤشر في سباق الشرعية بين القوات المسلحة السودانية التي تعيد بناء مؤسسات الدولة وقوات الدعم السريع التي أنشأت محاكم موازية وحكومة سلام ووحدة معلنة من جانب واحد. وبالنظر إلى الحكم وحملة الحوار معاً، يبدو الأمر وكأنه جبهتان في حملة واحدة، قضائية وسياسية، لتحويل المكاسب الميدانية إلى شرعية دائمة.
أوضح البرهان صراحةً أن تحالف تأسيس التابع لقوات الدعم السريع وحزب المؤتمر الوطني لن يشاركا، واضعاً معايير الأهلية على أساس أن تكون أيديهم، على حد تعبيره، غير ملطخة بالدماء، وهو ما لا ينطبق عليه سجله الشخصي. وبغض النظر عن هذا الإطار، يجري العمل منذ ديسمبر/كانون الأول 2025 على مشروع مدني منفصل: إعلان نيروبي، الذي وقّعه حزب المؤتمر السوداني، وحزب الأمة الوطنية، وحركة صمود، وحركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد النور، من بين جهات أخرى. ويُعدّ النور أحد أبرز الموقعين، إذ أن فصيله، حركة تحرير السودان – عبد الواحد، الذي يسيطر على جبل مرة في دارفور، لطالما رفض التسويات المفروضة من أعلى إلى أسفل، بما في ذلك اتفاقيتي الدوحة وجوبا، مما يجعل مشاركته في إطار مدني مشترك حدثاً جديراً بالمتابعة.
بحسب مصدر لمجلة هورن ريفيو، فإن تواصل البرهان مع حمدوك يهدف جزئياً إلى تفتيت كتلة نيروبي، وذلك لتوسيع نطاق الحوار المحلي ليشمل مناطق شمال ووسط السودان حيث لا يزال صمود يحظى بتأييدها، وللضغط على الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للاعتراف بإطار عمل تقوده القوات المسلحة السودانية بدلاً من مسار نيروبي المنافس. وصف المصدر هذا، في تقييمه الخاص، بأنه صراع آخر على الشرعية وليس انفتاحاً حقيقياً. ويؤكد هذا التفسير بشكل غير مباشر فقط: إذ أثار تأييد علني حديث لأحد مفوضي الاتحاد الأفريقي لخطة الحكومة استنكاراً شديداً من صمود، الذي اتهم المفوضية بالتخلي عن حيادها، وهو ما وصفه المصدر تحديداً بأنه نوع من التأثير المؤسسي، حتى دون تأكيد وجود استراتيجية متعمدة وراء ذلك.
سبق للسودان أن خاض تجربة مشابهة. فقد أُعلن عن الحوار الوطني الذي أطلقه البشير بين عامي 2014 و2016 من جانب واحد، وقاطعته معظم أحزاب المعارضة، ثم قيّمته مجموعة الأزمات الدولية لاحقاً بأنه إجراء مفروض من أعلى يفتقر إلى الشرعية؛ إذ علّقت 18 جهة من أصل 21 جهة مشاركة انخراطها قبل اختتامه بوثيقة وطنية مثّلت شرعية لا مرحلة انتقالية. أما أي عملية جديدة تُعقد في ظل ظروف مماثلة، كفرض السلطة القائمة للشروط، والتنافس على المشاركة، ووعود بناء الثقة غير المؤكدة، فتقع على عاتقها مسؤولية إثبات جدية.
يتفاقم هذا العبء بسبب إمكانية التراجع. فتعليق التهم وتخفيف الحملات الإعلامية إجراءاتٌ يمكن للسلطة نفسها التي منحتها سحبها، ولا يوجد في التقارير ما يشير إلى آليات ملزمة، سواءً كانت قانونية أو مؤسسية أو دولية، تجعل التراجع عنها مكلفاً. في غياب هذه الآليات، تصبح هذه الخطوات مجرد إشارات إلى النوايا وليست تغييراً هيكلياً.
بالنسبة لإثيوبيا، فإن المخاطر ليست مجردة. فالحدود السودانية الإثيوبية منطقة مشتركة تتفاقم فيها التطورات على كلا الجانبين. تستضيف إثيوبيا لاجئين سودانيين في منطقتي بني شنقول-غمز وأمهرة وسط تدفق مستمر للعائدين، إلى جانب مصالح أعمق تتعلق بالحدود المشتركة والترابط الهيدرولوجي للنيل الأزرق، مما يجعل هشاشة الوضع السوداني مصدر قلق إثيوبي مباشر. وقد أدت الاشتباكات المتجددة بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي إلى سقوط مقذوفات على مخيمات اللاجئين على الجانب السوداني من الحدود في أوائل أغسطس، مما أسفر عن إصابة لاجئين سبق لهم النزوح. إن أي تسوية ترسخ هيمنة القوات المسلحة السودانية تحت غطاء مدني لن تسهم في استقرار تلك الحدود، بل ستضع نموذجاً للانتصار العسكري المتستر بحوار وطني، وهو نموذج من شأنه أن يلفت انتباه الجيوش الإقليمية الأخرى.
إن ما سينقل هذا الأمر من مجرد استعراض إلى واقع ملموس يتجلى في النمط الذي بدأ يتشكل: مفوض من الاتحاد الأفريقي مستعد لمباركة العملية قبل تنفيذها، ومسار اللجنة الخماسية الذي تعثر في نفس الأسبوع الذي أعلن فيه مسار البرهان عن موافقته، وأفاد بوضع خطة طوارئ لعقد المؤتمر على الأراضي السعودية إذا لم يحضره المدنيون السودانيون من داخل السودان. كل ذلك رهان صغير على إمكانية بناء الشرعية من خلال الضغط الخارجي والإغراءات الداخلية بشكل أسرع من اكتسابها عبر المتابعة. وقد أتى هذا الرهان ثماره للسلطات السودانية قبل أن تبقى وثيقة البشير الوطنية حبيسة الورق لفترة طويلة بعد أن فقدت العملية التي أنتجتها زخمها. وسيتضح ما إذا كان هذا الحوار سيكسر هذا النمط أو يكرره قبل انعقاد المؤتمر نفسه، وذلك من خلال ما إذا كانت اللجنة التحضيرية، بمجرد تشكيلها، ستخضع لأعضائها أم للشخص الذي دعا إليها.
في غياب تلك المؤشرات، فإن المشاورات الجارية الآن من الأفضل أن تُقرأ ليس على أنها بداية الانتقال السياسي في السودان، بل على أنها أحدث محاولة لجعل النتيجة العسكرية تبدو وكأنها كذلك.





