أميرة أحمد.. أمّ خلف القضبان وأطفال يحدقون في الباب علها تعود

بقلم: محمد عبد الباقي

في الليل، حين يهدأ كل شيء، لا يهدأ البيت.

هناك، في أحد أحياء بحري، خمسة أطفال ينتظرون امرأة لا يعرفون أين هي. ينتظرون صوت مفتاح يدور في الباب، وخطوات تعرفها أقدامهم الصغيرة، ويداً تمتد إلى رؤوسهم قبل النوم.

لكن الباب لا يُفتح.

منذ أكثر من خمسة أسابيع، غابت أميرة أحمد إبراهيم، ولم تعد.

لم تذهب إلى مكان بعيد باختيارها، ولم تسافر بحثاً عن الأمان، ولم تترك أطفالها خلفها طوعاً. اقتيدت من منزلها في مساء السادس عشر من يوليو الماضي، وفق إفادات مقربين من أسرتها، إلى جهة احتجاز تقول الأسرة إنها تقع داخل مبنى المباحث المركزية في بحري.

ومنذ ذلك المساء، تحولت حياة أطفالها إلى انتظار طويل، وتحولت حياة أميرة إلى سؤال مفتوح خلف أبواب مغلقة.

امرأة لم تنزح

حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لم يكن البقاء في الخرطوم وبحري بالنسبة إلى كثير من الأسر قراراً سياسياً أو انحيازاً إلى طرف من أطراف الحرب.

كان البقاء، ببساطة، هو الخيار الوحيد الذي بقي لهم.

كانت أميرة واحدة من هؤلاء.

في السابعة والأربعين من عمرها، وتعمل مسجلة حضور في إحدى مدارس محلية بحري، وتتقاسم مع زوجها محمد حسن سنادة مسؤولية إعالة أسرة لا تملك كثيراً من المال.

فالزوج يعمل حارس أمن في أحد المصانع، بينما تحصل أميرة من عملها على دخل محدود. حياة بسيطة، وبيت متواضع، وخمسة أطفال.

لم تكن الأسرة تملك مدخرات كبيرة، ولا سيارة، ولا بيتاً آخر في مدينة آمنة، ولا قدرة مالية تسمح لها بأن تقول: سنغادر الآن.

وحين تمددت الحرب داخل العاصمة، وسيطرت قوات الدعم السريع على مناطق واسعة من بحري، وجدت أميرة نفسها أمام خيارين كلاهما مر.

إما أن تبقى في منزلها وسط الحرب، أو أن تخرج إلى المجهول.

والخروج نفسه بلا شك يحتاج إلى مال.

يحتاج إلى أجرة سيارة، وإلى طعام في الطريق، وإلى مكان يمكن الوصول إليه، وإلى قدرة على تحمل مخاطر الطرق التي كانت الحرب قد جعلتها أكثر خطورة من البيوت المحاصرة.

لذلك بقيت.

عامان من الخوف

لم يكن منزل أميرة مكاناً آمناً.

القصف يصل إلى الأحياء السكنية، والطائرات تحلق فوق المدينة، والأسلحة الثقيلة تهز الجدران، والرصاص الطائش يمكن أن يدخل من نافذة أو سقف دون أن يعرف أحد من أين جاء.

في تلك الليالي، كانت أميرة تضم أطفالها إليها.

تحاول أن تجعل جسدها الصغير جداراً بينهم وبين الخوف.

كان عليها أن تبحث عن الطعام، وأن تدبر الماء، وأن تتعامل مع انقطاع الكهرباء والخدمات، وأن تحاول توفير الدواء في مدينة تحولت فيها أبسط الاحتياجات إلى معركة يومية.

ومن بين أطفالها طفل يعاني من متلازمة داون.

وعليها، فوق كل ذلك، أن تواصل الحياة.

لم تغادر أميرة المنزل طوال فترة سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة، والتي امتدت لأكثر من عامين.

كان يمكن أن تصبح وأسرتها رقماً آخر في قوائم المدنيين الذين ابتلعتهم الحرب.

لكنها نجت.

نجت لا لأن المكان كان آمناً، وإنما لأنها تعلمت كيف تعبر من يوم إلى آخر.

الخطر الآخر

وحين بدأت المعارك العسكرية تنحسر عن الخرطوم، ربما اعتقدت أميرة أن أسوأ ما يمكن أن يحدث قد انتهى.

لكن الحرب التي تترك خلفها الركام لا تنتهي دائماً بانتهاء إطلاق النار.

في مساء الخميس السادس عشر من يوليو، وفق روايات مقربين من الأسرة، وصلت قوة أمنية إلى منزل أميرة.

كانت القوة، بحسب الإفادات، تتبع لما يعرف بـ”الخلية الأمنية”، وهي تشكيل أمني يضم عناصر مدنية وعسكرية، ويقال إن والي الخرطوم أحمد عثمان كان من أوائل من شكلوه.

دخلت القوة المنزل.

ثم اقتيدت أميرة.

لم يكن أطفالها يعرفون إلى أين تأخذها القوة.

ولم تكن تعرف هي، على ما يبدو، إلى متى سيستمر غيابها.

تركت خلفها خمسة أطفال.

ومنذ ذلك المساء، أصبح السؤال داخل المنزل أكبر من أعمارهم الصغيرة:

أين أمي؟

تهمة بلا محاكمة

بعد مرور أكثر من شهر على توقيفها، تقول أسرتها إن أميرة لم تُعرض على النيابة، ولم تعرف الأسرة بوجود بلاغ يمكن متابعته عبر الإجراءات القانونية، كما لم تُمنح، بحسب إفادات مقربين منها، فرصة منتظمة للدفاع عن نفسها أو معرفة تفاصيل الاتهام الموجه إليها.

لم يسمح لأسرتها بمقابلتها سوى مرة واحدة.

ثم أغلقت الأبواب من جديد.

وبحسب مقربين تحدثوا إلى “أفق جديد”، فإن أميرة متهمة بالتعاون مع قوات الدعم السريع.

لكن أسرتها تنفي ذلك بشدة، وتقول إن التهمة لا تستند إلى واقع، وإن أميرة لم تكن سوى امرأة فقيرة بقيت في منزلها لأنها لم تكن تملك المال الذي يسمح لها بالنزوح.

السؤال هنا ليس فقط: هل أميرة مذنبة أم بريئة؟

السؤال الأسبق هو: أين القانون؟

إذا كانت هناك أدلة، فلماذا لا تُعرض أمام النيابة؟

وإذا كانت هناك تهمة، فلماذا لا تُواجه بها؟

وإذا كان هناك بلاغ، فلماذا لا تعرف الأسرة رقمه ومكانه ومساره؟

وإذا كانت الدولة تملك ما يكفي لإدانتها، فلماذا تبقى خلف أبواب لا يعرف أهلها كيف يصلون إليها؟

ثم إن أميرة، بحسب أسرتها، تعاني من مرض السكري.

وهذا يجعل احتجازها بمعزل عن أسرتها ومحاميها أكثر إثارة للقلق، خصوصاً مع غياب المعلومات الواضحة حول مكان احتجازها وظروفه والرعاية الصحية التي تحصل عليها.

خمسة أطفال

لكن خلف القضية القانونية توجد مأساة أكثر صمتاً.

خمسة أطفال ينتظرون أمهم.

أربع طفلات وطفل يعاني من متلازمة داون.

هؤلاء لا يفهمون تعقيدات الحرب، ولا يعرفون شيئاً عن الاتهامات الأمنية، ولا يستطيعون قراءة الخرائط السياسية التي قسمت السودان إلى مناطق نفوذ وسلاح.

يعرفون شيئاً واحداً فقط:

أمهم غائبة.

تقول الأسرة إن الطفلات يبكين باستمرار، وإن غياب أمهن ترك فراغاً لا يستطيع الأب ولا الأقارب ملأه.

فالأم التي كانت تضمهن إلى صدرها في ليالي الخرطوم المظلمة، وتبحث لهن عن الطعام والدواء، أصبحت فجأة خلف باب مغلق.

لا يمكن الاتصال بها.

لا يمكن الاطمئنان عليها.

ولا يستطيع الأطفال حتى أن يعرفوا متى ستعود.

وهكذا صار الليل أطول من المعتاد.

وصار الباب أكثر حضوراً من كل شيء.

كلما سمع الأطفال حركة في الخارج، ربما ظنوا أن أمهم عادت.

ثم يمر الصوت.

ويبقى الباب مغلقاً.

جريمة البقاء؟

في قصة أميرة مفارقة قاسية تكشف جانباً من مأساة الحرب السودانية لا يظهر دائماً في بيانات الجبهات وأخبار الانتصارات والهزائم.

امرأة بقيت في منزلها لأنها لم تستطع النزوح.

ثم أصبحت مهددة بسبب بقائها في منطقة تسيطر عليها قوة مسلحة.

وحين انتهت السيطرة العسكرية على المنطقة، لم تجد الأمان الذي انتظرته، وإنما وجدت الاعتقال.

التهمة، وفق ما تنقله الأسرة، هي التعاون مع الدعم السريع.

لكن كيف يمكن أن يكون مجرد البقاء في منزل داخل منطقة تسيطر عليها قوة مسلحة دليلاً على التعاون معها؟

كم من السودانيين فعلوا الشيء نفسه؟

وكم من الأسر لم تستطع مغادرة الخرطوم لأن كلفة الرحيل كانت أكبر من قدرتها؟

وكم من المدنيين ظلوا في منازلهم لأنهم لم يجدوا سيارة، أو مالاً، أو مكاناً يذهبون إليه؟

كان النزوح بالنسبة إلى بعض السودانيين قراراً.

أما بالنسبة إلى آخرين، فكان رفاهية لا يستطيعون دفع ثمنها.

ومن بين هؤلاء كانت أميرة.

لم تكن تملك جيشاً.

ولا سلاحاً.

ولا سلطة.

كانت تملك فقط بيتاً صغيراً وأطفالاً وخوفاً ودخلاً محدوداً.

أسئلة الأطفال

اليوم لا تطالب بنات أميرة بشيء معقد.

لا يطلبن تفسيراً للحرب.

ولا يفهمن صراع الجيش والدعم السريع.

ولا يعرفن شيئاً عن السياسة.

إنهن يردن أمهن.

لكن قبل عودتها، يردن أن يعرفن أين هي.

لماذا اعتُقلت؟

من أمر باعتقالها؟

ما التهمة المحددة الموجهة إليها؟

ما الأدلة عليها؟

وأين البلاغ الذي يفترض أن تخضع بموجبه للإجراءات القانونية؟

تريد الأسرة أن تُعرض أميرة على النيابة، وأن تحصل على حقها في الدفاع عن نفسها، وأن يعرف محاموها وأهلها مكان احتجازها، وأن تتوقف حالة الغموض التي تحيط بمصيرها.

فحتى المتهم، أياً كانت التهمة الموجهة إليه، له حقوق لا ينبغي أن تسقط بمجرد الاشتباه.

والدولة التي تقول إنها تحارب من أجل القانون لا يمكن أن تجعل القانون نفسه غائباً عن أماكن الاحتجاز.

الباب المغلق

ربما لا تعرف أميرة أن طفلتها ذات الثلاثة عشر عاماً ما زالت تنتظرها.

وربما لا تعرف أن طفلها الذي يحتاج إلى رعايتها يسأل عنها بطريقته الخاصة.

وربما لا تعرف أن البيت الذي تركته خلفها لم يعد كما كان.

هناك خمسة أطفال يتعلمون الآن كيف يعيشون من دون أمهم.

وهناك أم مريضة بالسكري لا تعرف أسرتها متى ستخرج من مكان احتجازها.

وبين الطرفين باب مغلق.

خلف الباب امرأة تنتظر أن تعرف مصيرها.

وخلف باب آخر أطفال ينتظرون أن تعود أمهم.

وبين البابين تقف دولة مطالبة بأن تجيب عن سؤال بسيط، لكنه لا يحتمل التأجيل:

هل كان بقاء أميرة في منزلها وسط الحرب جريمة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعليها أن تقول ما هي الجريمة، وأن تقدم أدلتها، وأن تضعها أمام القضاء.

وإذا كانت الإجابة لا، فعليها أن تفسر لماذا ما تزال امرأة مريضة، فقيرة، وأم لخمسة أطفال، خلف القضبان، من دون محاكمة واضحة ومن دون أن تعرف أسرتها مصيرها.

فأميرة لم تكن تعرف، عندما اختارت البقاء في منزلها، أن النجاة من الحرب يمكن أن تتحول يوماً إلى تهمة.

ولم تكن تعرف أن البيت الذي احتمت به من الرصاص قد يصبح هو المكان الذي يبدأ منه طريقها إلى المعتقل.

أما أطفالها، فلا يعرفون شيئاً عن كل ذلك.

إنهم يعرفون فقط أن أمهم خرجت ذات مساء.

ولم تعد.

ومنذ ذلك اليوم، ظلوا ينظرون إلى الباب.

ينتظرون أن يُفتح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى