من قيسان إلى المجهول.. آلاف المدنيين يفرون من جحيم الحرب

أفق جديد
لم يكن صباح مدينة قيسان التي تقع على بعد نحو 170 كيلومترًا جنوب شرقي الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، يشبه صباحات موسم الزراعة؛ فبدلًا من أن ينشغل المزارعون بأراضيهم ومحاصيلهم، وجد آلاف السكان أنفسهم يفرون من المدينة تحت وطأة القتال، تاركين خلفهم منازلهم وأسواقهم ومصادر رزقهم.
هجوم جديد على المدينة في إقليم النيل الأزرق دفع الآلاف إلى النزوح نحو مناطق وحدة “بكوري” الإدارية، بينما امتدت تداعيات المعارك إلى الأسواق والمزارع، مع حديث عن عمليات نهب وحرق للمحاصيل ومدخلات الإنتاج الزراعي.
مؤخرًا شنت قوات الدعم السريع، مسنودة بقوات الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، هجومًا على مدينة قيسان وفقًا للمحافظ جمال القاضي. وقال القاضي، في تصريحات إعلامية، إن القوات المهاجمة ارتكبت انتهاكات واسعة بحق سكان المدينة، ونفذت عمليات نهب طالت الأسواق التجارية، إلى جانب مدخلات الموسم الزراعي، مشيرًا إلى أن القوات المهاجمة أحرقت أيضًا مساحات من المحاصيل الزراعية.
وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 2500 شخص (ما يعادل 500 أسرة) من قيسان عقب الاشتباكات، وقالت المنظمة إن غالبية الأسر نزحت إلى مواقع أخرى داخل المنطقة، فيما عبرت أسر أخرى الحدود إلى إثيوبيا.
وأوضحت أن غالبية الأسر المتضررة نزحت إلى مواقع أخرى داخل منطقة قيسان، فيما عبرت أسر أخرى الحدود إلى إثيوبيا.
وأكدت المنظمة في بيان أن الوضع في المنطقة لا يزال “متوترًا ومتقلبًا”، وأشارت إلى أنها تواصل مراقبة التطورات الميدانية عن كثب.
كما أدانت محافظة قيسان، في بيان صحفي، ووصفته بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان”، تستهدف لقمة عيش المواطنين وأمنهم، لا سيما مع انشغال الأهالي بفلاحة أراضيهم خلال الموسم الزراعي.
وقالت المحافظة إن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تتصدى للقوات المهاجمة في مختلف محاور المدينة، مؤكدة استمرارها في الدفاع عن المنطقة.
وحذرت من أن استهداف المزارعين وحرق المحاصيل خلال الموسم الزراعي يمثل “تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن الغذائي والاستقرار في المنطقة”.
وأبلغ عاملون في الحقل الإنساني “أفق جديد” أن الأوضاع الإنسانية في مخيمات النيل الأزرق تحتاج إلى تدخل عاجل من المنظمات الإغاثية والجهات الحكومية لتوفير أبسط مقومات الحياة، من مياه نظيفة وغذاء ومأوى، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار الذي قد يفاقم الأوضاع الصحية ويعمّق المعاناة اليومية للنساء والأطفال.
يقول عبد الله جماع وهو نازح من قيسان لـ”أفق جديد”: “بدأنا نسمع أصوات الرصاص والاشتباكات، وبعدها لم يعد أمامنا خيار سوى الخروج من المدينة. تركنا بيوتنا وكل ما نملك، ولم نكن نعرف إلى أين نتجه، المهم أن نبتعد عن مكان القتال ونحافظ على أرواحنا”.
وأضاف: “الناس كانوا في حالة خوف شديد، وكل أسرة كانت تحاول أن تجمع أطفالها وتخرج بهم. شاهدنا أشياء صعبة لا نستطيع حتى الحديث عنها، وكان الخوف من التعرض للأذى يرافقنا طوال الطريق”.
من جهتها تقول حليمة هارون لـ”أفق جديد”: “الطريق كان صعبًا جدًا بسبب الأمطار والوحل والطين. كنا نمشي بصعوبة، وبعض كبار السن والأطفال لم يستطيعوا مواصلة السير بسهولة. أحيانًا كنا نتوقف لأن الأرض أصبحت موحلة ولا نستطيع التقدم”.
وأضافت: “أصعب شيء كان الأطفال. بعضهم كان يبكي من الخوف والتعب، ولم تكن لدينا وسيلة نقل كافية. اضطررنا إلى حمل الأطفال ومساعدة كبار السن، وكلما زاد المطر أصبح الطريق أصعب”.
بدوره يقول نازح لـ”أفق جديد”: “تركنا منازلنا ومزارعنا، ولم نتمكن من أخذ شيء معنا. الموسم الزراعي كان أملنا في توفير الطعام والعيش، والآن لا نعرف ماذا سيحدث لمحاصيلنا أو مزارعنا”.
وتابع: “عندما وصلنا إلى منطقة بكوري شعرنا بشيء من الأمان، لكننا وصلنا بلا طعام كافٍ ولا ملابس ولا احتياجات أساسية. نحتاج إلى المساعدة، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن”.
في قيسان، لا تنتهي الحرب بانحسار أصوات الرصاص؛ فآثارها تبقى في المزارع المحروقة، والأسواق المنهوبة، والبيوت التي غادرها أصحابها على عجل. وبينما يبحث آلاف النازحين عن مكان آمن، يواجه المزارعون خسارة موسم قد يكون بالنسبة لهم الفاصل بين البقاء والجوع. وهكذا تتحول المعركة على الأرض إلى معركة أخرى على لقمة العيش، فيما يهدد تدمير الزراعة والنزوح المتكرر ليس حياة السكان وحدها، بل مستقبل الأمن الغذائي في النيل الأزرق.





