السودان الوطن الواحد: تأملات في جدلية المبنى والمعنى!!

عبدالعزيز حسن علي

aali212@proton.me

عندما انهار المبنى دفعةً واحدةً تفرّق السكان بحثًا تحت الأنقاض، وفوقها عن سبب عاجل لتبرير الكارثة. في الغالب سيكون التبرير مختزلًا في سبب واحد “باتع ماتع” بسبب الكسل الذهني والرغبة المتأصلة في الشجار والفصال وتجريم الآخرين مقابل تبرئة الذات.

هل صحيح أن المبنى انهار دفعةً واحدةً؟

“الحضارات لا تسقط فجأة، بل تبدأ رحلة الانهيار حين يضعف الإنسان نتيجة الظلم والفقر، وتتحكم به سلطة همها الجباية بدل العدل، فإذا فقد الناس الشعور بالعدالة، ضعفت رغبتهم في الإنتاج والبناء، وبدأ العمران في التآكل من الداخل حتى لو بدت الدولة قوية من الخارج. 1

لماذا تم التغاضي عن التشققات الكبيرة والعلامات الدالة على الانهيار في الأبراج الجنوبية والغربية للمبنى رغم تحذيرات الحريصين الذين صُنِّفوا وقتها كمغرضين.

عندما انهار المبنى أُلْقِيَ اللوم على المهندسين الأوائل الذين قاموا بالتصميم والإشراف على تنفيذ المبنى بسبب ضآلة تعليمهم، وقلة خبراتهم المعمارية، ويقال أيضًا فسادهم، بينما يحصر البعض الاتهام للمقاول الذي تلاعب في مواد الأساسات وتوصيلات الكهرباء الداخلية، والمياه، ورسومات الزينة في واجهة المبنى المطل على شارع رئيسي.

هنالك إصرار يقيني عند البعض يعود بالعلة إلى البلدية التي منحت تصريح المبنى منذ عقود، وكانت وقتها – أي البلدية – على علم تام بأن الأرض الممنوحة للمبنى تمور من تحتها المياه الجوفية، ولا تبتعد كثيرًا عن خط الزلازل البركانية، ورغم ذلك لم تقم بتحذير السكان بضرورة الصيانة الدورية، وعدم زيادة طوابق علوية فوق المُصرَّح بها.

يشير البعض كذلك بالسبب إلى مشروع الحفريات الذي ابتدرته لجنة الحي الشبابية الجديدة في الشارع الرئيسي للمبنى، الأمر الذي أثار غضب مصالح أصحاب المحلات التجارية على جانبي الشارع، فرفعوا أصواتهم بغضب إلى أعلى، فارتطمت بالمبنى، وعطلت اكتمال مشروع التغيير، وظلت الحفريات في الشارع الرئيسي مجمعًا لمياه الأمطار، وكذلك مطارًا حربيًا تنطلق منه أسراب الناموس والبعوض صوب المبنى وساكنيه.

“عندما تتصادم أسس أي فكرة مع عملية تجسيدها، فإن هذا التصادم في حد ذاته يجب أن يدلنا على أن هنالك خللًا ما في مكان ما، لابد أن نبحث عنه وأن نكتشف موضعه، ثم نحاول إصلاح الخلل؛ هل هو عندنا؟ هل هو عندهم؟ أم هو عضوي في الفكرة ذاتها”. 2

بعد افتتاح المبنى بقليل طالب بعض السكان ظاهري التدين واللحى ببناء مسجد صغير في الطابق الأرضي لإقامة الصلوات وحماية كامل المبنى بالدعاء المبارك. يُقال إن الاقتراح حصل على إجماع السكان متفوقًا على اقتراح آخر بتخصيص المكان لعيادة طبية صغيرة للحالات غير الحرجة لسكان المبنى والجوار، خاصة أن الحي محاط بمساجد عديدة تبحث عن مصلين.

الجدير بالذكر أن اقتراح العيادة لم يسقط وحده عند تصويت سكان المبنى، بل سقط صاحبه أيضًا في نظر السكان! واتُّهم بأنه يعزف أحيانًا الجيتار لوقت متأخر من الليل وتنبعث من شقته روائح سجائر غير مصرح بها، الأمر الذي أنكره هو وزاد أنه لا يدخن أساسًا، ويستخدم فقط (العماري) الجيد في غير نهار شهر رمضان.

وقتها أيضًا لوحظ أن بعض السكان ولجنة المبنى بأكملها قد وافقوا بحماس على فكرة المسجد الأرضي رغم أنهم لم يكونوا من الراكعين، ويقال إن أسبابهم كانت مادية بحتة لا علاقة لها بركعتي تحية المسجد، ويعود السبب في حماسهم لأن بناء مسجد في المبنى يمنحهم تخفيضًا ضريبيًا من ضريبة العقارات الباهظة المفروضة من البلدية التي كانت تخضع للابتزاز الديني للحفاظ على سلطتها المشكوك في شرعيتها. عند ذاك وعدت لجنة المبنى السكان أن الوفر الضريبي سيودع في حساب توفير بنكي بفائدة (شرعية) ويضاف لبند صيانة المبنى، يومها صفق السكان طربًا لعبقرية لجنة المبنى الاقتصادية والإدارية الفذة.

انهار المبنى دفعة واحدة رغم المسجد المبارك، والدعاء الحار لظاهري التدين واللحى في صلواتهم، وكذلك رضا البلدية، الانهيار الذي قاد إلى مطالبة بعض الشباب بمحاسبة أعضاء لجنة المبنى والتصريح بغضب أن التوفير في بند ضرائب العقارات ومبالغ مالية أخرى مستقطعة من السكان لم تذهب حسب الخطة المعلنة لصيانة المبنى، بل صان به بعض الأعضاء أنفسهم.

انْهار المبنى لأسباب متعدّدة؛ منها روح الأنانية والتسلّط التي تمكّنت من بعض السكان، رغم روح الانتماء والتغيير عند معظم السكان وأصواتهم المحذّرة بالانتباه لعلامات السقوط، لكنّ صدها ضاع وسط الأبراج المتعدّدة للمبنى.

في البحث المضني عن أسباب انهيار المبنى ستذهب الظنون أيضًا للبحث عن أسباب مرتبطة بالسكان، وهنا غالبًا سيتدخل الذاتي أكثر من الموضوعي في إلقاء التهم على البعض وإعفاء البعض الآخر.

يُقال إن الساكن في الطابق السابع يُسرف في استخدام المياه مما سبّب شقوقًا في الجدار، وهي التهمة التي رفضها بعضهم بحجة أن ساكن الطابق السابع يصلّي معهم الفجر حاضرًا، وأن ما يُسمع كصوت خرير المياه ما هو إلا بكاؤه آناء الليل وأطراف النهار، وأنه لشدة تدينه وورعه يحافظ دوماً على وضوئه خشية أن يقابل وجه ربه غير طاهر، خاصة أنه كان يساريًا متطرفًا في شبابه الباكر.

كذلك يشير بعض السكان علنًا وبغيظ إلى الساكن في الطابق التاسع عشر بأنه السبب المباشر لانهيار المبنى لأنه لا يحضر معهم صلاة الجماعة والعيدين، وهنالك أصوات موسيقى عالية التردد والذبذبة تنبعث من شقته في إجازة نهاية الأسبوع أصابت الأعمدة الرئيسية الحاملة للمبنى بالتشقق، بالإضافة إلى أنه شوهد أكثر من مرة وهو يدخل المبنى حاملًا صحف المعارضة.

وهكذا سوف يبحث كل طرف عن ذريعةٍ يُجرّم بها الآخرين ويبرئ نفسه، والنفس هنا سوف تشمل جماعته العرقية، حزبه السياسي، جيله، وفريق الكرة الذي يشجعه، ومطربه المفضل.

من يستطيع الجزم أن هنالك سببًا واحدًا لانهيار المبنى؟

هل تمت دراسة العلاقة العضوية بين خريطة المبنى الأولية والمواد المستخدمة في البناء؟

كيف أدارت لجنة المبنى سُلَّم الأولويات عند افتتاح المبنى؟

 

هل رُكِّزَت الموارد المالية والإدارية نحو المهام الأكثر أهمية وتأثيرًا مثل صيانة المبنى؟

هل تحولت الوفورات المالية لمشاريع استثمارية تعود على السكان بالفائدة؟

هل اضطلع سكان المبنى بدورهم الرقابي المنوط بهم، أم أنهم اكتفوا بالمشاهدة؟

الأعضاء غير الفاسدين في لجنة المبنى – إن وجدوا -، هل تحلّوا بالشفافية والعلانية اللازمة وأطلعوا السكان على ما يجري داخل لجنة المبنى قبل الانهيار؟

لا تسقط المباني دفعةً واحدةً، بل تبدأ صلبةً متماسكة، ثم تنهشها عوامل التعرية والتآكل ببطءٍ شديد، حتى إذا تراكمت وتسارعت، كان الانهيار. ولأن ثمة علاقةً عضويةً تكاملية بين المعاني والمباني؛ فإن السقوط يبدأ في المعاني أولًا، الذي يدركه أهل البصيرة ويغفل عنه سِواهم، ثم لا تلبث المباني أن تتبعها في السقوط.

نتيجة لضعف وتضعضع السلطة تخلخلت أعمدة الخرسانة الحاملة للمبنى، وعندما انتُهك القانون تجمعت مياه الأمطار لتطوق المبنى وسكانه، وعندما تحول التعليم إلى سلعة أنتج المحسوبية والرُّشى، وعندما غاب تداول السلطة استبدت بالمبنى لجانٌ غير مؤهلة تفتقد للشرعية، وعندما انحدرت الموسيقى والغناء، شاع التشويه وتغطت جدران المبنى بالقبح.

انهار المبنى ثم ماذا بعد!!

الآن للذين يرغبون في إعادة البناء أو البناء، ويسارعون في تقديم المناقصات العامة وإعلانات شروط الجدية: “ليس من الذكاء فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب والخطوات وانتظار نتائج مختلفة ” 3

مراجع

1 مقدمة ابن خلدون -بتصرف-

3-2 مقولات لعالم الفيزياء ألبرت أينشتاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى