الهدر البشري في السودان.. طاقات تبدد وكفاءات لا تعوض

عادل يعقوب أحمد نور

السودان ليس بلداً فقيراً بالعقول، لكنه ظل فقيراً في القدرة على حماية العقول واستثمارها.

فعلى مدى عقود، ظل الطبيب السوداني يتخرج هنا ويعمل هناك، والمهندس يبني في الخارج، والأستاذ الجامعي يدرّس بعيداً عن جامعته، والمعلم الذي كان يفترض أن يصنع أجيال المستقبل يبحث عن مستقبل أبنائه خارج وطنه.

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتفتح الجرح القديم على اتساعه.

لم تعد الكارثة مجرد هجرة كفاءات، وإنما أصبحت عملية استنزاف واسعة للإنسان السوداني نفسه: قتلاً ونزوحاً وهجرةً وتعطيلاً للتعليم والعمل وتدميراً للمؤسسات التي تصنع المعرفة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: السودان لا يخسر موارده فقط، بل يخسر من يستطيعون إدارة تلك الموارد.

 

بلد يعلّم.. والآخرون يحصدون

 

هجرة الكفاءات السودانية ليست وليدة الحرب الحالية. فقد وثقت دراسات سابقة نزيفاً كبيراً في القطاع الطبي، وأشارت إحدى الدراسات إلى أن نحو 60% من الأطباء السودانيين فُقدوا للهجرة منذ ستينيات القرن الماضي، بينما قدرت دراسة أخرى أن نسبة معتبرة من خريجي الطب كانت تغادر البلاد سنوياً.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح التفكير في الهجرة يبدأ مبكراً. دراسة حديثة حول طلاب الطب في السودان وجدت أن 58.4% من المشاركين أفادوا بأنهم يفكرون بصورة متكررة أو مستمرة في مغادرة البلاد.

وهذا أخطر من هجرة الطبيب نفسه.

فأن يفكر الطالب في الرحيل قبل أن يتخرج يعني أن البلد بدأ يفقده قبل أن يستفيد من تعليمه.

يا لها من صفقة خاسرة: الدولة والأسرة تنفقان سنوات في صناعة الكفاءة، ثم يأتي بلد آخر ليستفيد من المنتج النهائي.

نحن نربي الكفاءات.. والآخرون يوظفونها.

 

الحرب تضرب الإنسان والمؤسسة معاً

 

الحرب لم تبدأ نزيف الكفاءات، لكنها جعلته أكثر سرعة واتساعاً.

وفق منظمة الصحة العالمية، كان 37% من المرافق الصحية في السودان غير عاملة في أبريل 2026، بينما يواجه ملايين السودانيين صعوبة في الحصول على الخدمات الصحية، ووثقت المنظمة مئات الهجمات على الرعاية الصحية منذ بداية الحرب.

المشكلة هنا ليست في المبنى وحده.

عندما يغلق المستشفى، يخسر السودان الطبيب والممرض والطالب المتدرب وسنوات الخبرة المتراكمة.

وعندما تدمر الجامعة، لا تضيع القاعات والمختبرات فقط، بل تضيع بيئة إنتاج المعرفة نفسها.

وتشير اليونسكو إلى أن نحو 19 مليون طفل في السودان خارج المدرسة أو متأثرون بشدة بانقطاع التعليم، وأن 124 جامعة وكلية تعرضت للدمار أو النهب، مع أضرار واسعة في المختبرات والمكتبات وقاعات الدراسة.

الحرب بذلك لا تقتل الحاضر فقط؛ إنها تقصف المستقبل قبل أن يولد.

فالطفل الذي يفقد سنوات دراسته اليوم قد لا يستطيع تعويضها غداً، والأستاذ الذي يغادر الجامعة قد لا يعود، والباحث الذي فقد مختبره لا يستطيع استعادة سنوات البحث بقرار إداري.

 

السياسة.. حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة

 

لكن من الظلم أن نحمّل الحرب وحدها مسؤولية الهدر البشري.

السودان كان يعاني قبل الحرب من مشكلة أعمق: تسييس مؤسسات الدولة.

فمع تغير الأنظمة، تكررت عمليات الإقصاء والتعيين على أساس الولاء، وأصبح الموظف العام في كثير من الأحيان مرتبطاً بالجهة التي جاءت به أكثر من ارتباطه بالمؤسسة التي يعمل فيها.

ثم تأتي سلطة جديدة فتقول إنها ستصلح ما أفسده السابقون، فتبدأ دورة جديدة من الإحلال والإقصاء.

تتغير اللافتة، وتتغير الوجوه، لكن المنطق يبقى نفسه.

وهكذا تحولت الخدمة المدنية أحياناً من مؤسسة لخدمة الدولة إلى ساحة لمعركة سياسية طويلة.

كل جماعة تصل إلى السلطة تريد أن تغيّر موظفي الدولة، بينما المطلوب أن تغيّر طريقة عمل الدولة.

وهذه إحدى صور الهدر التي لا تظهر في الحسابات المالية، لكنها تكلف البلاد سنوات من الخبرة والاستقرار المؤسسي.

 

الثمن الاقتصادي لا يظهر كله في الأرقام

 

الاقتصاد السوداني دفع ثمناً هائلاً للحرب.

ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4% في 2023، ثم 14% إضافية في 2024، بينما تشير تقديرات UNDP إلى أن الاقتصاد تقلص بأكثر من 40% منذ اندلاع الحرب.

لكن الناتج المحلي لا يستطيع حساب كل الخسائر.

كيف نحسب قيمة طبيب أمضى خمسة عشر عاماً في الدراسة والتدريب ثم استقر في الخارج؟

كيف نحسب قيمة أستاذ جامعي توقف بحثه؟

كيف نحسب قيمة معلم غادر مدرسة؟

وكيف نحسب قيمة طفل فقد أربع سنوات من التعليم؟

هذه خسائر لا تظهر في الموازنة، لكنها ستظهر لاحقاً في ضعف الإنتاج، ونقص الخبرات، وتراجع الخدمات، وارتفاع تكلفة إعادة بناء الدولة.

أخطر ما في الهدر البشري أنه يؤخر لحظة اكتشاف الخسارة.

قد لا نشعر بها اليوم، لكننا سنشعر بها عندما تبدأ مرحلة إعادة الإعمار ولا نجد العدد الكافي من المهندسين والأطباء والمعلمين والباحثين.

 

الإنسان هو مشروع إعادة الإعمار

 

السودان يملك كفاءات ضخمة في الداخل والخارج. وأطباء ومهندسون وأساتذة وباحثون سودانيون يعملون في مؤسسات محترمة حول العالم.

وهذه الكفاءات يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من إعادة بناء البلاد.

لكن عودتها لن تحدث بالخطب الوطنية وحدها.

لا بد من دولة تحمي الكفاءة من السياسة، وخدمة مدنية تقوم على الاستحقاق، وجامعات آمنة، ومستشفيات قابلة للعمل، ورواتب تحفظ كرامة العاملين، ونظام قانوني يضمن المساواة في الفرص.

فالطبيب لا يعود فقط لأنه يحب السودان؛ يعود عندما يجد أن السودان يستطيع أن يحمي عمله ومستقبله.

والأستاذ الجامعي لا يعود ليجد جامعته مدمرة.

والمهندس لا يعود ليعمل في مؤسسة لا تعرف لماذا عينته.

 

أوقفوا نزيف الإنسان

 

بعد توقف الحرب، سيكون من السهل أن نتحدث عن إعادة بناء الطرق والكباري والمصانع والمطارات.

لكن السؤال الأصعب سيكون:

من سيعيد بناء السودان؟

فالطريق يحتاج إلى مهندس، والمستشفى يحتاج إلى طبيب، والمدرسة تحتاج إلى معلم، والجامعة تحتاج إلى أستاذ، والاقتصاد يحتاج إلى خبير، والدولة تحتاج إلى موظف محترف.

فالإعمار لا يبدأ المباني ولكن بالأيدي التي تعمر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى