انتخابات جنوب السودان: استحقاق دستوري مؤجل وجدل سياسي محتدم

عبد الهادي الحاج
يمضي جنوب السودان نحو إجراء الانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر المقبل، وسط أصوات ناقدة من القوى السياسية المعارضة، وسلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية شملت تعديل قانون الانتخابات، ومصادقة الرئيس سلفا كير ميارديت على التعديلات، وتعيين رئيس جديد للمفوضية القومية للانتخابات، إلى جانب حل الحكومة الانتقالية وتشكيل حكومة لتصريف الأعمال.
وتستهدف الانتخابات إنهاء المرحلة الانتقالية التي أُنشئت بموجب اتفاق السلام لعام 2018، بعد تمديدها لمدة عامين في سبتمبر 2024، ولم تشهد جنوب السودان انتخابات على المستوى الوطني منذ استقلالها عام 2011.
وأجازت الهيئة التشريعية القومية في جنوب السودان تعديل قانون الانتخابات القومية لسنة 2012، تعديل 2026، بعد جدال داخل البرلمان حول حجم الحكومة والبطالة والتمثيل البرلماني، وشملت التعديلات إجراءات الانتخابات وتسجيل الناخبين وتشكيل المجالس التشريعية القومية والولائية.
لا مجال للتفاوض والخلافات
في 21 سبتمبر، صادق الرئيس سلفا كير على تعديل قانون الانتخابات الوطنية لعام 2012، المعدل في 2026، وأدى قابرييل بول دينق ماجوك اليمين الدستورية رئيساً جديداً للجنة الوطنية للانتخابات، فيما أعلن الرئيس كير حل الحكومة الانتقالية، خلال اجتماع موسع لهيئة الرئاسة شارك فيه نواب الرئيس وقادة الأحزاب السياسية ومستشارو الرئيس والوزراء وعدد من كبار المسؤولين، وفقاً لمكتب الرئيس.
والأربعاء أدى أعضاء الحكومة الانتقالية لتصريف الأعمال، الذين جرى تعيينهم حديثاً، اليمين الدستورية أمام الرئيس سلفا كير.
وأعقب هذه الإجراءات افتتاح الرئيس كير يوم الخميس في جوبا حواراً بين الأحزاب حول القضايا المتعلقة بالانتخابات، وذلك بمشاركة من وصفهم بـ “الأحزاب السياسية وأصحاب المصلحة الوطنيين الرئيسيين” لمناقشة القضايا الانتخابية الجوهرية.
وحذر رئيس جنوب السودان، الأحزاب السياسية من استخدام الحوار الوطني الجاري بين الأحزاب لتغيير أو تعطيل مسار البلاد نحو الانتخابات.
وقال سلفاكير إن الحوار بين الأحزاب يجب أن يركز على القضايا المتعلقة بالانتخابات، وألا يتحول إلى منصة لإعادة التفاوض حول مسار العملية الانتخابية.
وتابع: “هذا الحوار بين الأحزاب ليس مجالا للمفاوضات والخلافات، وليس مكاناً للتحول عن المسار الذي اتخذناه، كما أنه ليس مكاناً لإعادتنا إلى الوراء، بل إن هدفه الأساسي هو أن نتفق جميعاً على مسار يؤدي إلى نتيجة سلمية ومعقولة”.
خطوة أحادية
وعلى صعيد آخر، دعت مجموعات معارضة ومنظمات مجتمع مدني في جنوب السودان «إيقاد» والاتحاد الأفريقي إلى مراجعة اتفاق السلام والدعوة إلى حوار سياسي وطني شامل، معتبرة أن الاتفاق المنشط انهار كإطار لإدارة الانتقال السياسي، بعد انتهاء الترتيبات الانتقالية في 22 سبتمبر دون اتفاق على إطار بديل، ما أدى إلى أزمة دستورية وسياسية.
كما انتقدت التعديلات الأخيرة على اتفاق 2018 وقوانين الانتخابات، وقالت إنها فصلت إجراء الانتخابات عن استكمال الدستور الدائم والتعداد السكاني.
لكن في سياق مختلف يرى النائب استيفن لوال نقور، العضو السابق بالمجلس التشريعي القومي الانتقالي، إن الخطوات الأخيرة في جنوب السودان ينبغي فهمها في سياق الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى المرحلة الانتخابية، وليس باعتبارها تراجعاً عن السلام أو إلغاءً لاتفاقية السلام المنشطة.
وأوضح نقور لـ «أفق جديد» أن البرلمان أجرى تعديلات على قانون الانتخابات، صادق عليها الرئيس سلفا كير ميارديت في 21 سبتمبر 2026، بما أوجد الإطار القانوني لإجراء الانتخابات المقررة في 22 ديسمبر، مشيراً إلى أن التعديلات فصلت قانونياً بين إجراء الانتخابات واستكمال عملية إعداد الدستور الدائم والتعداد السكاني.
وأضاف أن إنهاء الترتيبات التنفيذية الانتقالية وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الدولة خلال الفترة المتبقية حتى موعد الانتخابات يمكن النظر إليهما باعتبارهما جزءاً من تهيئة البلاد للانتقال إلى حكومة منتخبة.
وأكد لوال أن اتفاقية السلام المنشطة ينبغي أن تظل الإطار السياسي للمرحلة الانتقالية، داعياً إلى معالجة أي خلاف بشأن تفسير الإجراءات الأخيرة عبر المؤسسات والحوار السياسي، بدلاً من العودة إلى التأجيل أو الصراع.
وشدد على أن الأولوية في المرحلة الحالية هي الحفاظ على السلام والانتقال إلى الانتخابات بصورة منظمة وسلمية، مشيراً إلى أن آلية مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام المنشطة أكدت ارتباط الانتخابات المقررة في 22 ديسمبر بمسار الاتفاقية، ودعت الأطراف إلى الحوار والتوصل إلى توافق بشأن المسار الانتخابي.
لكن الناطق باسم الحركة الديمقراطية الوطنية، كاي تاب، قال إنهم يرفضون بشدة الإجراءات التي اتخذها البرلمان بشأن الانتخابات، معتبراً أنها تمثل قراراً أحادياً من جانب حزب واحد وحلفائه، ولا تستند إلى ما نصت عليه اتفاقية تسوية النزاع المنشطة لعام 2018.
وأوضح تاب لـ «أفق جديد» أن الاتفاقية تقتضي جلوس الأحزاب السياسية ومناقشة القضايا العالقة والاتفاق على الحلول، ثم يأتي دور البرلمان لإجازة ما يتم التوصل إليه بين الأطراف.
وأضاف أن ما حدث، وفقاً لرؤيته، هو أن حزباً واحداً وحلفاءه مضوا في تمرير أجندتهم، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بحل الجهاز التنفيذي ونواب الرئيس، وهو ما ترفضه الحركة بشدة.
وقال تاب إن اتفاق السلام لعام 2018 يتضمن عدداً من الخطوات التي ينبغي تنفيذها قبل إجراء الانتخابات، مشيراً إلى أن العملية الانتخابية تحتاج إلى وقت طويل لاستكمال إجراءاتها.
وأضاف: “حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى أن هناك وقتاً كافياً لإجراء انتخابات فعلية في البلاد، ولذلك نحن لا نثق في الحديث عن إجراء انتخابات في ديسمبر، لأن هناك خطوات كبيرة لم تُنفذ بعد، وكان من المفترض أن تجلس الأحزاب السياسية وتناقش ما ينبغي القيام به لاستكمال هذه الخطوات”.
من ناحيته قال الصحفي والمحلل السياسي فرانسيس مايكل، إن الحكومة اتخذت قراراً يمكن وصفه بأنه قرار أحادي الجانب، مشيراً إلى أن اتفاقية تسوية النزاع الموقعة عام 2018 لم تعد تُنفذ بصورة طبيعية منذ مارس 2025، عقب وضع رياك مشار تحت الإقامة الجبرية في جوبا، إلى جانب تجميد نشاطه ومهامه نائباً أول لرئيس الجمهورية.
وذكر مايكل لـ «أفق جديد» أن الاتفاقية لم تُنفذ منذ أكثر من عام، وأن الحكومة عملت خلال هذه الفترة على إجراء تعديلات تهدف، بحسب تقديره، إلى تجاوز الاتفاقية نفسها، موضحاً أن الاتفاق نص بصورة صريحة على متطلبات رئيسية لإجراء الانتخابات.
وأضاف أن الحكومة تمكنت من تجاوز عدد من هذه المتطلبات عبر التعديلات الدستورية التي أُجريت، والتي أعادت العمل بالدستور الانتقالي لعام 2011، في ظل عدم صدور دستور دائم جديد للبلاد حتى الآن، بينما لا تزال المفوضية المعنية بالدستور تعمل على إعداده، وقال مايكل إن ذلك أدى إلى تجاوز النص الذي يشترط وجود دستور دائم قبل إجراء الانتخابات.
وأشار إلى أن الحكومة عدلت كذلك البنود المتعلقة بإجراء إحصاء سكاني قبل الانتخابات، فضلاً عن البنود المرتبطة بتوحيد القوات، موضحاً أن المتطلبات الرئيسية التي نصت عليها الاتفاقية لإجراء الانتخابات جرى تعديلها أو تجاوزها.
ووفقاً لمايكل فإن الحكومة أجرت تعديلاً آخر على قانون الانتخابات بهدف تمهيد الطريق لحل الحكومة، لافتاً إلى أن القانون عُدل في اليوم نفسه الذي أُعلنت فيه الحكومة الانتقالية، مع الإبقاء على سلفا كير رئيساً للبلاد.
وأضاف: “يمكن القول حتى الآن إن مجمل التعديلات التي أُجريت أبطلت، عملياً، اتفاقية تسوية النزاع المنشطة، بمعنى أن ما يحدث الآن في جنوب السودان يمثل عملية سياسية منفصلة تماماً عن الاتفاقية المنشطة. الاتفاق يسير في اتجاه، بينما يجري الواقع السياسي في اتجاه آخر، ولذلك فإن المناخ السياسي يتحدث عن أشياء، بينما الواقع مختلف”.
جدل العملية الانتخابية
نص قانون الانتخابات المعدل، على استمرار الرئيس سلفا كير في منصبه بكامل صلاحياته الدستورية خلال فترة الانتخابات وحتى تولي الرئيس المنتخب السلطة، فيما يُلزم الرئيس، خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الانتخابات الذي تعلنه المفوضية، بإقالة النائب الأول للرئيس والنواب الآخرين وفقاً للدستور الانتقالي، كما يمنح القانون حق التصويت للجنوب سودانيين المقيمين خارج البلاد ممن يحملون جوازات سفر جنوب السودان سارية ويستوفون شروط التسجيل.
وتتضمن التعديلات تشكيل المجلس التشريعي القومي من 332 عضواً، ينتخب 50% منهم عبر الدوائر الجغرافية، و35% عبر التمثيل النسبي من القوائم الحزبية المغلقة للنساء، و15% عبر القوائم الحزبية المغلقة، إلى جانب تعيين 66 عضواً يمثلون المحاربين القدامى والقوات النظامية والأقليات وذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي سياق الإجراءات الفنية قال النائب نقور، إن ضيق الوقت المتبقي على الانتخابات يمثل تحدياً حقيقياً، لكنه لا يعني بالضرورة استحالة إجرائها، داعياً مؤسسات الدولة والمفوضية الوطنية للانتخابات والأحزاب السياسية إلى الانتقال فوراً إلى تنفيذ الجدول الانتخابي والعمل بصورة متزامنة على المسارات الفنية والإدارية والأمنية والسياسية.
وأوضح أن الفترة الممتدة بين 22 سبتمبر و22 ديسمبر تفرض تسريع تسجيل الناخبين وإعداد السجل الانتخابي ونشره، وفتح باب الطعون وفق القانون، إلى جانب تمكين الأحزاب من اختيار مرشحيها، وتوفير الأمن للمرشحين والناخبين، وتنظيم الحملات الانتخابية، ووضع آليات واضحة وسريعة لتسوية النزاعات الانتخابية.
وأشار نقور إلى وجود تحديات تتعلق بالتمويل والإدارة والتسجيل والتهيئة الفنية، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة دعم المفوضية الوطنية للانتخابات بالتمويل والخبرات الفنية واللوجستية من جانب الحكومة والشركاء الإقليميين والدوليين.
وقال إن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على مدى كفاية الوقت، وإنما على كيفية استخدام الفترة المتبقية بأقصى قدر من الكفاءة، محذراً من أن يتحول ضيق الوقت إلى مبرر جديد لتأجيل الانتخابات.
وأضاف أن شعب جنوب السودان انتظر طويلاً للوصول إلى الحكم الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، داعياً القيادة السياسية والأحزاب والمؤسسات الوطنية إلى العمل معاً لإنجاز هذا الاستحقاق.
ودعا النائب السابق إلى استثمار قيادة الرئيس سلفا كير ميارديت في جمع الأطراف السياسية حول هدف مشترك يتمثل في الحفاظ على السلام وإجراء الانتخابات والانتقال إلى حكومة منتخبة، مع ضمان حق جميع الأحزاب في المشاركة والتنافس السياسي السلمي.
لكن الناطق باسم الحركة الديمقراطية الوطنية، كاي تاب، قال إن العملية الانتخابية لا يمكن إنجازها بسهولة خلال الفترة المتبقية، مشيراً إلى أن نحو 87 يوماً فقط تفصل البلاد عن موعد الاقتراع.
وانتقد ما وصفه بإعلان رئيس مفوضية الانتخابات بشأن جاهزية العملية، قائلاً إن الإعلان لم يوضح بصورة عملية متى سيبدأ تسجيل الناخبين، وما نوع بطاقات الاقتراع التي ستستخدم، وأين ستكون مراكز التسجيل والاقتراع.
وأضاف أن بعض الإجراءات الانتخابية لم تُنفذ حتى داخل جوبا، متسائلاً عن كيفية إجراء الانتخابات في ظل عدم وجود معلومات واضحة بشأن المرشحين للانتخابات الرئاسية والبرلمانية وانتخابات حكام الولايات، أو حملات انتخابية وإعلانات تعريفية بالمرشحين.
وقال تاب إن الوقت المتبقي لا يسمح باستكمال هذه الإجراءات، فضلاً عن وجود مشكلة تتعلق بالموارد المالية والأمنية، مشيراً إلى أن بعض مراكز الاقتراع قد تواجه لاحقاً تحديات أمنية.
ونوه إلى أن البيئة السياسية الحالية لا توفر مساحة كافية أمام المرشحين للخروج وتنظيم حملات انتخابية وتعريف الناخبين ببرامجهم، كما لا توجد، بحسب قوله، مؤشرات واضحة على وجود العملية الانتخابية على أرض الواقع.
وأشار كذلك إلى استمرار غياب الدستور الدائم، قائلاً إن هذا الأمر يمثل أحد الجوانب التي تثير الشكوك بشأن المضي في الانتخابات.
وقال إن ما يحدث داخل مؤسسات الدولة يعكس، من وجهة نظر الحركة، عدم توافر الظروف اللازمة لإجراء انتخابات سلمية وذات مصداقية، مشيراً إلى واقعة قال إنها شهدت دعوة موظفين للوقوف إلى جانب الحزب الحاكم، معتبراً أن مثل هذه الوقائع تؤكد المخاوف بشأن طبيعة الانتخابات المقبلة والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.
وفي ذات السياق يذهب الصحفي والمحلل السياسي فرانسيس مايكل، إلى أن مفوضية الانتخابات اشتكت مراراً من عدم كفاية الوقت لاستكمال الإجراءات الرسمية، وعلى رأسها تسجيل الناخبين، الذي لم يبدأ، وفق إفادته، في أنحاء جنوب السودان.
وأضاف أن عملية التسجيل تشمل ملايين المواطنين، إلى جانب الولايات العشر والإداريات الثلاث، ما يجعل استكمال التسجيل وإعداد السجل الانتخابي ونشر القوائم ومراجعتها وغيرها من الإجراءات خلال الأشهر المتبقية أمراً بالغ الصعوبة.
وقال إن مفوضية الانتخابات تواجه تحدياً كبيراً، رغم تأكيدها جاهزيتها، لأن العملية لا تقتصر على الجاهزية الفنية، وإنما تتطلب استكمال سلسلة من الإجراءات التي تحتاج إلى وقت كافٍ.
وأشار مايكل إلى وجود أزمة أخرى تتمثل في المشاركة السياسية، موضحاً أن بعض القيادات السياسية أعلنت رغبتها في الترشح للانتخابات، بينما تنتقد في الوقت نفسه الحكومة والإجراءات المتبعة لتنظيم العملية الانتخابية.
وقال إن ذلك يؤكد وجود أزمة سياسية حقيقية تواجه البلاد، لا تتعلق فقط بالخلاف بين سلفا كير ورياك مشار، وإنما أيضاً بغياب شريك أساسي في العملية السياسية، هو رياك مشار والحركة الشعبية في المعارضة.
وأضاف أن مشار غائب بصورة كاملة عن المشاركة السياسية في الوقت الحالي، في ظل استمرار محاكمته، بينما أصبحت الحركة الشعبية في المعارضة، بقيادته، غير فاعلة ولا تعترف بالخطوات التي يجري اتخاذها بشأن العملية الانتخابية.
وبحسب مايكل، فإن الإجراءات الجارية في جنوب السودان بعيدة جداً عن اتفاقية تسوية النزاع المنشطة، ولذلك يمكن القول إن الانتخابات المقبلة، إذا أُجريت في ظل هذه الظروف، لا تمثل نتيجة مباشرة لتنفيذ اتفاق السلام في جنوب السودان.
مناخ سياسي متوتر
وسط مناخ سياسي متوتر في جنوب السودان واستمرار الخلافات بين الحكومة والمعارضة بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، أطلقت الحكومة حواراً سياسياً بمشاركة عدد من القوى السياسية، لبحث القضايا المرتبطة بالانتخابات والتمثيل السياسي والحريات، غير أن قوى معارضة قاطعت الحوار، معتبرة أن العملية لم تشمل الأطراف الأساسية الموقعة على اتفاق السلام.
مايكل وصف المناخ السياسي في جنوب السودان بأنه “متردٍ جداً”، وقال إن الوضع الأمني ينعكس بصورة مباشرة على العملية السياسية، في ظل سيطرة الحكومة على مناطق وسيطرة المعارضة على مناطق أخرى.
وأوضح أن هذا الواقع قد يؤثر حتى في إجراء الانتخابات، إذ توجد مناطق قد لا تتمكن فرق الانتخابات من الوصول إليها بسبب وقوعها تحت سيطرة المعارضة، بينما تتمسك الحكومة برؤيتها الخاصة لإجراء الانتخابات.
وأشار إلى أن الأحزاب السياسية تشكو بدورها من غياب الحريات اللازمة لإقامة الندوات والتحرك والوصول إلى مناطق مختلفة من البلاد، قائلاً إن الأحزاب “غير حرة حتى في إجراء الندوات”، كما أن الحملات الانتخابية لم تبدأ بصورة رسمية حتى الآن.
وأضاف أن عقد الفعاليات السياسية والمؤتمرات الصحفية يتطلب الحصول على إذن من الأجهزة الأمنية، معتبراً أن هذه الظروف تعكس أجواء سياسية وأمنية متوترة، في وقت تواصل فيه المعارضة تقديم شكاواها بينما تمضي الحكومة في تنفيذ خطواتها نحو الانتخابات.
وفي ما يتعلق بالحوار السياسي الذي أطلقته الحكومة بين الأحزاب، قال مايكل إن الحوار بدأ، لكنه واجه مقاطعة من الأحزاب السياسية الرئيسية، ومن بينها الحركة الشعبية في المعارضة وتحالف المعارضة في جنوب السودان.
وأضاف أن غياب القوى الرئيسية عن الحوار يثير تساؤلات حول جدوى العملية الجارية، موضحاً أن الحوار الوطني أو الحوار بين الأحزاب كان من المفترض أن يسبق حل الحكومة الانتقالية، بحيث تتفق الأحزاب على خارطة طريق واضحة، سواء بشأن حكومة تصريف الأعمال أو كيفية إجراء الانتخابات بصورة سلمية ونزيهة، إلى جانب البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية.
وقال إن هذا الحوار لم يُجرَ في التوقيت المناسب، مشيراً إلى أن تصريحات الرئيس سلفا كير بشأن العملية السياسية أغلقت، بحسب تقديره، الباب أمام مشاركة سياسية أوسع تتيح للأحزاب التعبير بحرية عن رؤيتها بشأن إجراء الانتخابات.
وأوضح أن موقف كير، كما يفهمه، يركز على كيفية إجراء الانتخابات وليس على فتح نقاش حول استكمال المتطلبات الناقصة أو إمكانية تمديد موعد الانتخابات.
وقال مايكل إن ذلك يشير إلى أن كير متمسك بإجراء الانتخابات، سواء جرت في بيئة سلمية أو غير سلمية، مشيراً إلى أن الفترة المقبلة ستكشف مدى إمكانية تنفيذ ذلك، في ظل وجود العديد من القضايا التي لم تُحسم بعد.
وأضاف أن المعارضة الرئيسية غير مشاركة في الحوار، وكذلك الأحزاب الموقعة على اتفاقية تسوية النزاع، بينما تشارك أحزاب صغيرة غير موقعة على الاتفاق، إلى جانب أحزاب جديدة، وهي القوى التي تقدم آراءها خلال الحوار، والتي يرى مايكل أنها تدعم خط الحكومة.
من جانبه، شدّد كاي تاب، على أن الحركة الديمقراطية الوطنية ليست جزءاً من الحوار الذي يجري حالياً، ولم تشارك فيه، معتبراً أن الجهة التي تكون طرفاً في المشكلة لا يمكن أن تكون هي نفسها الجهة التي تدير الحوار بشأنها.
وقال إن الحوار ينبغي أن تديره جهة أخرى، سواء كانت من داخل البلاد أو خارجها، على أن تكون طرفاً ثالثاً موثوقاً به وقادراً على إدارة الحوار بصورة مستقلة.
وأضاف أن الأحزاب المشاركة في الحوار الحالي ليست هي الأحزاب الموقعة على اتفاقية تسوية النزاع المنشطة، معتبراً أن بعض هذه الأحزاب “خلقها الحزب الحاكم”، وبالتالي لا يمكن، بحسب رأيه، أن يكون الحوار بين أطراف لا تمثل القوى الرئيسية الموقعة على الاتفاق.
وتابع: “لا يمكن أن تتحاور مع نفسك. كما أن هناك تحديات أخرى، إذ لا توجد قضية حقيقية يمكن أن يناقشها المشاركون إذا كانت الأطراف الرئيسية غائبة. وفي هذه الحالة يمكن تمرير أي نتيجة في غياب أصحاب المصلحة الأساسيين، ومن الواضح ما الذي يمكن أن ينتج عن ذلك”.
وقال تاب إن الحركة الديمقراطية الوطنية ترفض بشدة المضي في العملية الانتخابية بهذه الطريقة، مؤكداً مطالبتها بإجراء حوار شامل تشارك فيه جميع القوى السياسية الفاعلة، ولا سيما الأحزاب الموقعة على اتفاق السلام لعام 2018، إلى جانب الأحزاب والقوى السياسية الأخرى خارج الاتفاق.
وأضاف: “نحن نريد أن نجلس جميعاً ونبحث عن الحل الذي يمكن أن يخدم البلاد، لأن استمرار الإجراءات الحالية لن ينتج حلاً، وقد يؤدي أيضاً إلى زيادة المشكلات القائمة في جنوب السودان”.
لكن النائب البرلماني السابق استيفن لوال نقور، يرى أن الحوار بين الأحزاب يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تهيئة المناخ السياسي الملائم للانتخابات، خصوصاً إذا تعاملت معه القوى السياسية باعتباره مساحة لمعالجة القضايا الانتخابية وبناء الثقة، وليس وسيلة لإعادة البلاد إلى مفاوضات مفتوحة بشأن موعد الانتخابات.
وأشار نقور إلى أن الرئيس سلفا كير أكد، خلال افتتاح الحوار بين الأحزاب في 24 سبتمبر، أن هدفه هو التوصل إلى مسار مشترك نحو انتخابات سلمية وذات مصداقية، وأن يركز الحوار على القضايا المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وقال إن وجود أحزاب لديها تحفظات على بعض الإجراءات أمر طبيعي في أي عملية سياسية، داعياً إلى طرح هذه الاعتراضات داخل الحوار والبحث عن حلول وضمانات عملية تتعلق بالحريات السياسية، وأمن المرشحين، وتسجيل الناخبين، والحملات الانتخابية وتسوية النزاعات.
وأضاف أن نجاح الحوار لا يقاس بغياب الخلافات، وإنما بقدرة الأطراف على إدارتها سلمياً والتوصل إلى تفاهمات تساعد على إجراء انتخابات شاملة وشفافة. وأكد دعمه للحوار بالتوازي مع استمرار الاستعدادات الانتخابية، بحيث يكون الحوار أداة لإنجاح الانتخابات وليس بديلاً عنها، مشيراً إلى توافق ذلك مع دعوات آلية مراقبة تنفيذ اتفاقية السلام المنشطة و«إيقاد» إلى حوار شامل لبناء توافق حول المسار المؤدي إلى انتخابات ديسمبر.





