حمرة الشيخ.. مدنيون يفرون من القتال إلى العراء ومناطق أكثر أمنًا

أفق جديد

لم يكن أمام آلاف المدنيين في بلدة “حمرة الشيخ” بولاية شمال كردفان سوى حمل ما استطاعوا من متاع والفرار، بعدما تحولت مناطقهم السكنية إلى محيط لتحركات عسكرية مكثفة، وسط مخاوف من اندلاع مواجهات قد تعرّض حياتهم للخطر.

وقالت مجموعة محامو الطوارئ، في بيان، إنها رصدت موجة نزوح واسعة للمدنيين من منطقة حمرة الشيخ، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والتحشيد حول البلدة، مشيرة إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى مغادرة منازلها من دون وجهة واضحة، فيما وجد آخرون أنفسهم في العراء وسط أوضاع إنسانية صعبة.

وبحسب المجموعة الحقوقية، تشهد المنطقة حشودًا عسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع، وصفتها بأنها الأكبر من نوعها منذ اندلاع الحرب، مع انتشار القوات والآليات داخل المناطق السكنية وبين المنازل، الأمر الذي دفع أعدادًا من السكان إلى الفرار بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.

وتوجه بعض النازحين إلى منطقة “أم سنطة” بولاية شمال كردفان، بينما اتجه آخرون شمالًا إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية، في رحلة جديدة تضيف إلى سلسلة النزوح التي خلفتها الحرب في إقليم كردفان ومناطق أخرى من السودان.

بالنسبة للأسر التي غادرت منطقة “حمرة الشيخ”، لم يكن النزوح قرارًا مخططًا له، بقدر ما كان استجابة لخوف متزايد من اتساع نطاق العمليات العسكرية.

غادر بعض السكان منازلهم على عجل، فيما لم يتمكن آخرون من اصطحاب سوى الضروريات، بحسب ما أفادت به المجموعة الحقوقية. ومع محدودية المساعدات الإنسانية، يواجه النازحون مخاطر فقدان المأوى والغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية، خصوصًا أولئك الذين اضطروا إلى البقاء في العراء.

وتزيد ظروف الحرب من صعوبة رحلة النزوح؛ فالأسر التي تغادر مناطقها لا تبحث فقط عن مكان للنوم، وإنما عن منطقة تستطيع فيها تأمين الطعام والماء والعلاج لأطفالها وكبار السن والمرضى.

يقول أحمد عمر وهو مواطن نازح لـ”أفق جديد”: “خرجنا من المنطقة خوفًا على الأطفال. لم نكن نعرف إلى أين سنذهب، وكل ما كنا نفكر فيه هو الابتعاد عن مناطق وجود القوات والاشتباكات. تركنا أشياء كثيرة خلفنا ولم نتمكن من أخذ كل احتياجاتنا”.

 

من جانبها تقول امرأة نازحة لـ”أفق جديد”: “أصعب شيء أننا خرجنا من البيت ولا نعرف ماذا ينتظرنا في المكان الذي سنصل إليه. لدينا أطفال، وبعضهم يحتاج إلى الطعام والعلاج، لكن الأولوية بالنسبة لنا كانت أن نخرج بهم من منطقة الخطر”.

في ظل غياب أماكن إيواء كافية، يواجه بعض الفارين من حمرة الشيخ ظروفًا قاسية بعد وصولهم إلى مناطق النزوح، بينما تحاول الأسر تدبير احتياجاتها بالاعتماد على الأقارب والمجتمعات المضيفة والمبادرات المحلية.

ويشكل وصول أعداد جديدة من النازحين ضغطًا إضافيًا على المناطق المستقبلة، التي تعاني هي الأخرى من محدودية الموارد، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية للسكان المتأثرين بالحرب.

يوضح أحد السكان بالقول لـ”أفق جديد”: “الأسر التي وصلت إلينا تحتاج إلى كل شيء تقريبًا؛ هناك من جاء بلا أغطية، وآخرون لا يملكون ما يكفي من الطعام. نحاول مساعدتهم بما نستطيع، لكن أعداد النازحين أكبر من إمكانيات الناس”.

وتأتي موجة النزوح الجديدة في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من كردفان اضطرابات عسكرية ونزوحًا متكررًا للسكان، ما يجعل المدنيين عالقين بين الخوف من القتال وصعوبة العثور على مناطق آمنة ومستقرة.

وحذرت مجموعة محامو الطوارئ من خطورة التحشيد العسكري داخل المناطق السكنية، معتبرة أن وجود القوات والآليات وسط المدنيين يمثل خطرًا مباشرًا على حياتهم وسلامتهم، خصوصًا مع ضعف أو غياب الحماية والمساعدات الإنسانية.

وأكدت المجموعة ضرورة التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بين السكان المدنيين والأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل مخاطر تعرض المدنيين للأذى.

ويؤكد عامل إغاثة لـ”أفق جديد” أن “الاحتياج الأكبر عند وصول النازحين يكون للمياه والغذاء والمأوى والعلاج. المشكلة أن المناطق التي تستقبلهم لديها موارد محدودة أصلًا، ومع استمرار النزوح يصبح من الصعب تغطية احتياجات الجميع”.

وبينما تتواصل العمليات العسكرية، يجد سكان حمرة الشيخ أنفسهم أمام واقع جديد: منازل تركوها خلفهم، وطرق نزوح غير واضحة، ومخاوف من عدم القدرة على العودة قريبًا.

ولا يقتصر ثمن النزوح على فقدان المسكن، إذ تحمل كل أسرة معها آثار الحرب من فقدان مصادر الدخل وتعطل التعليم وصعوبة الحصول على العلاج والغذاء، فيما يصبح الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر ضعفًا عرضة لمخاطر أكبر.

وفي ظل استمرار القتال والتحشيد العسكري، يبقى المدنيون في حمرة الشيخ والمناطق المحيطة بها أمام خيار بالغ القسوة: مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان، أو البقاء في منطقة يخشون أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة للقتال.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى