السودان يتجه شرقاً أم يعيد رسم موقعه في العالم؟

حاتم أيوب أبو الحسن

حاتم أيوب أبوالحسن

مع تصاعد التوتر بين الخرطوم وواشنطن، ظهرت دعوات سودانية متزايدة للتوجه شرقاً نحو روسيا والصين. وفي الظاهر قد يبدو الأمر انتقالاً طبيعياً من معسكر إلى آخر، لكن الجغرافيا السياسية أكثر تعقيداً من ذلك، فالسودان لا يتحرك داخل ثنائية موسكو وواشنطن فقط، بل داخل شبكة مصالح تمتد إلى مصر والسعودية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والنيل.

موقع السودان يجعله مفتاحاً للبحر الأحمر وجسراً بين العالم العربي وأفريقيا، وبين الساحل الأفريقي والداخل القاري. ولهذا لم يعد الصراع حول السودان سودانياً خالصاً، حتى وإن كانت جذوره وأسبابه الأساسية داخلية.

روسيا تنظر إلى السودان من زاوية موقعه على البحر الأحمر، وما يمكن أن يوفره من تعاون عسكري واقتصادي ونفوذ سياسي. والصين تنظر إليه ضمن شبكة أوسع من المصالح التجارية والاستثمارية وطرق النقل والطاقة والاستقرار الإقليمي. لكن موسكو وبكين، مثل واشنطن وغيرها، لا تتحركان بدافع الصداقة السياسية، وإنما وفق حسابات المصالح.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: ليس المطلوب أن يستبدل السودان شريكاً دولياً بآخر، بل أن يحول تعدد القوى الدولية إلى مساحة للمناورة وتحقيق المصالح الوطنية، بدلاً من أن يتحول السودان نفسه إلى ساحة لتنافس تلك القوى.

وفي هذه المعادلة تبرز مصر والسعودية بوصفهما لاعبين لا يمكن تجاوزهما. فالسعودية تربط استقرار السودان بأمن البحر الأحمر ومصالحها الاقتصادية والأمنية والإقليمية، بينما تتداخل المصالح المصرية مع السودان في الحدود والنيل والأمن القومي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ولهذا فإن أي إعادة تموضع سودانية لن تكون مجرد قرار في الخرطوم يتعلق بواشنطن أو موسكو أو بكين، بل ستعيد تشكيل جزء من معادلة البحر الأحمر نفسها، الذي تحول إلى مساحة تنافس دولي وإقليمي حول الموانئ والأمن والتجارة والنفوذ.

يمتلك السودان ورقة استراتيجية كبرى اسمها الموقع، لكن الموقع وحده لا يصنع القوة. الموقع يتحول إلى نفوذ عندما تكون وراءه دولة مستقرة، ومؤسسات قادرة، وسياسة خارجية واضحة، واقتصاد يستطيع تحويل الجغرافيا إلى مصالح. أما في غياب ذلك، فقد يتحول الموقع نفسه من فرصة إلى مدخل إضافي للتدخل الخارجي.

لذلك لا يحتاج السودان إلى الانحياز للشرق في مواجهة الغرب، كما لا يحتاج إلى الارتهان للغرب في مواجهة الشرق. ما يحتاجه هو سياسة خارجية متعددة الشراكات، تتعامل مع واشنطن وموسكو وبكين وفق المصالح، وتبني في الوقت نفسه علاقات استراتيجية متوازنة مع مصر والسعودية ودول الإقليم، من دون أن يتحول أي طرف إلى صاحب القرار في السياسة السودانية.

فالسودان لا يملك رفاهية العزلة، لكنه لا يملك أيضاً رفاهية التبعية.

 

وإذا أغلقت واشنطن باباً، فلا ينبغي أن تكون الإجابة الآلية: «إذن موسكو». لأن استبدال مركز نفوذ بمركز نفوذ آخر لا يعني بالضرورة تغييراً في السياسة الخارجية؛ قد يعني فقط تغيير عنوان التبعية.

روسيا تحتاج إلى البحر الأحمر، والصين تحتاج إلى استقرار طرق التجارة ومصالحها الاقتصادية، والسعودية معنية بأمن الضفة الغربية للبحر الأحمر، ومصر معنية بسودان مستقر وموحد وبمصالحها المرتبطة بالنيل والأمن الإقليمي، والولايات المتحدة معنية بموازنة نفوذ خصومها ومنع تمدد الأزمات، بينما ينظر الاتحاد الأفريقي إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من استقرار القارة نفسها.

هذه المصالح المتقاطعة لا تعني أن القوى المختلفة ستعمل تلقائياً لمصلحة السودان، لكنها تمنح السودان أوراقاً يمكن استخدامها في التفاوض، إذا امتلك القدرة السياسية على إدارتها.

في السؤال الأكثر أهمية اليوم كيف يقف السودان مع نفسه أولاً

فإذا امتلك السودان مشروعاً وطنياً واضحاً، يمكنه أن يجعل علاقاته مع الشرق والغرب والشمال والجنوب أدوات لخدمة الدولة. أما إذا غاب هذا المشروع، فسوف تتحول علاقاته الخارجية إلى استجابة للأزمات، وكلما أغلق باباً طرق باباً آخر، دون أن يغير موقعه الحقيقي في معادلة النفوذ.

قد يتجه السودان شرقاً، وقد يفتح أبواباً جديدة مع موسكو وبكين، لكن القضية الأهم ليست اتجاه البوصلة، بل من يمسك بها.

السودان لا يحتاج إلى بوصلة تشير شرقاً أو غرباً، بل إلى بوصلة تشير إلى المصلحة الوطنية أولاً.

وعندها فقط لن يكون الاتجاه شرقاً هروباً من واشنطن، ولا الاتجاه غرباً ارتهاناً لها، بل سيكون السودان قد بدأ الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المصالح، ومن موقع الساحة إلى موقع اللاعب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى