أوقد شمعات ولم يكتفِ بلعن الظلام
توفى الدكتور حيدر إبراهيم وضريحه التنويري ظاهر يُزار

علاء الدين بشير
نعى لنا الناعي من القاهرة يوم الجمعة الدكتور حيدر إبراهيم علي، الكاتب والباحث والأكاديمي والمثقف الكبير الرائد في مجال الوعي والاستنارة في السودان والمنطقة العربية. عن عمر ناهز 85 عامًا أمضى معظمها كادحًا في دروب النضال التنويري المدني والسياسي ومقارعة أنظمة الاستبداد ومحاربة الظلام من أجل نهضة بلاده وأمته.
شغف مبكر وهمة لا تفتقر
انتقل الدكتور حيدر إبراهيم علي، إلى رحاب الله العلية، بعد جولات طويلة من الصراع مع المرض أوهنت الجسد منه لكنها لم توهن عزمه وإتقاد عقله المشرئب إلى النجوم لينتقي صدر السماء لشعبه. فمع كل الدمار الذي خلفته الحرب بالسودان، ظل متفائلًا عاملًا من أجل الغد المشرق ولم تفتر همته أبدًا، كأنما يجسد قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها”، فقد أخبرني صديقه الدكتور عثمان سراج، المدير التنفيذي الأسبق لمركز الدراسات السودانية، ليل الجمعة الحزينة ونحن نغالب حزننا على الفقد الكبير، أنه ودكتور حيدر كانا حتى آخر أيامه يتواصلان مع بعض الأصدقاء والشباب داخل السودان ويتشاوران معهم من أجل إعادة فتح مركز الدراسات السودانية بعد أن نظفوا ركام الحرب وآثارها المدمرة التي طالت مقره على شارع الجمهورية في منطقة شرق الخرطوم .
نشأ الدكتور حيدر إبراهيم علي في بحري بين منطقتي الوابورات والحلفايا وأمضى طفولته وصباه وطرفًا من شبابه الباكر في تلك المراتع، وكان يمتلك ذاكرة فوتوغرافية حينما يحكي عن عوالمهم في تلك الفترة وتلك الربوع، فمن حكاويه التي سمعناها منه مثلًا قال إنه يتذكر جيدًا يوم ختانه منتصف أربعينيات القرن الماضي بحي الوابورات وأن الفنان عبد العزيز محمد داؤود وكان فنانًا ناشئًا وقتها هو من أحيا حفل الختان وكان يرتدي جلابية وحاسر الرأس من عمامة أو طاقية. وذكر أن شغفه بالمعرفة بدأ مبكرًا جدًا، فرغم حبه لكرة القدم ولكن بنيته الضعيفة صرفته عنها ووجهت طاقاته نحو الولع بالقراءة والإطلاع.
تخرج الدكتور حيدر إبراهيم علي في معهد المعلمين العالي (كلية التربية جامعة الخرطوم حاليًا) منتصف ستينيات القرن الماضي وعمل بالتدريس في المدارس الحكومية العليا. شغفه الشخصي وتطلعه للاستزادة من المعرفة ونفوره من ضيق التنظيمات السياسية صده عن الانتماء السياسي ولكنه اعتنق الفلسفة الوجودية في تلك المراحل الباكرة من تفتح وعيه، وقاده هذا الشغف إلى الارتحال غربًا إلى أوروبا إلى بلد الفلسفة ألمانيا حيث أنجز هناك الماجستير والدكتوراة في علم الاجتماع وعاد إلى السودان ليعمل أستاذًا في جامعة الجزيرة ويرتحل منها إلى جامعات دولة الإمارات العربية، لكنه ظل على الدوام يشعر أن دوره وحلمه وطاقته الفكرية أكبر من أن تظل حبيسة قاعات التدريس، وظلت مساهماته الفكرية خارج إطار التدريس مستمرة عبر الكتابة في الصحف السودانية والعربية وفي مجلة دراسات عربية التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت .

منارة الدراسات السودانية
وحين جاء انقلاب الإسلاميين في السودان ترك التدريس الجامعي واتخذ قرار المناهضة الفكرية لمشروع الإخوان المسلمين الظلامي الاستبدادي وارتحل إلى المملكة المغربية وشيد هناك منارته الخاصة مركز الدراسات السودانية في العام 1992، وأطلق من خلاله العنان لطاقاته وشغفه في التأليف والكتابة ومشروعه لوعي سوداني جديد ننتقل فيه من ثقافة المشافهة إلى عصر التدوين. وابتدر أيضًا من خلاله خطه المصادم في منازلة أفكار الإسلاميين. وحينما أصبحت القاهرة مركزًا لنشاط السودانيين السياسي والفكري بعد فرارهم من دولة الإنقاذ ارتحل د. حيدر إبراهيم ومركزه إلى هناك، وبدأ مرحلة جديدة من العمل قفز عبرها بالمركز من إطاره المحدود إلى مؤسسة ثقافية وفكرية ضخمة للنشر وبث الوعي وثقافة الاستنارة وتدريب الشباب في مجالات الكتابة الإبداعية وثقافة حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وعكف من خلالها على إعادة طبع أغلب المنتوج الفكري والسياسي والثقافي والإبداعي السوداني أو الذي كتبه أجانب عن السودان وبعثه من جديد إلى الحياة من غيابة جُب الإهمال والنسيان.
ربطتني بالدكتور حيدر علي ما أعتبرها علاقة محبة خاصة على محجة المعرفة البيضاء امتدت لأكثر من ربع قرن كنت أنا وقتها يافعًا أحبو على بساط صاحبة الجلالة، بدأت هذه العلاقة نهايات العام 2000 حينما اندفعت في غمرة حالة عاطفية وفورة حماس ثوري أزاحت عني المهابة المفترضة في تلك السن عند مخاطبة القامات الكبيرة المعروفة في المجال العام، بتسطير رسالة خاصة بخط اليد حملتها إلى صديقنا الراحل الطبيب والكاتب الصحافي، كمال حنفي الذي كان هو والدكتور حيدر يتشاركان الكتابة على صفحات الغراء “الصحافي الدولي” التي انضممت لها لتوي. كان حنفي مدعوًا ضمن مجموعات كبيرة من المثقفين والفاعلين السودانيين للمشاركة بأوراق علمية تناقش مختلف قضايا الفكر والثقافة والسياسة في السودان في إطار فعاليات المؤتمر الكبير الذي نظمه مركز الدراسات السودانية بالقاهرة بمناسبة سبعينية أديبنا الكبير الراحل الطيب صالح. كنت أرى في الدكتور حيدر مثقفًا شجاعًا يصدع بما يراه الحق ويستنكف السير في القطيع، فمع مقالاته القوية التي كانت تصلي ظهر نظام الإنقاذ بالحمم ورؤاه التي تكشف بؤس أفكاره، لم يتردد أيضًا في توجيه انتقادات لاذعة للتجمع الوطني المعارض حينما اقتضى الأمر ذلك، وكان أول من نادى بعودة العمل المعارض إلى داخل السودان بعد أن فقد جدواه من الخارج، ولم يكن ذلك أمرًا سهلًا في ظل التعصب والاستقطاب السياسي الحاد وقتها والاتهامات المجانية الجاهزة بالخيانة لكل من يخالف السير في القطيع السياسي المعارض.
كان حيدر يؤسس بوعي وصمامة لدور المثقف العام الذي يصدع بما يراه الحق في نقد وتوجيه الأفكار والسياسة وممارستها. وقد جسّد عندي مقولة علي المك وهو يصف صديقه الشاعر الكبير صلاح أحمد إبراهيم في معاركه الكبيرة والمختلفة “الرجل الشجاع يمثل أغلبية”، فقد كانت تأتينا من القاهرة وأسمرا ولندن وغيرها من العواصم في النصف الثاني من التسعينيات أخبار أنشطة التجمع الوطني المعارض في الخارج والكتل السياسية المنضوية تحت لوائه، وتأتينا في الوقت نفسه وربما بصدى أعلى صوتًا وأكثر أثرًا، مقالات الدكتور حيدر إبراهيم علي وأسماء مؤلفاته الباذخة في نقد الإسلام السياسي ونظام الإسلاميين وأخبار مركز الدراسات السودانية .
لم تَضِع رسالتي في ركام الأوراق والمنشورات والكتب التي تزحم مكتب دكتور حيدر بالقاهرة ولم تصرفه المشغوليات الكبيرة والزخم وأعمال المؤتمر الكبير عن قراءة رسالتي والاهتمام بها، كما ولم يعتبر اقتطاع جزء من زمنه الضاغط ضياعًا من أجل الرد على رسالة من شاب مغمور في السودان ليس له به سابق معرفة أو لقاء. وجاءني رده محمولًا مع الساعي نفسه الدكتور كمال حنفي، كان ردًا مكتوبًا بخط اليد في صفحتين ولكنهما تحملان من المودة والتواضع والتشجيع والتضامن أضعاف ما عبرت به أنا إليه، وقد أفرحني جدًا وظللت محتفظًا به سنوات طويلة.

شجعني تواصله الحميم على مكاتبته مرة أخرى بعد مرور عام تقريبًا، وطلبت منه كتاب (محمود محمد طه رائد التنوير الديني في السودان)، وهو عبارة عن عدة أوراق علمية كتبها مثقفون وباحثون سودانيون بينهم ورقة للدكتور حيدر إبراهيم علي نفسه وأخرى مترجمة عن اللغة الألمانية لأكاديمي ألماني اسمه يورغن ريجالسكي حملت عنوان (الإخوان الجمهوريين في السودان، مساهمة جديدة في الأيديولوجيا الدينية المعاصرة)، والكتاب من أول الإصدارات التي استهل بها مركز الدراسات السودانية نشاطه أوائل التسعينيات في العاصمة المغربية الرباط، ولم يكن مسموحًا بدخول الكتاب إلى سودان ذلك الزمان أو حتى متوفرًا لدى باعة الكتب القديمة أو عند الأصدقاء ولا يزال على ندرته. وأيضًا وبذات الاهتمام والتواضع وصلتني نسخة من الكتاب ورد على رسالتي مع الصديق الآخر الذي أخذ مكتوبي إليه، حمل رده التحايا الكبار والتشجيع ثم التقدير الكبير على المعرفة والاهتمام بقامة فكرية ووطنية سامقة مثل الأستاذ محمود .
مغامرة العودة والعود أحمد!
بعد عام من الانقسام الذي ضرب نظام الإنقاذ وانتهى بالمفاصلة بين الإسلاميين، ومساعي الانفتاح النسبي في بداية تلك المرحلة من أجل كسب التأييد السياسي الخارجي، بادر دكتور حيدر إبراهيم علي بتطبيق ما طالب به التجمع الوطني المعارض، وعاد إلى السودان وقام بنقل مركز الدراسات السودانية من مقره بالقاهرة إلى الخرطوم. كانت عودة المركز مهرجانًا فكريًا وإبداعيًا كبيرًا أحيا نهارات وأمسيات الخرطوم العابسة واستمر ثلاثة أيام، تضمن مؤتمرًا ضخمًا عن قضايا التجديد في الفكر الديني والسياسي قُدِمت فيه عشرات الأوراق من خلال جلساته العديدة على مدار الأيام الثلاثة واستضافته قاعة الشارقة الكبرى في جامعة الخرطوم، وشارك فيه بعض من كبار المفكرين والمثقفين العرب من أصدقاء الدكتور حيدر أمثال الأساتذة محمود أمين العالم، والطيب تيزيني وحسن حنفي وآخرين إلى جانب مجموعة من المثقفين والأكاديميين والسياسيين السودانيين مثلت أغلب أطياف الحياة السياسية والفكرية في السودان .
كما تضمنت ليالي الافتتاح كرنفالات إبداعية في الغناء والموسيقى والمسرح ومعارض الفن التشكيلي وورش للكتابة الإبداعية.
كان نظام الإنقاذ أو بعض الأطراف فيه تولى اهتمامًا كبيرًا بعودة الدكتور حيدر إبراهيم علي ومركزه إلى السودان، ربما بدوافع سياسية براغماتية محضة أو قناعات عند بعضهم، فقد تابع وزير الثقافة والإعلام في النظام وقتها، غازي صلاح الدين عودة حيدر ومركزه باهتمام وعمل بنفسه على تذليل كل الصعوبات التي تعترض ذلك بما في ذلك الاتصالات الشخصية وقيادة الحوارات مع الدوائر الأمنية والسياسية المتشددة داخل النظام، وحرص على تكوين لجنة لاستقبال د. حيدر في مطار الخرطوم، وحضر بنفسه الجلسة الافتتاحية لفعاليات افتتاح المركز وألقى كلمة للترحيب به وبالمثقفين العرب الزائرين للسودان، وأيضًا شارك بورقة فكرية ضمن أعمال المؤتمر .

لم تكن عودة حيدر ومركزه إلى الخرطوم محض رحلة طيران قصيرة ما بين القاهرة والخرطوم، وإنما كانت قرارًا صعبًا خاض فيه معارك فكرية شاقة في أربعة جبهات، الجبهة الأولى جبهة المعارضة التي ينتمي إليها التي كانت بعض دوائر التشدد فيها تنظر لخطوته كعمل تخذيلي أقرب إلى الخيانة إن لم تكن هي عينها ، وكانت تروج همسًا وجهرًا مزاعم عن صفقة عقدها حيدر مع النظام من أجل العودة. وبينما كانت هذه الدوائر المعارضة المتشددة تنتظر النصر المؤزر على نظام الإنقاذ بالضربة القاضية ودخول الخرطوم فاتحة على سنابك خيل فرسانها، كانت تترقب أيضًا إخفاق د. حيدر في خططه بالسودان من أجل الشماتة السياسية المقيتة عليه. وبين صفوف المعارضة أيضًا كان هناك مجموعة من أصدقائه الخلص تنظر إلى خطوته بعين الشفقة والخوف عليه من جور نظام الإسلاميين وغدرهم.
والجبهة الثانية التي حاربها كانت في نظام الإنقاذ نفسه الذي كان وحسب نمط تفكير الدوائر المتشددة وذات النفوذ فيه ترى في قرارها السماح بعودة حيدر ومركزه مِنّة وعطية تقتضي في المقابل تقديم تنازل سياسي وعطاء لصالح النظام .
والجبهة الثالثة كانت صراع داخل د. حيدر نفسه وكيف يجعل من عودته هذه عملًا نافعًا يخدم قضيته التي آمن بها وقضية شعبه في نيل الحرية والديمقراطية وإنهاء الحكم الاستبدادي، وأن لا يتم استغلال ثقله الفكري والسياسي واستنزاف رصيده الأخلاقي كترميز تضليلي من أجل إضفاء مشروعية على النظام وإعطاء صورة مشرقة عنه .
أما الجبهة الرابعة فكانت من الشباب والمثقفين والمبدعين وحتى غمار الناس داخل السودان الذين آمنوا برسالة المركز ووثقوا في دكتور حيدر ومحضوه محبتهم وتطلعوا إلى مساهمته في صناعة تغيير ولو نسبي في جبهة الواقع الثقافي والفكري وإحداث مزيد من الشروخ والتصدعات في الفكر الأحادي الذي هيمن على منابر الوعي داخل السودان، وهي جبهة كان يقاتل فيها عدد محدود جدًا من الداخل بعد عمليات الهجرة والإفراغ المنهجي التي تمت للعقول المفكرة والنشطة في مجالات التوعية والتنوير. وسط كل هذه الضغوط مضى حيدر في خطته بإقدام غير هياب للعواقب وإيقاد شمعات بدلًا عن الاكتفاء بلعن ظلام النظام من الخارج مع اللاعنين.
وقد أثبتت التطورات السياسية اللاحقة صحة تقديراته بالعودة ولكنها حتى الآن لم تقيم التقييم المنصف الذي يثبت لدكتور حيدر حقه فيها .
المهمة الشاقة داخل عرين النظام!
عمل د. حيدر بهمة عالية لا تني وقاتل بضراوة من أجل تثبيت رسالة وخط المركز في السودان، وكان واعيًا بحكم خبرته السياسية وكعالم اجتماع سياسي يفهم جيدًا طبيعة الأنظمة العقائدية الاستبدادية المغلقة، أن مهمته ليست سهلة، وبالفعل بدأت المتشددة داخل النظام تضيق ذرعًا بالمركز وأنشطته والذي أصبح خلية فاعلة جدًا تضج بالنشاط والحيوية والتفاف الشباب والمبدعين والمثقفين من الجنسين حوله وارتباطهم به، فقد أصبح متنفسًا لابداعاتهم وواحة ظليلة يستجيرون بها من وعثاء الهجير والتصحر الفكري الضارب في البلاد. وهو نفس الدور الذي لعبه في حياة المثقفين والمبدعين السودانيين الذين خرجوا من السودان وتشتتوا في المنافي المختلفة في العالم وكانت القاهرة هي محطة عبورهم إليها، فخلال السنوات التي قضوها هناك احتضنهم واستوعب طاقاتهم الإبداعية والفكرية فخرجت لنا مئات العناوين في مختلف حقول المعرفة وأجناس الإبداع.
كان د. حيدر في نفسه طاقة فعالة من العمل والتفكير والمبادرات، فبخلاف مقاله الأسبوعي الراتب في “الصحافي الدولي” وبعدها “الصحافة” ومقال آخر بأحد الصحف العربية، إلى جانب مساهماته المعمقة في دورية مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت والأوراق والبحوث العديدة التي يساهم بها في المؤتمرات وورش العمل الخارجية، استمر جهده أيضًا في تأليف الكتب المرجعية والكراسات الفكرية في مجالات نقد الإسلام السياسي وفي الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان وعلم الاجتماع والفلسفة والمجتمع المدني إضافة إلى إصداره التقرير الاستراتيجي السنوي الذي حمل عنوان (حالة الوطن)، كما استمرت مجلة (دراسات سودانية) التي تصدر عن المركز كل ثلاثة أشهر في الصدور، وابتكر أيضًا سلسلة كتيبات مختصرة ومبسطة تتناول مواضيع الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والحداثة والتنوير وغيرها من المفاهيم التي تقوم عليها نهضة المجتمعات.
كان حيدر أيضًا سباقًا دائمًا بالمبادرات والخطط وجمع المثقفين لمناقشة القضايا الملحة أو التحديات القادمة ووضع الحلول لها. وفي هذا الخصوص عقد المركز تحت إشرافه عدة مؤتمرات وورش عمل في قضايا التنوع الثقافي والديني وقضايا المرأة والنوع الاجتماعي وحقوق الإنسان والطفل والحريات الأكاديمية وحرية الدين والمعتقد …إلخ .
ومن خلال إقامته الطويلة بمصر خلق د. حيدر علاقات واسعة مع مثقفيها ومفكريها ونخبها السياسية وكانت العلاقات السودانية المصرية المأزومة في مستوياتها المختلفة دائمًا حاضرة في مناقشاته معهم، وبمبادرة منه دعا عددًا كبيرًا منهم إلى مؤتمر خاص عن العلاقات السودانية المصرية انعقد في الخرطوم عام 2004 بالشراكة ما بين مركز الدراسات السودانية وصحيفة “الصحافة” وقد كنا زميلي وصديقي عارف الصاوي وأنا ممثلين للصحيفة في تنسيق وترتيبات المؤتمر مع د. حيدر، وكان عملًا كبيرًا ومهمًا استضافته وزارة الخارجية داخل مبانيها وقاعاتها لمدة ثلاثة أيام، قدم خلالها نخبة من كبار المثقفين والكتاب والأكاديميين المصريين أبرزهم الراحل الدكتور حلمي شعراوي، مدير مركز البحوث الأفريقية بالقاهرة، والدكتورة إجلال رأفت، أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة، والراحل الدكتور هاني رسلان مدير وحدة السودان بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والباحثة بنفس المركز والأستاذة في جامعة عين شمس، الدكتورة أماني الطويل، ورئيسة تحرير صحيفة الأهالي، الأستاذة فريدة النقاش، ومدير تحرير صحيفة الأهرام، الأستاذة أسماء الحسيني ..إلخ وانضم إليهم السفير المصري بالخرطوم إلى جانب رصفائهم السودانيين رؤاهم حول مسار العلاقات بين البلدين في الحقب السياسية والمنعطفات المختلفة وتحدثوا بصراحة مفرطة ونفثوا الهواء الساخن حول ما يكدر صفو الوشائج بين الجارين، وقد أصدر حيدر لاحقًا أوراق المؤتمر في كتاب .

بين يدي نيفاشا واستقلال السودان
بعد التوقيع على اتفاقية نيفاشا والتي حملت معها التحدي العملي للوحدة الوطنية والتعايش السلمي واحترام التنوع، وهي من القضايا التي كرس لها د. حيدر والمركز أغلب جهده الفكري والعملي خلال مسيرة المركز الطويلة، بادر د. حيدر إبراهيم علي بدعوة مجموعة كبيرة من الكتاب والمثقفين والحقوقيين والصحافيين لمناقشة الدور المطلوب إبرازه من أجل رفع الحساسية اللازمة في الوقت الذي وقع فيه الاختيار على الخرطوم لتكون عاصمة للثقافة العربية في العام 2006 وهو حدث كبير لم تكن حتى الحركة الشعبية تتحسب لانعكاساته على تطبيق اتفاقية السلام .
وفعلًا تداول المجتمعون حول الأمر وخرجوا بإعلان مواز سمي إعلان الخرطوم للتعدد الثقافي، أكدوا من خلاله على حقائق التنوع الإثني والديني والتعدد الثقافي في السودان. ورغم أن حياة د. حيدر إبراهيم دارت في معظمها بين تيارات القومية العربية وله أصدقاء كثر من بين كبار مثقفيها ومفكريها بالمنطقة، كما نشر كثيرًا في دورياتها وشارك في أنشطة مراكزها الفكرية والبحثية، إلا أنه ظل دائمًا واعيًا لحقائق الواقع المعقد في السودان، ولم تغش أفكاره وكتاباته أو مواقفه أية غاشية من رؤاها يمكنها إرباك رؤيته لواقع السودان المتنوع المتعدد الفريد.

في يناير 2006 أيضًا نظم د. حيدر ومركز الدراسات السودانية احتفالًا كبيرًا باليوبيل الذهبي للاستقلال، دعا له مجموعة من أصدقائه الفنانين والموسيقيين العرب المطرب اللبناني مارسيل خليفة، ومواطنته الفنانة أميمة الخليل وفرقتهم (الميادين) والعواد العراقي الشهير نصير شمة وفرقة بيت العود العربي في القاهرة، وقدم الضيوف في الليالي الثلاثة بالمسرح القومي في أم درمان حفلات راقية أعادت شيئًا من ألق خرطوم الستينيات والسبعينيات، كما انخرط الفنانون العرب خلال فترة إقامتهم في ورش فنية وحفلات مشتركة مع الفنانين السودانيين وأجروا لقاءات مميزة في وسائل الإعلام السودانية وسجلوا وصوروا بعض أعمالهم فيها .

في كل أنشطة وأعمال المركز وكتابات د. حيدر بعد عودته لم يساوم أو يهادن أو يجامل فيها النظام قيد أنملة، الأمر الذي عرض نشاطه للتضييق الأمني والاستدعاءات إلى مقرات جهاز الأمن وإيقاف بعض أنشطة المركز المعلنة، وفوق ذلك تشييعه باللعنات من بعض كتبة النظام في حملات منظمة استهدفته شخصيًا ومركزه، لكن د. حيدر بقي راكزًا لا يحيد عن رسالته أو مبادئه .
وفي العام 2007 أصدر د. حيدر إبراهيم علي سفره الضخم (سقوط المشروع الحضاري) الذي تتبع فيه بالرصد الدقيق للوقائع في دفتر الأحوال الفكري والسياسي لدولة الإنقاذ، عدم الاتساق الأخلاقي ما بين الأفكار والأقوال والممارسة. زرته مع بعض الأصحاب وكان يضع اللمسات الأخيرة على الكتاب، داعبناه على ملاحقته المستمرة للإسلام السياسي وعدم ملله من ذلك، رد علينا ضاحكًا بأنه سيظل يلاحق تلك الشجرة الخبيثة حتى تقتلع من تربة السودان وأنه يعرف جيدًا نتيجة تلك الملاحقة (يا كتلتني ولا كتلتها).
وكان حيدر في عمله وسط غلواء المتربصين به من طرفي النظام وضيقي الأفق في المعارضة لا يجاريهم في غيهم وإنما يرد عليهم عمليًا بكتاب أو ندوة أو ورشة عمل أو مبادرة، فبعد سقوط المشروع الحضاري، أصدر أيضًا كتابه التشريحي للبنية التي آل إليها نظام الإنقاذ في النصف الثاني من عمره والموسوم (الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان) والذي صدر بعد انفصال جنوب السودان، وانكفاء النظام إلى حالة من القبضة الأمنية المتشددة والانغلاق السياسي والفكري مجددًا أدت إلى الضيق بنشاط مركز الدراسات السودانية وإغلاقه في العام 2012 ضمن حملة واسعة طالت كثيرًا من بؤر الوعي والاستنارة والنشاط الحقوقي في السودان. اضطر د. حيدر على أثر ذلك إلى بيع منزله الخاص في الخرطوم والمغادرة بالمركز مرة أخرى إلى القاهرة واستئناف النشاط من هناك .
مع الأستاذ محمود وتلاميذه
للدكتور حيدر إبراهيم علي محبة وتقدير كبيرين للأستاذ محمود وحفاوة بأفكاره ومواقفه الباسلة حتى الاستشهاد، ويحكي دائمًا أن علاقته بدأت باكرًا مع الأستاذ منذ أيام دراسته بمعهد المعلمين العالي وزمالته وصداقته مع أحد الجمهوريين وهو الأستاذ والباحث في ثقافة البجا الراحل محمد أدروب أوهاج، وزياراتهما معًا للأستاذ محمود في مكتبه بعمارة ابن عوف في الخرطوم عدة مرات ثم في منزله. وقد كتب قريب د. حيدر إبراهيم، الأخ الجمهوري الدكتور محمد محمد الأمين كلمة قصيرة في نعيه ذكر فيها أن الراحل قال له في إحدى المرات لو كان هناك حزب واحد يمكنني الانضمام له لكان هو الحزب الجمهوري بقيادة الأستاذ محمود، ولكني لم أفعل ذلك لأن طبيعتي لا تنسجم مع قيود التنظيم السياسي والتأطير الفكري.
ربطت د. حيدر علاقات قوية بكبار تلاميذ الأستاذ محمود ابتداءً من أ. سعيد الطيب شايب حينما كان د. حيدر يعمله أستاذًا في جامعة الجزيرة في مدني وأيضًا أستاذ جلال الدين الطيب الهادي الذي كان يزوره في مكتبه بمركز الدراسات السودانية كلما زار القاهرة وحينما انتقل للخرطوم. وكذلك الأستاذ عبد اللطيف عمر حسب الله، وظل الجمهوريون أيضًا يبادلونه التقدير والمودة على العلاقة القديمة والممتدة معهم، وقد سألني قبل نحو أسبوعين الأخ الجمهوري والأستاذ السابق في قسم الهندسة الكهربائية في جامعة الخرطوم، الدكتور معتصم عبد الله محمود الموجود بالقاهرة حاليًا عن أخبار وأحوال أستاذه السابق الذي درسه في مدارس بحري الثانوية، د. حيدر إبراهيم علي، فأخبرته بأنه يقيم في القاهرة وأنه طريح فراش المرض وأن هذه فرصة لزيارته برفقة بعض الإخوان، لكن شاءت الأقدار أن يتعرض الدكتور معتصم لكسر في رجله لذلك لا أظن أنه تمكن من إنجاز الزيارة حتى داهمنا الرحيل الفاجع.

بعد عودة المركز ود. حيدر إلى السودان مطالع الألفين قدم الدعوة للجمهوريين لإحياء ليلة للإنشاد العرفاني بمقر المركز في الخرطوم 3 غرب نادي الأسرة خلال شهر رمضان الأول بعد العودة، وقد حضرت مجموعة الإنشاد مع رهط كبير من الجمهوريين يتقدمهم كبيرهم الراحل أستاذ عبد اللطيف عمر حسب الله وأحيوا تلك الليلة بتناويع لطيفة من القصائد العرفانية لكبار العارفين والأولياء الصالحين. وكانت الليلة محضورة بجمهور غفير ضاقت به الساحة الخارجية للمركز وترك صدىً واسعًا في المدينة لعدة أيام.
وتتجلى حفاوة د. حيدر بالأستاذ محمود وأفكاره ومواقفه في كتاباته الكثيرة عنه وإحالاته المرجعية له في كتاباته المختلفة أو استلافه من قاموس أفكاره ومقولاته. وأيضًا مشاركاته في الاحتفالات والندوات التي تقام بمناسبة ذكرى استشهاده، وكانت آخر مشاركاته في الندوة الفكرية الكبرى التي أقيمت بالخرطوم في يناير 2020 بعد ثورة ديسمبر بقاعة وزارة التعليم العالي والتي شارك فيها نخبة من المثقفين والأكاديميين العرب وقدم فيها ورقة فكرية رغم أنه كان قائمًا لتوه من فراش المرض وفي حالة ظاهرة من وهن الجسد جعلته يسير ببطء متوكئًا على عصا. وللعلاقة الوثيقة التي جمعتني بهما، ظللت في رفقتهما وخدمتهما طوال أيام الندوة الثلاثة هو والراحل الأستاذ كمال الجزولي بإحضار الطعام والشراب والمشروبات الساخنة وإسناده في حركته في الفترة الصباحية بمنزل الأستاذ محمود وطوال أيام قاعة وزارة التعليم العالي فقال لي بدعابة ذات مغزى: “نحن العلمانيين لنا علاقة خاصة مع الله ونفهمه ونتعامل معه بطريقتنا، ومن هذا المنطلق أؤكد ليك إنه الله سيجزيك عن خدمتك لنا هذه خيرًا كثيرًا” أضحكتني جدًا عباراته وطريقته التي قالها بها، ولم تبارح عندي حيز الدعابة الطريفة، لكن اتضح لي لاحقًا أن د. حيدر كان يقصد كل كلمة قالها في دعابته!!.
مع علاقة د. حيدر القوية بالجمهوريين واحترامه للأستاذ محمود وأفكاره لم يمنعه ذلك من انتقاد بعض ما غُمُض عليه في أفكار ومواقف الأستاذ محمود وكذلك آراء ومواقف بعض تلاميذه، فهو مثلًا كان دائمًا ما يثير مسألة عدم وضوح موقف الأستاذ محمود من مكانة العقل ويشير إلى إعلائه القلب عليه ما يجعل الأستاذ محمود في رأيه أقرب في آرائه حول هذه المسألة إلى القنوصيين وأهل الإلهام منه إلى المفكرين والفلاسفة، كما انتقد أيضًا موقف الأستاذ محمود والجمهوريين من نظام مايو وما اعتبره تأييدًا منهم للنظام في كل أعماله القمعية ضد خصومه السياسيين. كما ندد بما فهمه لاحقًا من مقالات أ. خالد الحاج الناقدة لأطروحة البروفيسور عبد الله أحمد النعيم عن الإسلام وعلمانية الدولة، أن الجمهوريين يدعون إلى إقامة دولة دينية ونظام ثيوقراطي. وقد رد د. عمر القراي قبل سنوات على انتقاداته التي تناولت الموقف من نظام مايو ومكانة العقل عند الأستاذ محمود، وفيما بدا أن ردود القراي عليه لم تقع عنده وقعًا حسنًا واعتبر أنها تضمنت عنفًا لفظيًا وضيقًا بالرأي الآخر وترهيبًا دينيًا بإشهار آيات القرآن في وجه مخالفي الرأي، لكن زعله الشخصي ذاك لم يمنعه من استحسان المقال الشهير جدًا الذي كتبه الدكتور القراي في رثاء صديق الأستاذ محمود، وخال د. حيدر إبراهيم، المناضل اليساري الصلب، العم يونس الدسوقي الذي أدخل رحيله د. حيدر في حزن أليم عليه لما كان يمثله عنده من مكانة شخصية، واعتبر مع آخرين المقال من أفضل ما كتبه القراي على الإطلاق. أيضًا قام الأستاذ خالد الحاج بكتابة ردود على آراء حيدر المتجددة في انتقاداته الفكرة الجمهورية التي بثها من خلال مؤتمر نادي الفلسفة السوداني فيما يخص الموقف من العقل ومزاعم الدولة الثيوقراطية وغيرها من النقاط في سلسلة مقالات نشرتها صحيفة التيار ومواقع إلكترونية أخرى. ولكني لم ألمس أيضًا أنها صححت له ما استقر في عقله من قناعات. ولمعرفتي بالدكتور حيدر من مسافة معقولة يمكنني القول إنه لم يكن يفهم أفكار الأستاذ محمود جيدًا، والسبب في تقديري يعود إلى موقفه الجذري من الفكر الديني وإيمانه المطلق بالفلسفة وإعلاء قيمة التفكير العقلاني حسب فهمه له، لكن ذلك لم يحجبه أيضًا عن رؤية قدر الأستاذ محمود ومساهمته ومأثرته واستشهاده في سبيل مبادئه.
بين يدي الثورة الظافرة .. الانتقال من غرب الخرطوم إلى شرقها
بعد الثورة الظافرة وإطاحة نظام الإنقاذ، لم تمكن ظروف المرض د. حيدر من العودة مباشرة إلى الخرطوم والاستقرار بالسودان واستئناف نشاط مركزه من الداخل، كان يقضي فترة بالقاهرة ثم يعود إلى السودان، وفي إحدى عوداته تعاقدت صحيفة التيار معه ليكون ضيفًا في منتداها الأسبوعي الشهير (كباية شاي)، ولمعرفتي الجيدة به طلب مني الزملاء في الصحيفة إدارة الحوار معه من المنصة، واتصلت به وأخبرته بأنني من وقع الاختيار عليه لمحاورته وأخبرته بالخطوط العامة التي ستدور حولها الأمسية، وفي اليوم المحدد ذهبت إليه في سكنه المؤقت بحي الطائف رفقة الأخ د. محمد صادق جعفر وبسيارته واصطحبناه وزوجته السيدة حياة إلى صحيفة التيار. في الطريق سألني عن طبيعة المنبر وأجوائه وأخبرته أنه أحد أهم منابر الحوار العامة بعد ثورة ديسمبر ويرتاده جمهور غفير ومتنوع، لكني حذرته مداعبًا: اعمل حسابك سيأتي إليك صديقنا عمار محمد آدم، رحمه الله وأحسن إليه، ويَشغُب ويغلظ عليك بأسئلته المحرجة وطريقته التي يصعب ضبطه فيها كما اعتاد أن يفعل مع كل المستضافين، انزعج قليلًا ولكنه لم يلبث أن أكد لي أن عمار ابن عمه وزاره قبل أيام ليسلم عليه وتناول الغداء معه وكان ودودًا جدًا معه، وأنه واثق من عدم احتكاكه به. خلال المنتدى جدد د. حيدر رأيًا جريئًا وقديمًا كان قد ذكره لي في حوار أجريته معه بالصحافي الدولي أول أيام عودة المركز إلى السودان، بأنه متى انتهت الصراعات والحروب فإننا لا نحتاج إلى جيش بهذه الضخامة، وكان رأيه هذا قد أثار لغطًا كبيرًا وقتها وأدخل قيادة الصحيفة في مسائلات ومتاعب مع الدوائر العسكرية والسياسية المتنفذة في النظام. أعلن عن عودة المركز وانطلاقته من الخرطوم لدعم خطط ومبادئ ثورة ديسمبر لكنه طالب الحكومة الانتقالية بتوفير المقار لمؤسسات المجتمع المدني والأهلي الثقافية العاملة من أجل التغير والانتقال الديمقراطي من مقار المؤسسات الحزبية والتنظيمية التي تمت مصادرتها من النظام المخلوع، واعتبر ذلك حقًا مشروعًا طالما أن الدولة لا تستطيع دعم مؤسسات الفكر والثقافة كما يحدث في كل العالم المتمدن، وشدد على أنه لن يستأجر أبدًا مقرًا لمركزه في ظل حكومة ثورة تقود تحولًا ديمقراطيًا يفترض أن المراكز الثقافية الأهلية أدوات فاعلة فيه، وأوضح أنه وجد وعدًا من وزير الثقافة والإعلام وقتها الأستاذ فيصل محمد صالح ووكيل الوزارة، الرشيد سعيد يعقوب، بالاهتمام بالأمر وطلبا منه كتابة خطاب إلى رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك يتضمن طلبه هذا وسيتولى هما بقية الأمر. وبالفعل كُللت تلك المساعي وتم منح المركز مقره الحالي في نهاية شارع الجمهورية فيما كان يعرف إبان نظام الإنقاذ بمجلس الصداقة الشعبية العالمية ليبدأ نشاطه خلال المرحلة الجديدة في شرق الخرطوم بعد أن كان في سنواته العشر خلال نظام الإنقاذ ينشط من غربها . ومثل فوز د. حيدر بجائزة سلطان محمد العويس للدراسات الإنسانية في دورتها لعام 2018 – 2019 وهي أرفع جائزة ثقافية في دولة الإمارات، على مجموعة أعماله الفكرية في مناهضة الإسلام السياسي، احتفاءً أيضًا بثورة ديسمبر.
د. حيدر .. الأثر الباقي
بعد عدة أشهر اتصل بي د. حيدر هاتفيًا وقال لي إنه يريد مني تولي وظيفة المدير التنفيذي لمركز الدراسات السودانية في دورة نشاطه الجديدة من داخل السودان، كان عرضه مفاجئًا جدًا لي ومزعجًا في الوقت نفسه. قال لي إنه لا يتوقع ردًا مباشرًا مني الآن، وطلب مني أخذ وقتي في التفكير. التقيته بعد ذلك بفترة في نشاط عام بدار اتحاد الكتاب السودانيين بالعمارات كان هو المتحدث فيه، وكعادته معي عانقني بحرارة ولكنه لم يسألني عن إجابتي بخصوص عرضه. بعدها بنحو أسبوعين اتصل بي وسألني، فاعتذرت له بأني أشعر بعدم قدرتي على هذا القيام بواجبات هذا التكليف في ظل المرحلة الدقيقة والحساسة التي تمر بها البلاد، ولكني وكما يعلم هو استعدادي الدائم لأي تكاليف أخرى منه. ضحك وقال لي إنه كان يتوقع ذلك مني وأنه وغيره من الأصدقاء مطلعون على الظروف التي أمر بها ومتفهمين لحالة التشوش الذهني منذ عودتي من أمريكا، وأنه يرحب بي متى ما وجدت استعدادًا وقدرة على العمل معه . لم تجمعني به بعد ذلك المجامع، إلا قبل نحو ثلاثة أو أربعة أشهر من اندلاع الحرب في ندوة أقيمت عصرًا بمقر مركز الدراسات السودانية شرق الخرطوم بعنوان (ما بعد الحركة الإسلامية) أو عنوانًا بهذا المضمون تحدث فيها من على المنصة د. النور حمد وأ. شمس الدين ضو البيت وربما المحبوب عبد السلام لا أذكر جيدًا، وكان ضمن المعقبين أ. أسماء محمود و. حيدر إبراهيم نفسه. وشارك بالحضور ولم يتحدث الراحل أستاذ كمال الجزولي، وكانت تلك آخر مرة أرى فيها كفاحًا (الشيخان) في تعبير حميم لصديقنا د. مجدي الجزولي.
رحل د. حيدر إبراهيم علي بينما كان وهو على فراش المرض يخطط جادًا لجولة أخرى من محاربة التوحش والظلام داخل معاقله وسط ركام الخرطوم وخرائبها، وهو الرجل الذي تمرس على النزالات وسط العتمة، لكن كمنت له الأقدار في منعرج صعب من مسيرة البلد ومنعطف شاق من خريف العمر. رحل بعد مسيرة في الحياة حافلة بكل ما ينفع الناس باذلًا نار المعرفة التي حررها من احتكار الآلهة لينزلها في المشاعل إلى عامة الناس كما تحكي الأسطورة الإغريقية عن برومثيوس سارق نار الآلهة. كان د. حيدر من المثقفين الجادين جدًا في كل شيء، رأيت عن قرب كيف ينزعج جدًا إذا رمى أحدهم ورقة ما بإهمال في سلة القمامة دون فحص ما تحتويه جيدًا.. كان من الذين سعوا تطبيقيًا إلى تضييق الفجوة ما بين الأفكار والأقوال والأعمال في ممارستهم بالحياة العامة. رحل د. حيدر إبراهيم علي تاركًا سيرة شخصية وضريحًا تنويريًا عامرًا يزوره طلاب المعرفة ويهدي إلى السير في المسالك الوعرة والمعتمة التي تنتظر السودانيين وهم يعبرون مخاضات الدم المسفوح على ثرى بلادهم .
رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي، الرجل الكبير في علمه وإنسانيته ووطنيته وأنزله منازل المصطفين المكرمين عنده، وأحسن عزاء أسرته المكلومة، رفيقة دربه السيدة حياة وخلفيهما مُظَفّر وإنديرا وكل أهله وعارفي فضله.@عادل السياسي





