الثقافة في زمن اقتصاد الانتباه ..السودان حين يصبح الوعي سوقاً

د. صلاح أحمد الحبو
لم يعد رأس المال يبحث عن المال وحده؛ لقد اكتشف مورداً أكثر نعومة وأشد نفوذاً: الانتباه. فالعين التي تتوقف أمام الشاشة، والثواني التي يبتلعها التمرير، والفضول الذي يقود الإنسان من عنوان إلى آخر، تحولت جميعها إلى وحدات قابلة للاستثمار. لم يعد السؤال الاقتصادي: ماذا يملك الإنسان؟ بل: كم من وقته يمكن الاستحواذ عليه، وكم من وعيه يمكن توجيهه؟
هكذا نشأ اقتصاد الانتباه؛ اقتصاد لا يبيع السلعة دائماً، بل يتاجر بالقدرة على الوصول إلى الإنسان قبل الوصول إلى جيبه. وفي قلبه تقف الخوارزمية، لا بوصفها تقنية محايدة تماماً، وإنما باعتبارها عيناً خفية تعيد ترتيب ما نراه وما لا نراه، وما يستحق التوقف وما يمر كأنه لم يكن.
وهنا تبدأ المسألة الثقافية.
إذا كانت الثقافة فعلاً لإنتاج المعنى، فماذا يحدث لها حين تدخل سوقاً تكافئ السرعة والإثارة والتفاعل؟ هل الثقافة التي تمر عبر الخوارزمية تظل ثقافة، أم تتحول إلى محتوى صُمم ليخطف العين قبل أن يمنح العقل فرصة للتأمل؟ فالفكرة العميقة تحتاج إلى زمن كي تنضج، بينما المنصة تريدها ساخنة، سريعة، قابلة للنقر والمشاركة.
في السودان تبدو المسألة أكثر تعقيداً؛ لأن الثقافة السودانية لم تكن في أصلها ثقافة شاشة. كانت ثقافة مجلس وحيّ، وكتاب وصحيفة، وأغنية ورواية، ومنبر ومسرح، وحكاية تمشي من فم إلى فم ومن جيل إلى جيل. كانت قيمة الفكرة في قدرتها على البقاء في الذاكرة، لا في قدرتها على تصدر الشاشة.
أما اليوم فقد انتقلت الثقافة إلى فضاء جديد. الهاتف الذكي أصبح مكتبة ومنبراً وإذاعة وسينما وسوقاً للأفكار، لكنه أصبح أيضاً آلة لإعادة تدوير الانتباه. يدخل السوداني إلى الشاشة بحثاً عن خبر، فيخرج بسيل من الأخبار؛ يبحث عن معرفة، فيجد طوفاناً من المعلومات؛ يفتح نافذة للترفيه، فيستيقظ وقد ابتلع التمرير ساعة من عمره.
ليست المشكلة إذن في التكنولوجيا وحدها، بل في البنية الاقتصادية التي تقف خلفها. فالخوارزمية لا تمنع الكاتب من التفكير، لكنها تكافئ ما يجذب الجمهور؛ ولا تملي على المثقف ماذا يقول، لكنها تهمس له بما ينبغي أن يقول إذا أراد أن يُرى. وهنا قد يتحول المبدع، من حيث لا يشعر، من منتج للمعنى إلى مدير للانتباه.
ومن هذه النقطة يظهر وجه آخر للمسألة: استعمار الانتباه. لم يعد الاستعمار يحتاج دائماً إلى احتلال الأرض؛ يكفي أحياناً أن يحتل ترتيب الأولويات داخل الرأس. قد لا يخبرك النظام الرقمي ماذا تفكر، لكنه يستطيع أن يشارك في تحديد ما الذي تراه أولاً، وما الذي يختفي، وما الذي يعود إليك حتى يبدو مألوفاً، وربما حقيقياً.
وهكذا يصبح الصراع الثقافي صراعاً على ما هو أبعد من الأفكار: صراعاً على حق الإنسان في اختيار ما يمنح فكره ووقته.
فالسرعة، حين تتحول إلى قاعدة، لا تترك للمعنى فرصة كي يتخمر. القراءة تحتاج إلى صبر، والوعي يحتاج إلى مسافة، والسؤال يحتاج إلى بطء؛ لكن اقتصاد الانتباه يقول: اضغط، مرر، شاهد، تفاعل، ثم انتقل. إنه اقتصاد يريد الحركة المستمرة، بينما يحتاج العقل أحياناً إلى السكون كي يرى.
وفي السودان، تتداخل هذه المسألة مع الحرب والشتات والانهيار الاقتصادي. أصبح الهاتف وسيلة للتواصل، ومصدراً للأخبار، ونافذة لتوثيق الحرب، ومنبراً للألم والأمل. لكنه جعل المأساة نفسها قابلة للاستهلاك السريع: صورة قتيل، خبر نزوح، مقطع ساخر، أغنية، إعلان؛ كل شيء يمر في الشريط نفسه وبالإيقاع نفسه. وحين تصبح المأساة محتوى، يتهددها خطر التحول من تجربة إنسانية تستدعي الذاكرة والمساءلة إلى مادة عابرة في سوق المشاهدة.
ومع ذلك، ليست التكنولوجيا خصماً للثقافة بالضرورة. فقد منحت السودانيين فرصة غير مسبوقة لإنتاج الرواية من خارج المؤسسات التقليدية. يستطيع شاب في قرية بعيدة، أو امرأة في مدينة محاصرة، أو مهاجر في بلد آخر، أن يكتب ويصور ويوثق ويصل إلى العالم دون بوابة ثقافية مركزية. لقد اتسعت المنصة، لكن اتساعها لا يعني بالضرورة اتساع المعنى.
لذلك لا تحتاج الثقافة السودانية إلى حرب مع التكنولوجيا، بل إلى استعادة موقعها داخلها؛ إلى فضاءات رقمية تحفظ الذاكرة، وتوثق الحكاية، وتمنح الكتاب والفن والفكر زمناً لا تقيس قيمته بعدد النقرات وحدها.
فالمحتوى وفير حتى التخمة، لكن المعنى نادر. والمعلومات تتكاثر، بينما المعرفة تحتاج إلى غربلة. والمشاهدة تتسع، بينما الأثر يضيق.
لهذا ينبغي أن يتغير السؤال من: كم شخصاً شاهد؟ إلى: كم إنساناً تغيّر؟ ومن: «كم تفاعلاً؟» إلى: «كم فكرة بقيت؟». فالثقافة ليست ما يمر أمام العين، وإنما ما يستقر خلفها؛ ليست ما يملأ الوقت، بل ما يملأه معنى.
في اقتصاد أصبحت فيه العين مورداً، والوقت سلعة، والانتباه ميداناً للمنافسة، فإن أخطر أشكال الفقر لم يعد فقر المعلومات، بل فقر القدرة على التمييز، وفقر الوقت المخصص للتأمل، وفقر المساحة التي يسأل فيها الإنسان قبل أن يضغط، ويفكر قبل أن يشارك، ويفهم قبل أن يحكم.
وربما هنا تكمن معركة الثقافة السودانية القادمة: ألا تنافس الخوارزمية في سرعة ابتلاع الوقت، بل تستعيد للإنسان حقه في امتلاك الوقت.
فالثقافة التي تستحق البقاء ليست التي تنتصر في سباق الخوارزمية، بل التي تنجو منه؛ لا تكتفي بخطف العين، بل تسترد العقل؛ لا تملأ الشاشة، بل تفتح نافذة للمعنى.
فإذا كان اقتصاد الانتباه يريد عين الإنسان، فإن الثقافة مطالبة بالدفاع عن وعيه.
habobsalah@gmail.com





