مقارنة بين أدب المخاطبة لدى القوى الديمقراطية، مناهضي الحرب وقلة أدب الإسلامويين دعاة الحرب

عثمان عبدالله فارس
—
بدءًا: ترددت كثيرًا، في إطلاق (قلة أدب) في عنوان المقال لكنني لم أجد مرادفًا لفظيًا في الثقافة والعرف السوداني، يناسب ويتسق مع ما يُضجُ به أعلام مؤججي الحرب ودعاتها!
ليست فاطمة أبوشامة وحدها:
ما ورد في مخاطبة الصحفية/ فاطمة أبوشامة من سباب وشتيمة لزميلتها الصحفية/ رشا عوض أثار حفيظة وغضب مجموعات كبيرة من الشعب السوداني، المحافظ، غض النظر عن مواقفهم السياسية، حيث إنه تجاوز العرف السوداني بكل ما يحمل من قيم التسامح واحترام وعدم تحقير الآخر مهما كانت درجة الخلاف.
ما (زفرته) الفاتية- لم أجد تأنيث للكلمة لأنها لم تتداول في حق النساء، لبعدهن عن بذئ القول – ما كتبته عن زميلتها لم يكن زلة لسان أو زفرة غضب وحقد، إنما هو حصيلة تربية في (مدرسة تربوية) مؤسسة الأركان شيدها ورعاها الإسلامويون منذ بداية السبعينات أو قبله، وخرّجت عشرات (الكوادر) ممن أطلقوا على أنفسهم (صعاليق التنظيم) – صعلوق بالمعنى السوداني وليس صعلوك، فقير، وفق المعنى العربي – وكان لهم قصب السبق في إفساد الحياة السياسية من أكبر وأرسخ منبر للوعي، سوح الجامعات، ومن أكبر أساتذتها وروادها الذين لا زالوا على قيد الحياة وعدم الحياء أمين حسن عمر الذي لا يندى له جبين وهو يصف إخوته، في الوطن، المختلف معهم سياسيًا بـ (الرويبضات) – وهو وصف غير متداول في اللغة العربية إلا نادرًا وتعني ناقص الرجولة ..
السخرية من ثورة ديسمبر وتحقير الشهداء الكرام:
بمراجعة معظم القروبات والمواقع الإسفيرية لـ (المتوركين الجدد)، المقيمين في تركيا، – لا زالت مقولة أجدادنا سارية حتى الآن: التركي ولا المتحرك- هذه المواقع تضج بالسفالة والسفه والانحطاط في كل الردود على دعاة السلام ومناهضي الحرب. بل بها ما يعف اللسان عن ذكره ويأبى الكيبورد عن كتابته!
ولسعداء الحظ الذين لم يطلعوا على ذلك السجل السخيف، أورد بعض تهكماتهم:
* فورة مدغشقر الكئيبة [ثورة ديسمبر المجيدة].
* بليناكم والبنات نيام ..
* الكيوتيين، القحاطة، عملاء بن زايد، دويلة الشر، دويلة الخمارات العربية … الخ السخف!
خطاب القوى الديمقراطية في مواجهة الآخر المختلف:
الأمثلة على الخطابات المتزنة والرصينة للديمقراطيين السودانيين وفي طليعتهم الشيوعيين، عصية على الحصر، وسوف أكتفي بمثالين فقط في عهدين مختلفين من تاريخ السودان الحديث.
بعد حلّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، تصاعدت حدة الخلاف والعداء للحزب الشيوعي والشيوعيين، خاصة من قبل الإخوان المسلمين، في تلك الأجواء قدم أحد أعضاء الحزب للشهيد/ عبدالخالق محجوب صورة فوتوغرافية لإحدى الأخوات المسلمات في وضع عارٍ ومخل بالآداب، فما كان من هذا القائد السوداني المؤدب إلا أن مزق الصورة ورماها في السلة، وقال قولته الشهيرة:
نحن صراعنا مع الإخوان المسلمين صراع سياسي!
مثال آخر:
في بداية الديمقراطية الثالثة، بعد انتفاضة أبريل 1985 وفي ذروة عداء الإخوان المسلمين، الجبهة الإسلامية، أوانذاك – واتهام الحزب بأنه الفصيل المدني للحركة الشعبية(جون قرنق) شنت حملة ضخمة ضد الحزب وذلك بتلفيق تهمة للمهندس الشيوعي/ صالح الخير باعتباره أحد أعوان قرنق .
تحت تلك الأجواء المكفهرة عقد سمنار أو ورشة عن الخطاب السياسي تحت إشراف وإدارة الأستاذ/ تجاني الطيب رئيس تحرير الميدان .
وكان زبدة وملخص أستاذ تجاني أننا لن نحيد عن خطابنا السياسي الذي عرفته جماهيرنا منذ الأربعينات، مهما تغيّر خطاب الآخرين!
هذا الرأي لم يعجب كثير من الشباب وهم يقرأون كل يوم (الراية وألوان) وهي تبالغ في المهاترات والسخرية والاستخفاف بالرموز الوطنيين بإطلاق أوصاف وألقاب تحقيرية مثل (أبو ناعم) للسيد أحمد المرعني رئيس مجلس السيادة و(أبوكلام) للسيد الصادق المهدي وعزالدين علي (حامل) للدكتور عزالدين علي عامر.
اقترح الشباب:
[أن تمضي الميدان في خطها وخطابها الرصين، وأن يمنحونا، نحن الشباب، صفحة واحدة أسبوعية في الميدان نسميها صعاليق الحزب ونرد على الراية وألوان بنفس أسلوبهم].فرد أستاذ تجاني على المقترح في جملة مقتضبة ومقنعة للجميع نطقهما تحت ابتسامة موحية:
– لكن حزبنا مافيه صعاليق!
إن انهيارات البنى التحتية للوطن تتبعها الآن انهيارات البنى الأخلاقية وللأسف أن إعادة ترميمها يحتاج لجهد مضاعف!
كل الدعوات أن تقف الحرب، لتخرس هذه الأصوات النشاز، والعبارات السخيفة التي تثير الغثيان وترفع ضغط الدم، لكي نبدأ عمليًا في ترميم ما أصابنا أو أصاب بعضنا من أمراض الكراهية والانحطاط.
.





