قصة بوح معلن

السر السيد

السر السيد

أعرف صديقي يحيى فضل الله العوض لأكثر من أربعين عامًا؛ فيها تقاسمنا الغرفة ودفء القلوب و(نصف الرغيف ونصف اللفافة والكتب المستعارة)؛ ولكن عندما تابعت الحلقات التوثيقية معه، البالغ عددها 25 حلقة، بزمن خمس دقائق أو أقل للحلقة الواحدة؛ تلك الحلقات التي أعدّها الفنان محمد كوبر وبثّها في صفحته في الفيسبوك؛ رأيت يحيى كما لم أره من قبل. رأيته (يضج ابتهاجًا) ويحلق في سماوات الكلام؛ وهو يحاول القبض على الزمن ونبش سراديب الأمكنة.

في المنفى، في كندا، وفي مدينة هاميلتون-أونتاريو، وبتاريخ 4 أغسطس 2026، أوقف الممثل محمد عوض كوبر صديقه وأستاذه المسرحي والقاص والشاعر يحيى فضل الله في المنطقة التي تقع بين الذاكرة والنسيان. أوقفه هناك رغبةً في التوثيق له عبر ثلاثة محاور، كما جاء في الحلقة الأولى، هي: المسرح/ والشعر/ والقصة والرواية والتداعيات؛ وعبر هذا التحديد لمجالات التوثيق توقعت، وربما توقع آخرون، أن تتركز الأسئلة فيما يقود إلى إنجاز سيرة لإبداعات يحيى في المسرح والشعر والسرد؛ ولكن كانت المفاجأة عندما جاء السؤال الأول في سلسلة أسئلة التوثيق بهذه الصيغة: (يحيى دا منو؟ وولدو وين؟)؛ ليبدأ بعدها يحيى في التداعي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الحضور الاستثنائي الذي لازم كوبر في كل الحلقات؛ إذ إنه، وبهذا الحضور، استطاع أن يهز بجذع ذاكرة يحيى ويحقن شرايين النسيان فيه بما اختبأ في الغياب. فقد كان الزمن يتفلت والأمكنة تتداخل في رحلة تبدأ زمانيًا من العام 1958، تاريخ ميلاد يحيى؛ وتبدأ مكانيًا من (قباتي) في ولاية نهر النيل.

سيتداعى يحيى حرًا، وسيعبر بقاربه مجرى النهر الذي حفره كوبر. فيحيى، الذي طالما سجل في تداعياته وقصصه ما يقترب من السيرة الشخصية لأناس التقى بعضهم في أزمنة وأمكنة الحياة الواقعية، سينظم في هذا التوثيق مسبحة للحكي لا تقف عند سيرة إبداعاته فحسب، وإنما تصل إلى تخوم سيرته الشخصية.

في مسبحة الحكي هذه ستتحول الأمكنة إلى مكانة تضج بالحياة والحكايات: (قباتي/ كادوقلي/ البيت/ المدرسة/ الداخلية/ المسجد/ الخلوة/ النادي/ استاد كرة القدم/ المطعم/ المكتبة/ الخرطوم/ المعهد/ الداخلية/ المسرح القومي/ الإذاعة/ التلفزيون/ القاهرة/ كندا/ مستشفى الأمراض النفسية في هاميلتون/ الكنيسة في هاميلتون/ بيت مصطفى سيد أحمد)؛ وستتحول الأزمنة إلى أحداث ومواقف.

ستضج الأمكنة بالحكايات؛ فلكل مكان حكاية أو حكايات، كما رأينا، وستنهمر الأزمنة بالذكريات والحنين واللحظات الحاسمة؛ ولأن المجرى واحد والقارب الذي يبحر واحد، يصل يحيى سيرة إبداعاته بخيط رفيع مع جذورها؛ فيحكي عن انتقال أسرته إلى كادوقلي وعمره ثلاثة أشهر، ثم يفرد حيزًا مقدرًا عن طفولته، ويحكي بشغف عن البيت الذي تفتح فيه؛ عن أمه التومة ويذكرها بالاسم، وعن أبيه فضل العوض، ويذكر أخواته وإخوانه بالاسم. يتداعى يحيى ويتحدث بامتنان عن بعض أساتذته، وعن من ساعدوه في أن يكتشف أنه كاتب، وعن أول قصيدة كتبها، وعن بدايات علاقته بالمسرح، وعن منهج المسرح في المعهد، وعن السديم، وعن المسرح القومي. يحكي عن مركز الثقافات السودانية في القاهرة؛ يحكي عن الشعر وعن أغانيه ويقرأ بعض قصائده.

يحكي عن المسرحيات التي أخرجها والتي شارك ممثلًا فيها؛ يحكي طرفًا كثيرة عن الطريقة التي تلقى بها البعض نصوص التداعيات؛ فقد حكى أن شخصًا قابله وكان مصرًا أنه هو المقصود بواحدة من التداعيات. يحكي عن عن علاقته بالجبل في كادوقلي أو جبل المقطم في القاهرة أو جبل هاميلتون؛ فهو شخص جبلي كما وصف نفسه مازحًا.. يحكي عن المطر في كادوقلي وعن سحر مدينة هاميلتون.

يحكي ويحكي، ولكنه أيضًا ينسى؛ هنا وهناك. وقد تكمن علة هذا النسيان في (المشافهة) بما تقوم عليه من نظام، خاصة وأن الذي يحكي الآن، كما نعلم، كاتب محترف، بل تكاد الكتابة عنده أن تكون بديلًا للموت؛ ومع هذا سيكون من غير الدقة أن نعزي النسيان إلى المشافهة فقط؛ فللزمن أيضًا تأثيره وأثره.

على الصعيد الشخصي، وأنا أتابع هذه المراوحة البديعة بين سيرة إبداعات يحيى وسيرته الشخصية، التي يتفنن كوبر ويحيى في الإمساك بخيطها الرفيع، وبرغم معرفتي اللصيقة بيحى، وقفت على أشياء لم أكن أعرفها؛ منها، على سبيل المثال، أن يحيى حاز على منحة للدراسة في ليبيا، ولكنه اختار الدراسة في المعهد؛ ومنها أنه كان يمزق (المسودة الأولى) في كتاباته الإبداعية. ومع أنني قد شهدت ميلاد الكثير من هذه الكتابات، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها أن ما سمعته أو قرأته سبقته أكثر من (مسودة) تم تمزيقها!!

كما وجدت نفسي، وفي مواضع كثيرة، وأنا أتابع هذه المراوحة وهذا المزج بين السيرتين، أقف في نفس المنطقة التي أوقف فيها كوبر يحيى؛ (بين الذاكرة والنسيان)؛ فطفقت أرصد ما ينساه يحيى من أحداث وأسماء وهو يحكي عن وقائع كنت شاهدًا عليها، كالسديم مثلًا؛ وبالمقابل، كان وهو يحكي يذكرني بأشياء نسيتها.

ترميم الذاكرة:

إن كوبر، وبمهارة المسرحي الحصيف، عبر أسئلته واستدراكاته وتدخلاته الحميدة أثناء الحوار، استطاع أن يهيئ طقسًا للبوح المعلن؛ مكانه المنطقة التي تقع بين الذاكرة والنسيان؛ ومركزه يحيى؛ وأطرافه المتابعون للبوح في الصفحة بمواقعهم ومشاربهم المختلفة، حيث إن منهم الذين يعرفون يحيى عن قرب، كشخصي وآخرين ومنهم المتابعون لإبداعاته كقراء ومستمعين ومشاهدين.

فقد كان الذين يعرفونه عن قرب يقومون بما يمكن تسميته بـ(ترميم الذاكرة)؛ فيذكرونه بما نسيه من وقائع وأسماء. أما متابعوه من قراء ومستمعين ومشاهدين، فكانوا يطالبونه بالغوص أعمق في بعض ما أشار إليه، كعلاقته بالفنان مصطفى سيد أحمد، أو السؤال عن قصة خاله مع أغنية «يا ضلنا»، أو عن آرائه السياسية من خلال الإشارة إلى علاقة الدولة بالإبداع والمبدعين وغيره.

وهنا يمكن القول إن يحيى، بمهارة المسرحي وبمهارة السارد، استطاع أن يجيب على أسئلة كوبر الموجزة والمفتوحة وعلى استدراكاته بأريحية ومحبة، منتقلًا بطقس البوح المعلن إلى تخوم السيرة الشخصية، وعبرها إلى تخوم (التعافي). ودليلنا هنا تعليقات الكثيرين التي اتفقت على أن هذا البوح خفف عليهم كثيرًا مما فعلته بهم الحرب من أذى نفسي ودمار روحي. وما التعافي إذن، إن لم يكن مغالبة النسيان ومديح التذكر والذاكرة؟!

وتبقى الإشارة إلى أننا وصفنا ما قدمه كوبر ويحيى بـ(البوح المعلن) بسبب تلك التشاركية التي اقتربت من أن تنجز ما يشبه السيرة الشخصية للمسرحي والشاعر والسارد يحيى، في سابقة نادرة، إن لم تكن الأولى. فهل يا ترى سيواصل يحيى ويكتب سيرته الشخصية التي بانت ملامحها؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى