ندوة مركز جذور البناء 1-3 ..أمين حسن عمر:إيران تتعرض لعدوان وتحالف مكة لن يهب تلقائياً لنجدة السعودية

الصراع في السودان هو امتداد مباشر لترتيب أوراق المنطقة
إيران فاجأت إسرائيل وأمريكا بقوة لم تكن متوقعة
طهران ليست وحدها في المعركة وحظيت بدعم صيني روسي باكستاني
ما يجري الآن هو مشروع إسرائيلي لتفكيك دول «الممانعة» بدأ بالعراق
أمريكا استخدمت أراضي دول الخليج بغير إذنها وحاولت جرّها للدخول في المعركة
وصف القيادي وأحد منظري الحركة الإسلامية المصنفة إرهابية، د. أمين حسن عمر، الحرب الحالية على إيران بأنها عدوان غرضه تفكيك كل الأنظمة والدول الرافضة لوجود إسرائيل، وقلل أمين، الذي كان يتحدث في منتدى مغلق بعنوان «التحولات الراهنة في المنطقة.. التحالف التركي السعودي الباكستاني والتطورات في اليمن وتأثيراتها على المنطقة والسودان»، التي نظمها مركز جذور البناء الفكري والتأصيل المحسوب على تنظيم “الإخوان”، من أهمية تحالف مكة الذي أعلن مؤخراً، مؤكداً أنه لن يهب لنجدة السعودية لمجرد ضربات.
وفي موقف لافت، برر أمين، الذي يعد أحد ثلاثي كلفهم تنظيمه، بحسب ما هو متداول، بإعداد خطة العمل المستقبلي للحركة الإسلامية وتحديد بوصلتها في فترة ما بعد الحرب، التوسع الإيراني في المنطقة بأنه جاء لدواعي الضرورة، والتي حددها في أن إيران ترى أنها لحماية نفسها لا بد من أن تقيم خطوط دفاع متقدمة.
رصد: أفق جديد
بدأ د. أمين حسن عمر حديثه قائلاً: أظن أن العنوان هو: «التحولات الراهنة في المنطقة، بتركيز على التحالف التركي السعودي الباكستاني والتطورات في اليمن وتأثيراتها على المنطقة عموماً وعلى السودان».
وأضاف: العنوان نفسه يمكن أن نرسم منه حدوداً أو خارطة للمنطقة المعنية. فالمنطقة المعنية، حسب هذا العنوان، تمتد من باكستان، وتشمل تركيا والسعودية، وما بينهما؛ أي اليمن والسودان والمنطقة المتأثرة والمحيطة.
ويذهب أمين إلى القول: هذه المنطقة، باستثناء باكستان، يسميها الغرب «الشرق الأوسط»، بينما تسميها الصين «الغرب الأوسط»، وهي لا تعرف لنفسها اسماً؛ أي إنها لا تسمي نفسها مثلاً «الإقليم الأوسط». فهي تقول إنها «الشرق الأوسط»، وهذا دليل على أن المسألة كلها تتعلق بجغرافيا التبعية، أو الجغرافيا السياسية التابعة. وإلا لكان لهذه المنطقة اسم مستقل، مثلما نقول جنوب آسيا، وشرق آسيا، وأوروبا، وأستراليا. كان يمكن أن نسمي هذه المنطقة «الإقليم الأوسط». لكنها تسمى، كما قلت، مرة بالغرب الأوسط إذا جاءت من الصين، ومرة بالشرق الأوسط.
ويستدرك بقوله: أفتتحت الكلام بهذا لأن تاريخنا السياسي، منذ أكثر من قرن في هذه المنطقة، هو أصلاً تاريخ للتبعية. هذه المنطقة قُسمت جغرافياً بين البلدان بهذه الصورة، تقريباً، ما عدا استثناء تركيا، وباكستان طبعاً التي انفصلت في عام 1949. وقُسمت هذه المنطقة جغرافياً من جديد في نهاية الأربعينيات والخمسينيات. وهذه الجغرافيا الجديدة صُنعت أصلاً لتلائم الغرب، وليس لتلائم السكان في المنطقة.
ولذلك كان تاريخ المنطقة كله بين اتجاهين: اتجاه أدرك أن الصراع هو صراع تطويع للغرب واستغلال ووجه آخر من أشكال الاستعمار المختلفة، واتجاه آخر أدرك هذا ولكنه لا يستطيع المقاومة، فيكتفي بالممانعة.
انقسام المنطقة
ولذلك انقسمت المنطقة، بحسب أمين، منذ مدة إلى تيارين: تيار مسايرة يسميه الغرب «تيار الاعتدال»، وتيار ممانعة، ولا أقول مقاومة، ويسميه الغرب «تيار الرفض».
ويردف: هذا التيار نفسه تبلور عبر السنوات. مثلاً، العراق قبل عام 1958، وقبل الانقلاب الذي حدث على الملكية الهاشمية في العراق، كان هو محور ورأس ما يسمى «حلف بغداد». كان حلف بغداد حلفاً بين العراق وإيران وباكستان ومعهم بريطانيا، وكانت أمريكا جزءاً من الحلف من دون أن توقع الاتفاقية.
كان الغرض من هذا الحلف تمثيل اليمين. في العراق كانت الملكية الهاشمية، التي امتد نفوذها إلى الأردن، وكان أصلها في العراق طبعاً.
ويستطرد قائلاً: لكن بعد الانقلاب الذي حدث في العراق، والذي حدث بتحرك غالباً من الاتحاد السوفيتي ومن الحزب الشيوعي، انقلاب قاسم أمين، أُطيح بالمملكة الهاشمية في العراق. ولذلك خرجت العراق من حلف بغداد، وسُمي الحلف من بعد ذلك «الحلف المركزي». وظلت موجودة فيه إيران وباكستان وتركيا.
هذا التاريخ مهم.
طبعاً استمر هذا الحلف حتى قيام الثورة الإيرانية. عندما انسحبت الثورة الإيرانية من الحلف تفكك الحلف وأُلغي في سنة 1979.
كان هذا الحلف يمثل اليمين المعتدل. كان شاه إيران يعتبر شرطي الشرق الأوسط لضمان ولاء هذه المنطقة للغرب. وتركيا طبعاً كانت جزءاً لا يتجزأ من حلف الناتو، لا شك، وباكستان، إلى درجة كبيرة، كانت قبل أن يأتي ضياء الحق مسايرة في هذا الخط، وكانت أقرب إلى أمريكا دائماً في سياساتها العامة.
ويقول أمين: أقول هذا حتى ينظر الناس في تاريخ التحالفات في هذه المنطقة، الذي بدأ بحلف بغداد، والذي تفكك بانسحاب العراق في 1959، ثم انسحاب إيران في 1979.
من بعد ذلك ظل تيار الممانعة موجوداً في المنطقة، وظلت ممانعته أساساً ضد الوجود الإسرائيلي المتوسع في المنطقة. وهي ممانعة نتج عنها حرب 1967 ثم 1973، وهكذا.
هذا لا يعني أن التيار الآخر، الذي يمكن أن نسميه «تيار الاعتدال»، كان خارجاً من الممانعة تماماً؛ كان له درجة من الممانعة.
المملكة السعودية كان لها تحفظ على قيام إسرائيل، وكانت لها مخاوف عند نشأة إسرائيل، لكن مخاوفها الأكبر كانت من وجود الهاشميين في العراق وفي الأردن.
ومصر، طبعاً، في عهد الملكية، كان لها تخوف من إسرائيل أيضاً، لكن هذا التخوف تحول إلى ممانعة بعد الثورة في 1952.
ولذلك، لو نظرنا إلى المنطقة، لوجدنا فيها تياراً مقاوماً لسياسات الغرب في دعم إسرائيل على وجه الخصوص، وفي محاولة ربط اقتصاديات المنطقة تماماً بالاقتصاديات الغربية.
هذه الدول الأساسية التي سميت «دول الرفض» كان على رأسها في المنطقة العربية العراق، ثم سوريا، ومصر طبعاً، والسودان، وليبيا، والصومال، واليمن.
ولذلك، في عام 1996 على وجه الخصوص، عندما جاء نتنياهو، كان أكبر أهدافه هو إلغاء جبهة الرفض هذه، بتفكيك هذه الدول وتغيير نظم الحكم فيها وإضعافها وتفكيكها، وهكذا.
وبدأ الأمر بغزو العراق، كما تعلمون، ثم انتقل من بعد ذلك إلى ليبيا، وسوريا، واليمن، والصومال، والسودان. وجاءت المعركة الأخيرة في الدول الممانعة وكانت إيران.
هذا الذي يأتي بنا إلى هذه المرحلة الراهنة.
المرحلة الراهنة كانت محاولة لاحتواء إيران أولاً من خلال العراق، فيما كان يسمى في ذلك الوقت «الاحتواء المزدوج»، إذ احتوى العراق إيران واحتوت إيران العراق، ولكن هذه السياسة فشلت في احتواء إيران.
ثم من بعد ذلك جاءت الحرب المباشرة الأمريكية على العراق وإسقاط نظام الحكم هناك، وتفكيك العراق على الوجه الذي ترونه.
وانتقلت المعركة، ولا أريد أن أستفيض في هذا لأننا نريد أن نأتي إلى الجزء الأخير من هذه المعركة، إلى تفكيك جبهة الرفض. وكانت آخر هذه البلاد ذات الممانعة هي إيران.
خصومات إيران
ويذهب أمين إلى القول: إيران بالطبع كان لها خصومات تعدت بوجه ما الخصومة حتى مع الحكومات الرسمية إلى المزاج الشعبي في عدد من البلدان، بسبب طبيعة التحالف؛ مثلاً في سوريا طبيعة التحالف الإيراني مع العلويين، أو طبيعة التحالف الإيراني مع الزيدية، وهكذا.
هذا حرك مشاعر، وحتى في العراق كان له أثر. وحرك مشاعر طائفية. ولذلك حتى على المستوى الشعبي كان هناك نوع من المجانبة، رغم أن هذه الشعوب في وقت من الأوقات، أيام نشأة الثورة، كانت متحمسة جداً لإيران.
بالطبع إيران لها تفسيرها ولها أهدافها في أمنها القومي. فهي تعتقد أن إيران مستهدفة، وأنها لا تستطيع أن تدافع عن كيانها كدولة إلا إذا مدت خطوط الدفاع إلى الأمام؛ أي من العراق، وأن يكون لها نفوذ في سوريا وفي لبنان، وكذلك في اليمن من بعد ذلك عندما أتيحت لها الفرصة.
وكان هذا يعتبر تقدماً للدفاع عن الكيان القومي في إيران نفسه.
ويقر أمين أن التوسع الإيراني لم يخلُ من انحيازات طائفية بقوله: صحيح أن الأمر لم يخلُ من تحيزات طائفية هنا وهناك، ولا نريد أن نتوقف عندها لأنها ليست هي الدوافع للحرب على إيران. دوافع الحرب على إيران هي موقف الممانعة، الذي تشدد طبعاً بعد سقوط الشاه.
الشاه لم يكن ممانعاً. الشاه اعترف بإسرائيل سنة 1950، وتركيا اعترفت سنة 1949.
فتحولت إيران من دولة حليفة لإسرائيل إلى دولة عدوة شديدة العداء لإسرائيل. وهذا العداء الإسرائيلي لإيران والعداء الإيراني لإسرائيل هو الذي جعل التحالف بالنسبة لإيران مع سوريا ومع لبنان أمراً ضرورياً، لأنها تريد أن تنقل الجبهة، جبهة القتال، إلى الاقتراب جداً من العدو.
طبعاً تعلمون أن الحرب السورية… لا أريد أن أخوض في هذه التفاصيل. دعونا نذهب إلى المعركة الحالية.
المعركة الحالية بدأت قبل شهور بالجولة الأولى من المعركة، ثم من بعد ذلك، بعد عدد من الشهور، وقريباً قارب السنة، جاءت الجولة الثانية الأعنف من الحرب التي شاركت فيها إسرائيل طبعاً.
وتفاصيل هذه المعركة معلومة، ولا أريد أن أخوض فيها.
دعم باكستاني
وبحسب أمين، هذه الحرب طبعاً فاجأت إيران، وأمريكا وإسرائيل بقوة لم تكن متوقعة. وهذه المفاجأة لم تكن مفاجأة غريبة على كثير من المراقبين المدققين والمحللين، لأنهم يدركون أن إيران لم تكن وحدها في هذه المعركة؛ كانت إيران مدعومة بقوة من خلال دول عظمى هي الصين وروسيا.
وكان هنالك دعم بشكل أو بآخر من باكستان. وكان الدعم الصيني للتسليح يأتي من باكستان لإيران.
والسبب في هذا أنه قبل هذه المعركة كان هنالك استهداف من حلف تشكل من إسرائيل والهند، وعلى مسافة منهما قليلاً أمريكا، في محاولة لضرب باكستان طبعاً.
أيضاً كان التدخل الصيني سريعاً وفعالاً، واستطاعت باكستان أن تلجم العدوان الهندي في أوقات قليلة.
في تلك المعركة وقفت إيران مع باكستان، وكذلك سارعت تركيا لدعم باكستان، بالإضافة إلى الدعم الصيني والدعم الروسي، رغم أن باكستان تاريخياً كانت دائماً تميل أمريكياً ولا تميل إلى الجبهة الشرقية.
ويضيف: هذه خلفيات المشاعر الجديدة التي نشأت. تاريخياً كان هنالك نوع من المجانبة بين تركيا وبين إيران بسبب أمور تتعلق بالمصالح السياسية. هناك خلاف في منطقة أذربيجان، وفي الممرات التي تصل إيران بأوروبا من جهة أو تصل تركيا بآسيا الوسطى من جهة، وهناك خلافات وحساسيات في تلك المنطقة.
وكذلك كان الخلاف الرئيسي والحساسية الرئيسية في سوريا.
وطبقاً لأمين، فإن العدوان الأخير على إيران، وشعور تركيا وشعور باكستان بالاستهداف من حلف كان خفياً والآن أصبح ظاهراً، عناوينه الرئيسية الثلاثة، وله أذناب، هي: إسرائيل وأمريكا والهند، ثم من بعد ذلك تأتي دول حليفة وتابعة لهذه الدول المعلومة.
هذا بالطبع يؤدي إلى رد الفعل.
منطقة الخليج أيضاً، بسبب المعركة مع إيران، شعرت بأنها كانت تعول كثيراً جداً على الدعم الأمريكي، وشعرت بخطورة اندلاع الحرب ولكن لم يُؤبه لها، واستُخدمت أراضيها بغير إذنها في غالب الأحوال، أو بتحايل، للهجوم على إيران.
وطبعاً تعلمون كل القصة: كيف ردت إيران، وكيف حاولت أمريكا وإسرائيل إقحام دول الخليج في المعركة، ولكنها تحفظت.
أدركت أن أولوية أمريكا في المنطقة هي إسرائيل، وأن المقصود هو بناء حلف لإسرائيل لتدمير إيران، ثم من بعد ذلك جعل إسرائيل هي القاطرة التي تقود المنطقة كلها لصالح أوروبا وأمريكا والحلف الأطلسي الأكبر بصورة عامة.
هذه هي الظروف التي نشأ فيها شعور بضرورة إيجاد بدائل للدفاع عن النفس، خاصة أن إسرائيل أصبحت أكثر صراحة في التعبير عن حاجتها للتوسع، ليس بالقول فقط، بل حتى بالعمل.
فذهبت واحتلت أجزاء من الجولان، ثم احتلت أجزاء من سوريا وأجزاء من لبنان، وتتحدث صراحة عن إسرائيل الكبرى.
كل هذه الأمور نقلت الشعور، بالتحديد في منطقة الخليج إلى المنطقة العربية جميعاً. أصبح المهدد الرئيسي ليس هو إيران، وإنما المهدد الرئيسي هو إسرائيل. وحتى عبرت هذه البلدان بصراحة عن هذا المعنى.
إسرائيل تتحدث بصراحة، وهم أيضاً يتحدثون بصراحة، بأن إسرائيل أصبحت هي المهدد لهم، ولذلك كان لا بد لهم أن يبحثوا عن شراكات دفاعية.
والشريك الدفاعي التقليدي والتاريخي للسعودية كان باكستان. وكانت باكستان لها دائماً تفاهمات عسكرية مع السعودية.
تحالف مكة
ولكن هذه التفاهمات ضعفت عندما أحجمت باكستان عن التدخل مع السعودية في حرب اليمن، لأن البرلمان الباكستاني لم يسمح بهذا.
الظروف الجديدة والمهددات الجديدة لهذه البلدان، واستهدافها حتى بتصريحات عالمية ضد تركيا ودول المنطقة، جعلت الشراكة الدفاعية أمراً حتمياً.
لذلك نشأ هذا الحلف، وهذا الحلف ليس كحلف الناتو حتى لا يظن الناس أنه مثل حلف الناتو، وأن أي هجوم مباشر على أي دولة ستجتمع بقية الدول لتهاجم معها. ليس هو كذلك. هذه شراكة استراتيجية دفاعية، ولذلك هي خاضعة لسيادة الدول.
لذلك عندما يحدث حدث، كل دولة ستنظر في إمكانية وكيفية تدخلها لصالح الدولة الأخرى.
فالذي يطلع على حيثيات وتفاصيل الاتفاقية سيدرك أنه ليس تلقائياً، إذا استهدفت مثلاً السعودية بضربات، لا تعتبر هجوماً على بقية الدول الأعضاء يقود تلقائياً إلى تفعيل الحلف وتدخل الجيوش التركية والباكستانية في هذه الحرب. هذا تصور خاطئ ولا يتفق حتى مع بنود الاتفاق.
لكنه بالطبع يشكل حماية من التهديد لحدود البلد وترابه في أوضاع معينة موصوفة، وله معنى كبير ومتطور.
الحلف الأطلسي نفسه عندما ما بدأ عام 1954 لم يبدأ بصورة، ولم تتطور مؤسساته بصورة مكتملة.
لذلك التعويل الشديد على أن هذا الحلف سيشكل قوة ممانعة في غير موضعه، فيجب ألا نتوقع أن تتحول السعودية لدولة ممانعة للسياسات الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة، ولا تركيا كذلك، ولا باكستان، والتي لها تاريخ تحالف طويل مع أمريكا.
ولذلك، عندما بدأت الاتصالات تدب من جديد بين السعودية وباكستان، كانت تركيا حاضرة رئيسية ودعامة ثالثة لهذا المثلث الدفاعي والتحالف الجديد.
فتركيا تتمتع بتكنولوجيا عسكرية متطورة وصناعات دفاعية متقدمة، بينما تمتلك باكستان القدرة والردع النووي والخبرة العسكرية الكثيفة، وتوفر السعودية الغطاء المالي والسياسي والموقع الثاقب في الإقليم.
اليمن والسودان
وهنا يأتي الحديث عن اليمن والسودان، وهما نقطتان حرجتان في هذه المعادلة. فالبحر الأحمر والباب المندب يمثلان خط الدفاع المباشر لأمن الخليج وللأمن القومي العربي بأسره.
ويمضي أمين قائلاً: التطورات المتسارعة في اليمن ومحاولات السيطرة على الممرات المائية كانت إنذاراً مبكراً لجميع هذه الأطراف بأن اختراق المنطقة لا يتم فقط عبر الحروب المباشرة، بل عبر الأطراف والخاصرات الضعيفة.
ومن هنا ينعكس هذا التحالف الثلاثي، التركي السعودي الباكستاني، بشكل مباشر على السودان.
فالسودان، بساحله الممتد على البحر الأحمر وبقربه الجغرافي من عمق الجزيرة العربية وأفريقيا، أصبح منطقة تنافس واستقطاب دولي وإقليمي حاد.
وأي اختلال في أمن السودان يعني بالضرورة تهديداً مباشراً لأمن السعودية والخليج، وتسهيلاً لمحاولات إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤى الغربية والإسرائيلية.
والسودان، بسبب موقعه وسواحله على البحر الأحمر، لم يعد مجرد طرف هامشي، بل أصبح جزءاً أساسياً في هذا الصراع الإقليمي.
والصراع الذي يجري في السودان اليوم هو امتداد مباشر لمحاولات إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة؛ فالسيطرة على السودان أو إضعافه وتفكيكه تعني فتح ثغرة استراتيجية كبرى على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، وهو ما يهدد أمن السعودية والخليج، ويفتح الباب لنفوذ معادٍ يطوق المنطقة من الجنوب.
ومن هنا، فإن ظهور هذا التحالف الثلاثي، التركي السعودي الباكستاني، يعكس إدراكاً متزايداً بأن حماية هذه المنطقة، بما فيها السودان واليمن، تتطلب بناء قدرة ردع ذاتية مستقلة، لا تعتمد كلياً على الضمانات الغربية التي أثبتت التجربة أنها تتغير بتغير المصالح.
فالصراع في أصله صراع على إعادة تشكيل النظام الإقليمي وتحديد من يملك مفاتيح الممرات البحرية والتأثير السياسي في هذا الإقليم الممتد.
والتحالف الثلاثي المحتمل بين تركيا والسعودية وباكستان، إن قُدّر له أن يتبلور بشكل أكثر مؤسسية، فإنه يعبر عن دافع الاستجابة لتهديدات مشتركة. فالمخاطر لم تعد تقتصر على دولة بعينها، بل أصبحت تستهدف البنية الاستراتيجية للمنطقة ككل.
ولذلك يظل المستقبل مرهوناً بقدرة هذه الدول على تجاوز الخلافات البينية، وإدراك حجم المخاطر الخارجية، وبناء شبكة أمان استراتيجية تضم كافة القوى المحورية في الإقليم لمواجهة هذه التحولات المتسارعة.
ختاماً، تحولات المنطقة الراهنة تؤكد أن المحاولات الجارية لتفكيك دول الممانعة والإقليم لن تتوقف إلا بوجود تكتل إقليمي قوي يستند إلى قدرات عسكرية واقتصادية حقيقية، ويستوعب الأهمية الاستراتيجية الحاكمة لكل من السودان واليمن في حفظ توازن الأمن القومي للجميع. @~adel ahim





