أفق جديد.. مئة معركة ضد الغياب

قبل أن يموت بعيداً عن وطنه الذي يعيش أسوأ أيامه، ظل الصحفيون السودانيون يحتفظون في أرشيف نقاشاتهم بعبارة عميد مهنتهم، محجوب محمد صالح (أبريل 1928- فبراير 2024)، صاحب «الأيام»، الذي عركته الأيام والتجارب، حين قال صالح إن «الصحافة السودانية تعيش أسوأ أيامها». كان ذلك التصريح سابقاً لأسوأ أيام السودان وحربه العبثية، حيث يحسم البعض مسار «الطلقة» الأولى بأنها انغرست في قلب الحقيقة.
في الخامس عشر من أبريل، صدرت آخر نسخ الصحف الورقية المطبوعة في البلاد، وبعدها توقفت المطابع، وتوقفت معها رواتب من كانوا يعتاشون تحت عنوان كونهم صحفيين. وبالطبع، تحولت المقولة من «الصحافة السودانية تعيش أسوأ أيامها» إلى مقولة أخرى أكثر مرارة: «يا حليل الصحافة وأيامها».
«أن تبقى على قيد الحياة في ظروف السودان الراهنة هو إنجاز يستحق الاحتفاء»، يقول طه عبد العزيز، الذي كان يعمل في مهنة توزيع الصحف قبل الحرب. وتختصر مقولة عبد العزيز معاناة هذه الفئة التي لا تنفصل عن المعاناة التي يعيشها معظم السودانيين. ويكمل إفادته: «مع كل المعاناة وفقدان مصدر الرزق، ما نزال نعافر». وهي المقولة التي يمكن البناء عليها في متابعة مشهد مجلة «أفق جديد».
أن يصل الإصدار إلى مئة عدد في هذه الظروف، هو إنجاز يشابه إنجاز أن تبقى على قيد الحياة. وما يرفع من قيمة الحياة هنا أن مجلة (أفق جديد) ظلت تقاتل من أجل أن تبقى الكلمة، ومن أجل أن يصل صوت الناس والحياة، رغم دوي المدافع. وفي مهنة تقاتل للبقاء وسط الموت، تظل الاستمرارية إنجازاً؛ استمرارية ظنها البعض مستحيلة، لكن نجح فيها فريق «أفق جديد» بقدرته على توظيف الممكن.
مئة عدد في مئة أسبوع، وألف صوت لمن لا أصوات لهم، وسودان ظل واحداً رغم “قطائع الإملاق” بين بورتسودان ونيالا وكردفان والجزيرة والنيلين، الأزرق والأبيض، ومناطق يقتل أهلها العطش. كان صوت الناس هو القضية، وكانت الكلمة هي المعركة.
يقول عبد المنعم أبو إدريس، نقيب الصحفيين السودانيين، إن تجربة «أفق جديد» تجربة جديرة بالاحتفاء على خلفية الظروف العامة التي تعيشها الصحافة السودانية، كما أن عملية استمراريتها نفسها جديرة بالتأمل. فتاريخ المجلات في السودان، منذ خمسينيات القرن الماضي، ظلت الأزمة التي تواجهها هي أزمة الاستمرارية، وهو ما تفوقت فيه «أفق جديد» الآن. وهو تفوق لا يمكن فصله عن المادة المقدمة، وبالطبع طريقة تحريرها وتصميمها المميز؛ وهي عوامل تؤكد أن خلف هذا العمل فريق عمل يؤمن بالصحافة وبدورها الطليعي.
يتعاظم دور الصحافة مع التحديات التي تواجه المجتمعات والبلدان، وربما المفارقة هنا هي ما يجعل عمر الصحافة في السودان أكبر من عمر الدولة المستقلة، التي ولدت قبل سبعين عاماً، بينما يمتد عمر الصحافة السودانية لأكثر من قرن من الزمان.
بين مجلة «الفجر»، أول مطبوعة عرفها السودانيون في حقبة الاستعمار، وظلام الحرب والموت والتدمير الممنهج وتنامي خطاب الكراهية بعد حرب أبريل، وميلاد «أفق جديد»، تبرز التحولات، وبالطبع يقفز الشعار: المعرفة في مواجهة الحرب، والحقيقة في مواجهة الضجيج.
لقد ولدت «أفق جديد» في زمن لم تكن فيه الحرب واحدة، فكانت هناك أخرى تدور حول الحقيقة: من يملكها؟ من يصوغ الرواية؟ من يحدد للناس ما حدث، ولماذا حدث، ومن المسؤول عنه؟
ولم يكن التحدي نقل الأخبار في اللحظة ذاتها عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي؛ كان التحدي الأكبر هو أن تحاول الانتقال بالقارئ من الخبر إلى المعرفة، ومن الواقعة إلى تفسيرها، ومن الرعاية إلى السؤال، ومن الاصطفاف إلى التفكير. وبالطبع، ثمة تحدٍ آخر كان على العاملين عليها خوضه، في مواجهة حملات التجريم والاتهامات، وبالطبع التهديدات، فقط لأنها كانت ضد اختزال السودان في طرفين.
مئة عدد من «أفق جديد»، وواقع اليوم يجعل الكثيرين ينظرون إلى الصحافة بأنها «الطرف» المائل في المعادلة، والظروف المحيطة تضع أمامها المتاريس للقيام بدورها في تعديل الميل، بدلاً من أن تكون هي جزءاً منه.
مئة عدد وآلاف الموضوعات التي تم نقاشها، دون أن يخفي ذلك عورات ما يجري في حقل المهنة، وفقاً لرؤى الكثيرين ممن يتابعون المشهد، ويوصفون مهنة عمرها أكثر من قرن بعبارة «صحافة بنكك» التهكمية، والتي تمثل اختصاراً للكلمة في مقابل المال، بدلاً من أن تكون الصحافة التي تحرس ذاكرة الأمة وتعيد كتابة الرواية بلسان ملايين المواطنين الذين فقدوا بيوتهم؛ المزارعين والعمال والنساء والطلاب والأطفال واللاجئين والنازحين، وأجيال كاملة أصبحت حياتها معلقة على سؤال الحرب والسلام. وهو السؤال الذي حاولت «أفق جديد»، في أعدادها المائة، الإجابة عليه.
في السؤال عن الصحافة السودانية في زمن الحرب، هناك من يشير إلى سيادة لغة المال والأجندة غير المهنية، وبالطبع هناك من يجيب بيوم «الاثنين»، التوقيت الأسبوعي لوصول النسخة الجديدة من «أفق جديد». لكن بين الإجابتين يظل سؤال: متى تعود الصحافة السودانية؟ معلقاً لدى طه، وهو يستدعي هتافه القديم في أسواق حطمتها الحرب: «جرائد اليوم.. سياسية، رياضية، اجتماعية».
ستعود تلك الأيام، يقول القائمون على أمر «أفق جديد». وإلى ذلك الحين، سنخوض معركتنا ضد الغياب





