منهجنا لمواجهة الأزمة السودانية ..الديمقراطية والثقافة التعددية

فاطمة القدال

مقدمة

الأزمة التي أمسكت بخناق المجتمع السوداني ووضعت الوطن بهذه الحرب الجنونية على حافة الهاوية، بفعل سياسات اجتماعية وثقافية تجذرت في العقل المجتمعي بعادات وتقاليد وأعراف ومفاهيم تاريخية سابقة. أصبحت هناك مؤسسات تحمي مصالحها السياسية والاقتصادية بحماية النظم المستبدة، وفتحت الباب أمام القوى المعادية لحركة التطور الديمقراطي التعددي بالصراعات والخلافات التي أعاقت دور قوى التجديد في كل المراحل الانتقالية منذ الاستقلال، ومهدت الطريق بنظمها الدكتاتورية، والحروب وممارساتها لأقصى أنواع العنف المتمثل في هذه الحرب الدائرة الآن دماراً وقتلاً ونهباً تزداد مساحته يوماً بعد يوم.

إنهاء هذه الحرب لن يتم بدون الحل السلمي المتفق عليه بين جميع المكونات الفاعلة في الساحة السياسية والاجتماعية لإطفاء نار الخلافات والنزاعات بالمنهج الديمقراطي لمواجهة الأزمة. إن هذه الأزمة أنتجتها وراكمتها ثقافات وبنيات لم تعد تلائم الواقع الاجتماعي المتحرك بما يناسبه من أدوار تتصدى لإدارة حركة المجتمع بأدوات المعرفة العلمية والثقافية لرفع الوعي بقضايا التحرر من قيود التقاليد والعادات والمفاهيم التي لا تزال تعشعش في العقل الاجتماعي، وذلك بتأهيل القوى الفاعلة في الحراك الاجتماعي لاستنهاض الجماهير العريضة، ليس بالخطاب وحسب – رغم أهميته – بل بالعمل الثقافي والإبداعي كالأغاني والموسيقى والشعر التي يعشقها الشعب السوداني بجميع فئاته وبالكلمات والألحان التي تستنهض الهمم وتحيي في النفوس الأمل بالعمل لتجديد الظروف التي لم تعد ملائمة لحركة الواقع والعصر، وذلك بالتعرف على طبيعة المجتمع السوداني الإنتاجية والمكونات الاجتماعية كقوى مؤثرة في عملية التغيير بالأدوات اللازمة التي يُستعان بها في وضع مشروع مستقبلي يقوم على دراسة الواقع المعاش اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

لتقييم التجارب واستلهام الدروس والعبر، وطرح القضايا للحلول، والإجابة على هذه الأسئلة: لماذا وصلنا لهذا الواقع بعد ثورة أذهلت العالم؟ وكيف سنعزز وحدتنا دون حروب وإحن؟ لا بد من التعرف على الواقع المعاش واحتياجاته البنيوية والثقافية وأدوات العمل الملائمة للزمان والمكان.

إدارة مرحلة ما بعد الاستقلال

إدارة الانتقال من مرحلة حكم استعماري إلى مرحلة بناء حكم وطني ووضع الأسس لهذه المرحلة الهامة في تاريخ السودان تم بالاكتفاء بالإجراءات الخاصة بخروج المستعمر وانتخاب حكومة وطنية وملء الفراغ في الخدمة المدنية بموظفين حسب التسلسل الوظيفي. إضافة لذلك، إن القرارات التي اُتخذت ومن ضمنها فرض اللغة العربية لغة رسمية لكل السودانيين دون توافق حول مشروع وطني لحل مشكلة السودان المتعدد المكونات واللغات، أدى ذلك لتمرد الفرقة الاستوائية في قوة دفاع السودان وقُتل من الشماليين 261 و75 من الجنوبيين.

إن استمرار دور نفي وإقصاء الآخرين وعدم الوفاء بالوعود كان مصدراً للحروب والنزاعات في المراحل المختلفة للنظم الحاكمة. في مرحلة انقلاب 17 نوفمبر 1958م أصدر نظام عبود قرارات لأسلمة نظام التعليم في الجنوب بفتح مدارس لتعليم القرآن ومعاهد إسلامية متوسطة واستبدال عطلة يوم الأحد بيوم الجمعة.

المرحلة الانتقالية لثورة أكتوبر 1964 اهتمت بقضية الجنوب لأهميتها في بناء قاعدة انتقالية صلبة يقوم عليها بناء السودان المستقر بوحدته وسلامه وبالحوار مع جميع الأطراف حول المائدة المستديرة لوضع الحلول التي تصون وحدة السودان.

نظام نميري 25 مايو 1969م فشلت سياساته لحل قضية الجنوب، والتوافق مع القوى السياسية حول قضايا السودان الموحد. وبقوانين سبتمبر 1983م حكم بإعدام المفكر الإسلامي محمود محمد طه، والسماح لقادة ينتمون لنظام الجبهة الإسلامية بتقديم محاضرات لأسلمة الجيش. ولتكتمل أسلمة المجتمع ابتداءً منذ استلام السلطة، بسن قانون الأحوال الشخصية وقانون والنظام العام، ووضع المناهج الدراسية بالتركيز على مرحلة الأساس بربط المواد الدراسية بالمشروع الحضاري لنظام الجبهة الإسلامية المعادي لحركة التغيير الديمقراطي، وبمفاهيم تمييز نوعي وعقائدي، بين التلميذ والتلميذة، والمرأة والرجل في الأدوار والمكانة والحقوق، بالكلمات والصور لترسيخ المفاهيم المعادية للفكر الديمقراطي في وعي الطفل بتنشئة جيل المستقبل رصيداً معادياً للديمقراطية والاستنارة وحقوق المواطنة للجميع.

وعليه فإن مواجهة هذه الخطة الإجرامية تكون بترسيخ الديمقراطية في النسيج الاجتماعي كقيم ومفاهيم وممارسات في كل المؤسسات البنيوية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية، والعائلة والمدرسة والمراحل التعليمية الأخرى، ووضع أساس الوحدة الوطنية الديمقراطية، فلا زالت مشاكل الهوية التي أدت لانفصال الجنوب تشتعل لأنها لم تحل كقضية مصيرية وبمشروع وطني ديمقراطي تعددي.

مرحلة الخمسينات من القرن العشرين تميزت بحركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الذي ضعف نفوذه الاقتصادي والسياسي في بلدان العالم الثالث وانفتح الطريق أمام الشعوب لاستكمال طريق تحررها، ومما أزعج القوى المعادية لحركة التحرر أن القضايا كخطاب انتقلت إلى عمل على المستوى العالمي، كمؤتمر باندونج مثلا، وعلى المستوى المحلي في السودان نشطت الأحزاب والنقابات والاتحادات، واحتدم الصراع بين المكونات المختلفة، وشرعت القوى المعادية لحركة التحرر والديمقراطية كمؤسسات وقيادات في قطع الطريق أمام حركة التغيير الديمقراطي، بكل جهدها لإفشال دور المراحل الانتقالية التي قادتها جماهير ثورة أكتوبر عام 1964م وانتفاضة أبريل 1985م وثورة ديسمبر 2018 التي وصلت إلى أعتاب بناء الدولة المدنية، وقفت القوى المعادية لحقوق الإنسان في طريقها بالعنف والمؤامرات للحفاظ على مؤسسة التخلف والتبعية وامتلاك الثروة والسلطة.

قبل استقلال السودان من الحكم الاستعماري في منتصف الخمسينات من القرن العشرين وفي الفترة من 1953-1955 كمرحلة انتقالية، كان يجب وضع الأسس التي سيقوم عليها بناء الدولة السودانية في ظروف نهضة وطنية وعالمية للتحرر من الاستعمار الذي أضعفت الحرب العالمية الثانية قوته السلطوية والاقتصادية وتهيأت الظروف لصالح القوى المناهضة للحروب والمدافعة عن السلم العالمي. القوى الوطنية السودانية حكومات وقيادات اجتماعية وثقافية أدارت هذه المرحلة الانتقالية في تاريخ السودان دون وضع اعتبار لأهميتها في تأسيس واقع انتقالي له تبعاته البنيوية والثقافية وشروطه كمجتمع متعدد ومتنوع المكونات العرقية والدينية والإثنية واللغوية، ويحتاج هذا الواقع المعقد لأدوات الديمقراطية والوحدة الوطنية المرتكزة على دور الجماهير كقوة أساسية لنهضة المجتمع وازدهاره بوحدة تعدده وتنوعه.

ثورة ديسمبر

ثورة ديسمبر 2018 وضعت المجتمع السوداني في عتبة المرحلة الانتقالية لبناء الدولة المدنية بثورة سلمية شعاراتها (حرية سلام وعدالة)، وقدمت الشهداء والشهيدات قرباناً لوطن يسع الجميع بكل مكوناته العرقية والنوعية والإثنية، فلماذا سُد طريق الانتقال الديمقراطي لبناء سودان الغد المنتظر؟ وما هي المعوقات التي وقفت في طريق التطور الديمقراطي في السودان؟ وما العمل لمواجهة هذه الأزمة التي أطلت برأسها منذ الاستقلال 1956م، حيث تم إعلان اللغة العربية لغة رسمية لكل المكونات المتعددة اللغات دون اعتبار للظروف الموضوعية التي استجدت، بانتقال السودان من وطن مستعمر لبناء دولة مستقلة تتخذ قرارها بوحدة شعبها المتعدد الهوية؟

وهل هناك سبيل غير الديمقراطية أداة فلماذا وُضعت العراقيل أمامها لتعيق حركة المراحل الانتقالية السابقة التي تمت بنضال الشعب السوداني وأشواقه للانعتاق من الاستعمار والحكم العسكري الدكتاتوري وقوى التخلف والتبعية؟ هذا الواقع المعقد إصلاحه أو تجديده يتم بالتعرف على الظروف الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية والاحتياجات المادية والفنية والمعرفية والمكونات المجتمعية وواقعها وتأثيرها في الحركة الاجتماعية، لوضع المناهج والخطط التي سيبنى عليها، ودور القوى الاجتماعية لتمتين الوحدة الوطنية بالسلام المستدام وترسيخ الديمقراطية في النسيج الاجتماعي.

هذا الدور النظري إذا لم يصحبه دور عملي لتجديد الثقافة القديمة التي أصبحت عائقاً لحركة التطور الديمقراطي، بالقيم والمفاهيم التي تخاطب العقل والوجدان وتستنهض الجماهير لممارسة دورها في حركة التحول الديمقراطي. ورغم صعوبة تغيير الثقافة لعمق جذورها في وعي المجتمع وطبيعة العمل الشاق والمعقد والبطيء المردود، فإنها الأكثر تأثيراً في بناء قاعدة المجتمع الديمقراطي وحركته النهضوية، لو أديرت بالنفس الطويل وبالمهارات الفنية والعلمية المبتكرة.

التعدد والتنوع

السودان مجتمع متعدد ومتنوع المكونات العرقية والنوعية والإثنية، هذا الواقع لم تُحسِن القوى الفاعلة في الساحة السياسية إدارته منذ الاستقلال ليصبح مصدراً للازدهار والنمو والتعايش السلمي، فأصبح ساحةً للنزاعات والحروب التي اتسع دورها بهذه الحرب الجنونية التي تم إطلاقها من عقالها لتدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية والاستهانة بحياة الإنسان وحقوقه، بسياسات وقوانين من مخلفات نظم اجتماعية وسياسية عفا عنها الزمن واستغلتها المؤسسات المعادية لحركة التغيير الديمقراطي لتحرق الوطن بمفهوم (يا ننتصر يا نموت كلنا) كما فعل نيرون بروما.

القاعدة الإنتاجية والثقافية

القاعدة الإنتاجية والثقافية ضعيفة وأغلبية القوى العاملة تعمل في قطاع الزراعة والرعي. في تسعينيات القرن العشرين وبعد استيلاء الجبهة القومية الإسلامية على السلطة وتدمير الزراعة والصناعة دفعت بالقوى العاملة للهجرة بحثاً عن العمل في المدن، لممارسة العمل الهامشي أو الانضمام لجيش العطالة. نسبة الأمية عالية خصوصاً وسط النساء، والفقر وصل حد الإملاق. الحرب التي قضت على الأخضر واليابس ويزداد اشتعالها لتحرق ما تبقى من الوطن، بمن فيه الذين أشعلوها، إذا لم تقف نهائياً لينفتح الطريق أمام السلام والتنمية الاجتماعية وحقوق الإنسان لبناء الوطن الذي يسع الجميع بحقوق المواطنة والتعايش السلمي.

القبلية

اهتزاز جدران القبيلة بسياسة السوق القومي والتبادل السلعي النقدي حرك ساكن علاقتها الإنتاجية المكتفية بذاتها بعيداً عن العالم الخارجي، وأدى لهجرة الأفراد للمدن للعمل بالزراعة والفرص المتاحة في ظل السلطة المركزية. وتفاعلت القبيلة مع حركة المجتمع حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية ووضعها وتأثيرها وتأثرها بحركة التطور الاجتماعي ومصالح الزعماء والحكام، فلم تعد النزاعات لامتلاك الموارد ومنابع المياه، بل قادها طموحها للدفاع عن النظم الداعمة لها بشن الحروب لامتلاك السلطة والثروة.

إن الصراعات والنزاعات والحروب لنفي الآخر من المجتمع أو من الوجود ليس حلاً للإشكالية، ولا بفرض القوانين والثقافات التي تزيدها تعقيداً وعنفاً. لا سبيل للتعايش السلمي واستدامة السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية سوى الديمقراطية التعددية وثقافة الوعي لتطوير القاعدة الإنتاجية وتحرير عقلية المجتمع من جمود العادات والتقاليد والمفاهيم والقوانين التي وقفت في طريق حركة التغيير الديمقراطي.

العائلة النووية

العائلة مؤسسة اجتماعية أفرزتها ظروف اقتصادية واجتماعية لتنظيم دور الأفراد والقوانين التي تنظم علاقاتهم الإنتاجية. العائلة النووية التي انتقلت حديثا من العائلة الممتدة لم تنضج ظروف انتقالها بعد، فالقاعدة الإنتاجية الاقتصادية والثقافية لا تزال ضعيفة، وزاد الطين بلة السياسات والقوانين التي فرضها نظام الجبهة الإسلامية التي استولت على السلطة عام 1989 بانقلاب عسكري، فتراجع دور مؤسسات الدولة كالتعليم والعلاج الذى كان مجانا في عهد الاستعمار وكذلك بعد نيل الاستقلال، فوقع العبء على كاهل العائلة وخاصة النساء لعدم وجود دور حضانة ورياض أطفال مؤهلة لذوي الدخل المحدود، إضافة لرعاية كبار السن والمرضى وإدارة العمل المنزلي.

واقع العصر والعبء الذي تتحمله المرأة العاملة يفرض تقسيماً جديداً للعمل، فقد أصبح للمرأة دوراً هاماً في عملية الإنتاج لتنمية المجتمع. فكان من الضروري وضع قانوناً ديمقراطياً للأحوال الشخصية بدلاً من القانون الموجود منذ مرحلة الاستعمار وعُدل بعد انقلاب الجبهة الإسلامية بمواد أشد انتهاكاً لحقوق المرأة والطفل والاستقرار العائلي والعدالة الاجتماعية، وعلى حركة التغيير الديمقراطي ترسيخ قيم الديمقراطية بدور العائلة النووية كمؤسسة حديثة لحماية مصالح أفرادها ومسار التطور الديمقراطي.

المرأة

المرأة لها نفس الحقوق كاملة كونها شريحة مهمة في تنمية المجتمع وتطوره تنموياً وثقافياً حسب دورها الكمي كمواطنة، وبتأهيلها ونيلها كامل حقوقها في العمل المتساوي ستغدو مساهمتها في الشأن الوطني على المستوى الكيفي دعماً لتطور المجتمع وتحررها النوعي. هذه القضية المحورية في عملية بناء السودان الديمقراطي ظلت غائبة في الخطة التنموية كدور مؤثر في عملية الإنتاج والشأن العام، ولذا ظل وضع المرأة في المجتمع الأدنى، ولا زالت الأغلبية تعاني من التمييز والتهميش في مجالات التعليم والعمل والتأهيل لرفع القدرات.

في ظروف الحرب المشتعلة حالياً والعيش في جحيمها وعدم وجود دولة، أصبحت الأولوية إنهاء الحرب لحماية حقوق الإنسان والعمل لاستدامة السلام والأمن والاستقرار، وهذا لا يعني عدم الاهتمام بمسألة المرأة، ففي هذه الظروف تعرضت لكل أنواع المعاناة القاسية والغير إنسانية التي استهدفتها كنوع، ومن الضروري أن تجد من المجتمع الدعم الكافي لتجتاز بصمودها هذه الأهوال ويجتاز الوطن محنته.

الديمقراطية

الديمقراطية أداة لتنظيم المجتمع ووضع الأساس الذي سيقوم عليه البناء بضمان حرية التنظيم والتعبير وإدارة الصراع الاجتماعي بالقوانين واللوائح التي تصون العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. غياب هذا الدور له تبعات أعاقت بناء السودان الموحد، وفتحت للخلافات والنزاعات باباً لتمزيق وحدته بدلاً من إدارة التنوع والتعدد بالحوار واحترام الرأي الآخر ليصبح مصدراً للازدهار والثراء، بل أصبح دافعاً لتأجيج الحروب المدمرة التي اشتعلت نارها بفرض اللغة العربية لغة رسمية لكل السودانيين دون اعتبار للمكونات الأخرى، منذ الموجهات التي صدرت إبان انقلاب عبود 1958 لتعريب وأسلمة التعليم، وازداد اشتعالها بالصراعات والنزاعات التي أججها نظام الجبهة الإسلامية بسياسته وقوانينه التي أعاقت طريق الوحدة التعددية والعمل المشترك لبناء دولة المواطنة التي تسع الجميع للعيش بحرية وسلام وعدالة.

الثقافة

إن الثقافة من أهم أدوات المعرفة والوعي ورغم أهميتها لحركة التغيير الاجتماعي لم تجد الاهتمام الذي تستحقه كأداة أساسية منذ الاستقلال، بمعنى عمل ثقافي توعوي مصاحب للعمل التنموي، رافعاً وداعماً للحركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في طريق تحررها الديمقراطي النهضوي الذي قطعت طريق تطوره الانقلابات العسكرية، وخاصة انقلاب الجبهة الإسلامية الذي فرض نظاماً سياسياً باسم الدين على مجتمع متعدد المعتقدات الدينية بمنهجٍ إقصائيٍ لاستلاب العقل ذهنيا ونفسيا، وذلك ابتداء من مرحلة الأساس في النظام الدراسي الذي سخر المواد الدراسية لخدمة توجه النظام السياسي المعادي لثقافة الديمقراطية الداعمة لدور القاعدة المادية لبناء المجتمع بأدوات المنهج العلمي معرفياً وتوعوياً، وذلك بتوفير منابر للحوار والندوات وورش العمل التي يمتد دورها بتنفيذ مخرجاتها لاستنهاض المجتمع قيادياً وقاعدياً.

وأيضاً العمل المبتكر والخلاق، كالموسيقى والشعر والغناء والمسرح والفنون التشكيلية، وبالعمل الصحفي والإعلامي وبكل أنواع الإبداع التي تستنهض الهمم بأدوات الديمقراطية والثقافة التعددية بما في ذلك القراءة كمشروع للمعرفة العلمية، لبناء نهضة ثقافية توعوية تجدد ثقافات أنتجتها عصور تاريخية سابقة وأصبحت مفاهيم وقيم وتقاليد معوقة لحركة التطور الديمقراطي.

إن اقتلاع هذه المفاهيم بالعنف لن يحل أزمة بهذا العمق، خاصة في مرحلة انتقالية تؤسس لبناء الدولة بمشروع يوحد كل القوى الفاعلة بالعمل الديمقراطي المتواصل بنفس طويل والمتنوع بثقافات الشعب المتعدد، ومفاهيم وأدوات الثقافة الديمقراطية وبالخلق والإبداع الذي يخاطب العقول والوجدان ويسقي شجرة الحرية ليزدهر الواقع سلاماً وعدلاً واستنارة وعافية وخيراً يعم على الجميع.

خاتمة

هذه الحرب لن تخمد نارها دون جبهة عريضة تشمل القوى الرافضة للحرب لإدارة الصراع لصالح إنهاء الحرب بالحوار والتفاوض الذى يقود لحلول تؤدي لمعافاة الوطن، وكي لا تعود الأزمة التي أنتجت هذه الحرب إلى الواقع الذي فجرها، من الضروري أن يصطحب العمل لإنهاء الحرب دوراً ثقافياً توعوياً فكرياً وعملياً تقوم به القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني لسد الطرق أمام نظم التخلف والاستبداد التي ظلت تعيق كل عمل نهضوي غاب عنه دور العمل الديمقراطي التوعوي الذي يهيئ الجماهير ذهنياً ونفسياً وعملياً لخوض معاركها بثقافة الديمقراطية والاستنارة السياسية.

العمل لما بعد إنهاء الحرب من المهم أن يبدأ منذ الآن لجعل الطريق معبداً للمضي قدماً في طريق التحول الديمقراطي، وحتى لا يحدث فراغ تملأه القوى المعادية لاستدامة السلام وممارسة الديمقراطية التعددية والثقافية النهضوية والعمل الجماهيري، بتحديد المهام والقوانين والثقافات بما يلائم الإمكانيات والواقع المتحرك ودور مكوناته في حركة التجديد لصالح التحول الديمقراطي السلمي الذي يؤدي لاستقرار المجتمع وبناء واقعاً جديداً خالياً من العنف والكراهية التي امتدت جذورها في الوعي المجتمعي، بسياسات وثقافات أصبحت بتقاليدها وعاداتها ومفاهيمها وقوانينها وأعرافها مؤسسة تعيق طريق أي نهضة وطنية وتحرر اجتماعي.

اشتد أوار الصراع بين القوى السياسية بعد الاستقلال بخلفيات ذلك الواقع الاجتماعي والثقافي قبل الاستعمار، وأثناء المرحلة الاستعمارية بالسياسات والقوانين التي وقفت سداً منيعاً في طريق الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الوعي بالتوسع في التعليم والتأهيل وللحد من النشاط السياسي بقانون النشاط الهدام، والاستعانة بنظام الإدارة الأهلية في الحكم المحلي على حساب النظام الديمقراطي، وإصدار قوانين للحد من التواصل بين الشمال والجنوب بسياسة فرق تسد.

هذه التركة الاستعمارية جزء من تلك التراكمات التي آن الأوان لمواجهتها في إطار حل الأزمة السودانية بالوحدة التعددية المسنودة بمشروع وطني ديمقراطي يجدد الخبرات التنموية والعمل الثقافي المبتكر والخلاق الذي شكل غياباً في ساحة العمل الجماهيري، منهجاً وأداةً للعمل السياسي والقضايا المطروحة للحلول، مما أدى لانحسار دور الوعي في حركة التحول الديمقراطي لبناء الدولة المدنية دولة الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى