الدهشة طريقاً للحياة
أن نرى العالم بطبل القلب وأكورديون الرئة: قراءة في رواية «أين اختبأت زينب؟» لعبد الغني كرم الله.

علياء قاسم حمودة
“الشيخوخة تبدأ عندما نفقد الفضول”
— جوزيه ساراماجو
ثمة كتب تقرأها لتزجية الوقت، وثمة كتب تأتي كطرق خفيف على شغاف أرواحنا المتعبة، لتوقظنا من نوم المكرور ودائرة المألوف. رواية “أين اختبأت زينب؟”، الصادرة عن دار بوملحه للنشر والتوزيع (الشارقة) في 90 صفحة، هي من هذا النوع النادر. قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام كتاب مخصص للصغار، لكنه في الأصل نداء واجب للبالغين الذين فقدوا في دروب الحياة مجسات الجمال والفضول والخيال؛ أولئك الذين طحنتهم الالتزامات اليومية فصارت الحياة تمر أمامهم دون أن يروها. إن هذا الكتاب يعيد ترويض حواسنا لنلتقط ثراء الوجود اللامحدود.
بين عالمين وحُجب، واختباءات مدهشة، يفتح البطلان “علي” و”زينب” أسئلة لا تنتهي عبر حيرة لا تنقطع. لم تكن تفاصيلهم الصغيرة وألعابهم الطفولية عبثاً، بل كانت خيوطاً رفيعة ترتبط بمعانٍ وجودية كبرى، تلتقي فيها براءة الأطفال بتحليقات الشعراء وتجليات الأنبياء؛ حيث كل شيء ممكن. ومن هنا تبدو الرواية، رغم بساطة لغتها وحكايتها، أكثر عمقاً وتركيباً مما تظهر عليه.
تلج الرواية منطقة شديدة الحساسية: الموت والحياة، الحضور والغياب، وما بينهما من حجب، لكنها لا تفعل ذلك عبر فلسفة جافة، ولا بتحويل السرد إلى درس تلقيني، وهذا تحديداً هو مكمن قوة النص. الكاتب يطرح هذه الثنائيات وكأنها ليست أضداداً، بقدر ما هي وجهان لعملة واحدة؛ فالغياب في عالم ما، ما هو إلا حضور صاخب في عالم آخر.

تتجلى في العمل قدرة فذة على الجمع بين العمق والبساطة؛ دون أن ينزلق الأول إلى الغموض، أو تسقط الثانية في السذاجة. الوجود هنا ليس مفهومًا تجريدياً يسكن الكتب، ولا تأملاً محصوراً في صدور المتدينين، إنه كائن حي يتنفس في أجسادنا، وفي طرقات قلوبنا، وفي تفاصيلنا اليومية. يعاد تشكيل الجسد البشري المألوف ككون مصغر بديع وخلاق؛ حيث يتحول القلب إلى “طبل” يضبط إيقاع الزمن، وتصبح الرئة “أكورديوناً” يعزف لحن البقاء، في منظومة حيوية تعمل بصمت وبلا ضوضاء.
لقد كتب عبد الغني كرم الله هذا النص بأسلوب شاعري مكثف، يمتلك القدرة على مخاطبة العقل والوجدان معاً، ليضعنا أمام حقيقة أننا في حاجة ماسة لاستلاف براءة الأطفال وخيالهم الذكي لفهم جوهر الحياة الذي أفرطنا في تعقيده.
إن “أين اختبأت زينب؟” لا يجب أن تظل حبيسة المكتبات العامة؛ بل هي مقترح جدير بالنظر ليكون مادة للاطلاع في مدارس الأساس والمكتبات الخاصة، لما تحمله من قيمة علمية، فلسفية، وفنية متكاملة، وهي قراءة قادرة على تنشئة جيل لا يفقد دهشته الأولى أبداً.
ولعل هذه هي الوظيفة الأسمى للأدب: أن يعيد إلينا ما فقدناه ونحن نكبر. فالطفولة في هذا العمل ليست عمراً زمنيّاً، بقدر ما هي طريقة في النظر، ورؤية تدير الحوار مع الحياة كعالم واسع غامض ومدهش، لم ينتهِ بعد من كشف أسراره.





