ابتذال شعار (جيش واحد شعب واحد)

حيدر المكاشفي
الحقيقة الماثلة اليوم أن المليشيات بعد حرب الندامة، ما انفكت تتكاثر باطراد حتى باتت عصية على التعداد، مضافًا إليها المليشيات القديمة، وقد ظللنا بين الحين والآخر نسمع عن تكوين مليشيا جديدة أو تنسيقية جديدة، ولا غرابة، فهذا التكاثر المليشي يتسق ويتناغم مع السياق السياسي والعسكري الذي أفرزته الحرب، وها هو النور القبة المنشق عن الدعم السريع يعلن عن ترتيبات لتأسيس قوات درع الغرب.. هذه الحقيقة تطرح مفارقة سياسية وعسكرية تستحق التوقف عندها، وهي أن شعار (جيش واحد) قد تم ابتذاله وفقد معناه بتكاثر التشكيلات والمليشيات المسلحة، حيث أصبحت كل مجموعة سياسية أو عسكرية تمتلك قوة خاصة بها، في مشهد يعكس اتساع ظاهرة تعدد الجيوش بدلًا من توحيدها، بما يناقض ويهزم شعار جيش واحد ويفرغه من محتواه، وقد بدا جليًا أن شعار (جيش واحد) قد اتخذ معنىً جديدًا مخالفًا للمألوف والمعروف، فلم يعد يعني بالضرورة جيشًا واحدًا، وإنما بات أشبه بمظلة واسعة تضم تحتها جيوشًا ومليشيات وتشكيلات مسلحة متعددة، لكل منها قيادتها وحساباتها وطموحاتها، وربما شعارها الخاص أيضًا. والمفارقة أن هذا التكاثر يحدث في ظل حرب يفترض أنها كشفت بما لا يدع مجالًا للشك، الكلفة الباهظة لوجود السلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الموحدة، فإذا بها للغرابة تفتح الباب أمام المزيد من التشكيلات المسلحة، وكأن البلاد لم تكتفِ بما لديها من جيوش ومليشيات، وتحتاج إلى المزيد منها لاستكمال مشهد الفوضى، وعلى طريقة (مافيش مليشي أحسن من مليشي)، ها هو النور القبة المنشق عن قوات الدعم السريع، يعلن عن ترتيبات لتأسيس قوات (درع الغرب)، وكأن السودان كان ينقصه درع جديد ليكتمل طقم الدروع والسيوف والحراب والخراب، بما يمثل حلقة جديدة في مسلسل الانشقاقات والتشكيلات المسلحة التي يبدو أن لا نهاية لها. وإذا كان الهدف المعلن هو بناء جيش وطني واحد، فمن حق الناس أن يتساءلوا، كيف يمكن الوصول إلى جيش واحد عبر تكوين المزيد من الجيوش والمليشيات، وكيف يمكن إقناع المواطنين بأن الطريق إلى إنهاء تعدد الجيوش يمر عبر استحداث تشكيلات جديدة، لا عبر تفكيك أسباب وجودها وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية..
الشاهد أن شعار (جيش واحد) قد أصبح من أكثر الشعارات تعرضًا لسوء الاستخدام، حتى فقد معناه من فرط ترديده، تمامًا كما تفقد بعض الكلمات قيمتها حين تتحول إلى مجرد لازمة ترددها الألسن، بينما تسير الوقائع في الاتجاه المعاكس. فكلما ارتفعت الأصوات بترديد شعار (جيش واحد)، ظهرت تشكيلات جديدة تطرح نفسها كقوة عسكرية، وكأن توحيد القوات المسلحة أصبح مشروعًا مؤجلًا إلى حين اكتمال تأسيس جميع المليشيات الممكنة، والمشكلة هنا لا تتعلق بمجرد تعدد المسميات أو اختلاف الرايات، وإنما بما يحمله هذا التعدد من دلالات بشأن طبيعة الدولة ومستقبل احتكارها المشروع للسلاح. فحين تصبح القوة المسلحة وسيلة لإثبات الحضور السياسي أو ضمان النفوذ أو تأمين موقع في معادلات السلطة، فإن المؤسسة العسكرية الوطنية تصبح عرضة للتآكل، وتتحول فكرة الدولة نفسها إلى ساحة تتنازعها مراكز متعددة للقوة، لكل منها حساباتها وأولوياتها. أما الأكثر إثارة للسخرية فهو أن المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وفقد بيته ومصدر رزقه، وأصبح يبحث عن الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، بات مطالبًا بصورة أو بأخرى باستيعاب خارطة متجددة من التشكيلات المسلحة، وحفظ أسمائها وقياداتها وأهدافها، وربما متابعة انشقاقاتها وتكويناتها الجديدة، بشكل متزايد ومضطرد لم يعد ينقصه سوى إنشاء وزارة متخصصة، على غرار وزارة الدفاع، تكون معنية برعاية شؤون المليشيات، ولا يعني ذلك أن جميع التشكيلات المسلحة متطابقة في ظروف نشأتها أو أهدافها أو مسؤولياتها، لكن تعددها يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن المرجعية العسكرية الواحدة وحدود سلطة الدولة، ومدى جدية الخطاب الذي يتحدث عن بناء جيش وطني موحد. فليس منطقيًا أن يكون توحيد المؤسسة العسكرية هدفًا معلنًا، بينما يظل تأسيس المزيد من القوات والمليشيات خيارًا مطروحًا كلما تبدلت التحالفات أو ظهرت انشقاقات جديدة. إن أخطر ما في هذا المشهد أن يصبح تعدد المليشيات أمرًا مألوفًا، وأن يتعامل معه الخطاب السياسي والعسكري باعتباره واقعًا لا بد من التعايش معه، بدلًا من اعتباره أحد التحديات الأساسية التي ينبغي معالجتها في أي مشروع جاد لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. فكل تشكيل مسلح جديد يطرح أسئلة إضافية عن قيادته وتمويله ومرجعيته وموقعه في مستقبل المؤسسة العسكرية، وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد رفع شعار (جيش واحد)، ولعل المفارقة الكبرى أن السودان الذي يحتاج اليوم إلى تقليص مراكز القوة المسلحة، يجد نفسه أمام مشهد تتوالد فيه هذه المراكز، حتى باتت الدعوة إلى توحيد الجيش أقرب إلى أمنية سياسية منها إلى مشروع واضح المعالم، ما لم تقترن بإجراءات حقيقية تعالج جذور تعدد القوات وتضع السلاح تحت سلطة الدولة ومؤسساتها الوطنية. إن بناء جيش وطني واحد لا يتحقق بتكرار شعار (جيش واحد)، وبالضرورة ليس بإضافة تشكيلات جديدة إلى قائمة التشكيلات القائمة، ولا بإعادة تدوير الانشقاقات تحت أسماء مختلفة، وإنما بإرادة سياسية وعسكرية تعطي الأولوية لقيام دولة المؤسسات، وتضع حدًا لتحويل السلاح إلى أداة للتنافس على السلطة والنفوذ. وإلى أن يتحقق ذلك سيظل شعار (جيش واحد) حاضرًا فقط في الخطب والبيانات والهتافات، بينما تواصل المليشيات نموها في الواقع، في مفارقة لا تحتاج إلى خبير عسكري لفك طلاسمها، وإنما إلى قدر من الصراحة للاعتراف بأن الطريق إلى جيش واحد لا يمكن أن يبدأ بتأسيس جيش جديد كلما انشقت مجموعة عن أخرى. لقد تحول شعار (جيش واحد شعب واحد) إلى لازمة استهلاكية، ودخل مرحلة العبث، فلم يعد يعبر عن عقيدة عسكرية أو لحمة وطنية، بل بات أشبه بـ(يافطة تجارية) ترفع في المناسبات.. إن بناء الجيش الواحد لا يتحقق بالاستهلاك الأجوف للشعارات المكررة، ولا بإعادة تدوير الانشقاقات في قوالب مسلحة جديدة. وإلى أن ترتفع الإرادة إلى مستوى المسؤولية التاريخية، سيظل شعار (جيش واحد شعب واحد) مجرد شعار وهتاف فارغ المضمون يلقى على مسامع شعب يعيش واقعًا تتنازعه بنادق ومليشيات لا تنتهي. @adel ahim





