كلٌّ يروي قصص الحرب.. من يروي قصة المواطن؟!

حسام حامد
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، ليس من الضروري معرفة هويَّة من يسيطر على هذه المدينة أو تلك، ولا أي من الطرفين استطاع أن يحقق اختراقاً عسكرياً أكبر في جبهة بعينها؛ السؤال الذي صار أكثر إلحاحاً وخطورة يفيد بـماذا سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب بالمنطق ذاته؟ فمنذ 15 أبريل 2023، تحولت المواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من صراع على السلطة إلى حرب استنزاف مفتوحة، ثم إلى أزمة دولة ومجتمع واقتصاد وصحة وغذاء ونزوح، قبل أن تصبح كذلك ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، ومع دخول الحرب عامها الرابع، تقول الأمم المتحدة إن نحو 34 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في أكبر أزمة إنسانية منفردة في العالم، فيما يعيش ملايين السودانيين بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات والخوف من أن تصبح الحرب واقعاً دائماً لا مرحلة مؤقتة.
هذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها بوصفها إحصاءات باردة؛ خلف كل رقم قصة أسرة فقدت منزلها، أو طفل انقطعت عنه المدرسة، أو مريض لم يجد مستشفى، أو مزارع فقد موسمه، أو موظف أصبح راتبه عاجزاً عن شراء احتياجات أسبوع واحد؛ والأخطر أن الأمم المتحدة لا تتحدث عن أزمة إنسانية منفصلة عن الحرب، بل عن مجتمع تتآكل مقومات بقائه مع استمرار العمليات العسكرية؛ فقد حذرت من أن المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس تعرضت للدمار، وأن ضربات المسيّرات أصبحت واقعاً يومياً في مناطق مأهولة، بينما يتكرر النزوح وتضيق قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان الأكثر احتياجاً، وفي الذكرى الثالثة للحرب، كان خطاب الأمم المتحدة واضحاً، المطلوب وقف العنف فوراً، حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان وصول المساعدات بسرعة وأمان ومن دون عوائق.
والاقتصاد يقدم صورة أخرى لهذا الانهيار، إذ إن الحرب لم تكتف بتعطيل النشاط الاقتصادي، وإنما أعادت توزيع الموارد والأسواق ومراكز الإنتاج وفق خرائط السيطرة العسكرية، وأضعفت قدرة الدولة على جمع الإيرادات وتمويل الخدمات، ودفعت ملايين السودانيين إلى دائرة الفقر، وتقول الأمم المتحدة، استناداً إلى تحليل مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، إن السودان فقد نحو 6.4 مليارات دولار من الناتج المحلي في 2023 وحده، وإن متوسط دخل الفرد انخفض إلى مستوى يعود إلى عام 1992، بينما يمكن أن تتجاوز نسبة الفقر المدقع 60 في المائة إذا استمرت الحرب حتى 2030، وإذا استمرت الحرب، فإن الخسارة لا ستكون في سنوات الحرب وحدها، بل في عقود التنمية المُقبلة، لأن الاقتصاد الذي كان هشاً قبل الحرب أصبح مطالباً بإعادة بناء بنية إنتاجية وخدمية ومؤسسات مالية تعرضت لضربات متواصلة.
أما الجنيه السوداني، فهو ربما التعبير الأكثر مباشرة عن حالة العوز التي يعيشها المواطن، إذ إن العملة لا تنخفض في فراغ، وإنما أمام اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية، وتراجعت فيه الإيرادات العامة، واتسعت السوق الموازية، وتزايد الاعتماد على الاستيراد في ظل استمرار الحرب؛ وحين يصبح الدولار معياراً لسعر الغذاء والدواء والنقل وقطع الغيار والتعليم، فإن انهيار العملة يتحول من مشكلة نقدية إلى مشكلة اجتماعية تمس القدرة على البقاء، المواطن لا يتعامل مع سعر الصرف باعتباره رقماً في نشرة اقتصادية؛ هو يراه في سعر الخبز، والدواء، والمواصلات، وإيجار المسكن، وفي قدرته على إرسال مبلغ بسيط إلى أسرته النازحة.
إلى ذلك، فالخطر الأكبر يظهر في ملف الغذاء، إذ إن بيان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في مايو 2026 وضع نحو 19.5 مليون سوداني، أي نحو 41 في المائة من السكان، في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، ابتداءً من المرحلة الثالثة وما فوقها، وبين هؤلاء نحو 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة، وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، فيما يواجه نحو 14 مليوناً مستوى الأزمة؛ والأخطر أن التحليل حدد 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول، إذا تصاعد القتال وتراجعت إمكانية وصول المساعدات وتقيّد انتقال السلع والأشخاص، ولم يقل التقرير إن المجاعة قائمة في هذه المناطق، بل حذر من خطر حدوثها إذا استمرت العوامل التي تقود إليها، وهي نقطة مهمة في التعامل مع الرقم بعيداً عن التهويل.
والصورة تصبح أشد قتامة عندما يدخل الأطفال إلى المعادلة، فالـIPC يتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026، بزيادة سبعة في المائة عن 2025، وبنحو 25 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب، وفي الوقت نفسه، فإن نحو تسعة ملايين شخص ما زالوا نازحين داخلياً، بينما أصبح الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية والمياه أكثر صعوبة في مناطق القتال؛ ولذلك فإن المجاعة المحتملة ليست نتيجة نقص الطعام وحده، وإنما نتيجة الحرب عندما تمنع الناس من الوصول إلى الغذاء، وتمنع المزارعين من الإنتاج، وتعطل الأسواق، وتقطع طرق الإمداد، وتدمر الخدمات الصحية التي يحتاجها الجائع قبل أن يتحول نقص الغذاء إلى موت، وقد حذرت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للـIPC من أن الوضع شديد الخطورة خصوصاً في مناطق من شمال دارفور، وأن عرقلة الغذاء والصحة والمياه وسبل المعيشة في مناطق النزاع أصبحت جزءاً أساسياً من الأزمة.
ثم يأتي القطاع الصحي ليكشف جانباً آخر من الكارثة، إذ أعلنت منظمة الصحة العالمية في أبريل 2026، أن 37 في المائة من المنشآت الصحية في الولايات السودانية الثماني عشرة غير عاملة، وأنها وثقت 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ بداية الحرب أدت إلى مقتل 2052 شخصاً وإصابة 810 آخرين، كما قدرت عدد الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية الحاد في 2026 بأكثر من أربعة ملايين، وفي بلد تتفشى فيه الملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتيريا، فإن انهيار المستشفى لا يعني إغلاق





