سقوط منتخب السودان.. وحلُّ موزمبيق أم طينُ الإدارة؟

افق جديد
بأربعة أهداف، خسر منتخب السودان لكرة القدم (صقور الجديان) أمام موزمبيق في العاصمة مابوتو. لكن سقوط صقور الجديان لم يبدأ مع صافرة نهاية المباراة؛ فقد سبقته أزمة إدارية جعلت المنتخب يصل إلى واحدة من أهم مبارياته وهو يواجه معركة أخرى خارج الملعب. الخسارة في كرة القدم أمر طبيعي؛ فالفوز والخسارة وجهان للعبة. لكن غير الطبيعي كان ما سبق المباراة.
منذ شهور، كان مسار المنتخب الوطني ومواعيد مبارياته معلومين، وكان يفترض أن تكون ترتيبات السفر محسومة في وقت مبكر. أربعة أيام فقط فصلت بين مواجهة منتخب إثيوبيا في جوبا، الملعب الافتراضي للمنتخب السوداني، بعد أن دمرت الحرب ملاعب الخرطوم، ومواجهة موزمبيق في مابوتو.
ورغم ذلك، وصل المنتخب إلى المباراة بالأقساط غير المريحة، بل إن بعض اللاعبين لم يصلوا إلى مسرح المواجهة إلا قبل ساعات من انطلاقها.
وقبل المباراة بـ24 ساعة، كشف المدير الفني كواسي أبياه، في مؤتمر صحفي محضور، أن الوضع «معقد للغاية»، مشيراً إلى وجود 14 لاعباً فقط تحت تصرفه، بينما ظل بقية العناصر عالقين في مطارات دول أخرى بسبب إلغاء الرحلة المتجهة إلى موزمبيق.
وفي فيديو نشره عبر منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي، هاجم المحلل الرياضي بقنوات «بي إن» أيمن يماني الاتحاد العام السوداني لكرة القدم وجهازه الإداري، وقال إن السودان «لن تهزمه موزمبيق، بل سيهزمه غياب الاحترافية الإدارية»، مطالباً بإنزال أقصى عقوبة على من تسبب في الأزمة، التي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في كواليس المنتخب الوطني.
وفي اليوم التالي، جاء المنتخب الوطني إلى الملعب ليكشف ما كانت الأزمة الإدارية قد أخفته. أربعة أهداف هزت شباك صقور الجديان في مابوتو، لتنتهي المواجهة بخسارة المنتخب السوداني.
لكن المفارقة كانت في المشهد الذي جرى في الوقت نفسه تقريباً. ففي اللحظة التي كان فيها لاعبو المنتخب الأول هائمين بين المطارات بحثاً عن سكة وصول إلى موزمبيق، كانت طائرة خاصة تهبط ببعثة المنتخب السوداني للشباب في الخرطوم، قبل أن تنشر وسائل الإعلام مشاهد استقبالهم والاحتفال بفوزهم ببطولة سيكافا وحجز مقعد للسودان في نهائيات أمم أفريقيا للشباب بغانا، من قبل رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان.
مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال الأولويات في التعامل مع المنتخبات الوطنية: منتخب أول يخوض مواجهة دولية ويبحث لاعبوه عن طريق الوصول إلى الملعب، ومنتخب آخر يعود بطائرة خاصة وسط احتفاء رسمي.
وعقب الخسارة التي تلقاها صقور الجديان، انتقل الاتحاد العام لكرة القدم إلى المسار القانوني، فتقدم بشكوى طاعناً في قانونية مشاركة أحد لاعبي المنتخب الموزمبيقي.
وبالتزامن مع ذلك، تتجه اللجنة القانونية وشؤون الأعضاء بالاتحاد السوداني لكرة القدم إلى فتح جبهة تصعيد جديدة في مواجهة موجة الانتقادات الحادة التي طالت قيادة الاتحاد مؤخراً، عبر استكمال إجراءات قانونية وبلاغات ضد عدد من الإعلاميين والناشطين والإداريين.
ومن المؤمل أن تعقد اللجنة اجتماعاً حاسماً الخميس 8 أكتوبر الجاري، بمقر الاتحاد الرئيسي في حي الخرطوم (2)، برئاسة متوكل عباس عقيد «الزنجي». وللمفارقة، فإن نائب رئيس الاتحاد ورئيس لجنته القانونية «الزنجي» كان رئيساً لبعثة السودان في نهائيات الأمم الأفريقية التي أقيمت في المغرب، حيث اشتعلت قضية احتجاجات اللاعبين مطالبين بحقوقهم طرف الاتحاد.
ويناقش الاجتماع جملة من الملفات الحساسة، على رأسها البلاغات المقيدة بشأن محتوى نُشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى مراقبون ونقاد أن لجوء الاتحاد إلى خيار البلاغات والملاحقات في هذا التوقيت يمثل هروباً إلى الأمام وفتحاً لجبهة صراع جديدة مع الإعلام، بدلاً من التركيز على معالجة جذور الأزمة الشاملة ومراجعة الاختلالات التي فجرت السخط الرياضي. في المقابل، يصر الاتحاد على أن تحركاته تأتي لـ«حماية المؤسسة وقياداتها والاحتكام باللوائح والقانون».
وفي سياق ذي صلة، نشرت منصات إعلامية تصريحات سياسية لرئيس اللجنة القانونية للاتحاد العام متوكل «الزنجي»، يعلن فيها دعمهم، كاتحاد ورياضيين، للحوار السوداني السوداني، المختلف حوله سياسياً، بينما يخرج صوت يقول إن مهمة اتحاد كرة القدم هي دعم المنتخب السوداني.
وجاءت تصريحات الاتحاد السياسية متزامنة مع أخبار تتعلق بالواقع الذي يعيشه المنتخب الأولمبي، الذي يستعد لمواجهة رواندا في جوبا، بعدما تكدس لاعبوه في استراحة نادي هلال بورتسودان، بدلاً من توفير إقامة فندقية تليق بفريق يمثل السودان.
المشهد أعاد السؤال حول أموال وموارد الاتحاد التي تدفعها «فيفا» وأوجه صرفها، وهي ذات الأسئلة التي طرحها الإعلاميون وأوصلتهم إلى اتهامات قضائية يثيرها الاتحاد العام.
وتتسع دائرة الأسئلة أكثر بالنظر إلى حجم لجنة المنتخبات الوطنية؛ إذ يبلغ عدد أعضائها 47 عضواً، ويرأسها نائب رئيس الاتحاد العام، أسامة عطا المنان. رقم يعيد طرح السؤال حول أدائها، وبالطبع السؤال الأكثر مباشرة: كيف يعجز كل هذا العدد عن توفير تذاكر لبعثة المنتخب الأول؟
وفي تصريحات نقلها المركز الإعلامي للاتحاد العام، قال رئيس لجنة المنتخبات الوطنية أسامة عطا المنان إن هناك «ثورة قادمة في المنتخب»، وستشهد «انقلاباً حقيقياً».
لكن، في المقابل، تبدو الثورة الحقيقية، في خطاب المحتجين على واقع الحال، هي تلك التي يقودها الرافضون لغياب الاحترافية، والمطالبون بانقلاب يطيح بقيادات الاتحاد، باعتبارها سبب أزمة الكرة السودانية.
وهكذا، لم تعد مباراة موزمبيق مجرد أربعة أهداف في شباك صقور الجديان. فالنتيجة فتحت ملفاً أوسع عن إدارة كرة القدم السودانية: ترتيبات السفر، الأولويات، موارد الاتحاد، أوضاع المنتخبات، العلاقة مع الإعلام، والقدرة على إدارة منتخب وطني في زمن الحرب.
في مابوتو انتهت المباراة، لكن الأسئلة لم تنتهِ؛ فقد تحولت الأهداف الأربعة إلى مدخل لأزمة أكبر، عنوانها: من يدير كرة القدم السودانية، وكيف تُدار؟





