الإصلاح يبدأ من هنا

عادل يعقوب أحمد نور
منذ الاستقلال، ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها: نخب سياسية تتصارع حول السلطة والثروة، وقوى اجتماعية ودينية وقبلية وطائفية وعسكرية تُستدعى، بدرجات مختلفة، إلى ساحات الصراع كلما احتدم التنافس على الحكم.
لم تكن المشكلة في تعدد القوى بحد ذاته، وإنما في تحويل المجتمع إلى وقود للصراع السياسي، بدلاً من أن يكون صاحب المصلحة الأول في تحديد شكل الدولة وأولوياتها ومؤسساتها.
وعبر العقود، نشأت حول السلطة مراكز قوى ومصالح، تغيرت مواقعها بتغير الحكومات، لكن ظلت العلاقة واحدة تقريباً: وجوه تقترب من السلطة حيناً، وتبتعد عنها حيناً، ثم تعود إليها عندما تتغير موازين القوى.
أما المواطن، الذي يفترض أن يكون صاحب السيادة، فقد ظل في كثير من الأحيان خارج غرفة صناعة القرار، لا يُستدعى إلا عند الانتخابات أو الأزمات أو لحظة الاحتشاد.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً:
أين الجماهير من كل هذا؟
الجماهير ليست مجرد كتلة انتخابية تُستدعى عند الحاجة، ولا جمهوراً للتصفيق في الميادين، ولا قوة بشرية تُستنفَر عندما تحتاج النخب إلى الشارع.
الجماهير هي صاحبة المصلحة الأولى في الدولة، وهي التي تدفع ثمن الفشل السياسي والاقتصادي والأمني، ولذلك ينبغي أن تنتقل من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الحقيقي في صناعة القرار.
لقد كشفت التجارب الديمقراطية السودانية أن الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة أن الجماهير أصبحت شريكاً في إدارتها. وفي كل مرة كانت المسافة بين المواطن ومؤسسات الحكم تتسع، كانت الأزمات تتراكم حتى تنفجر من جديد.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القصر، ولا من مكاتب الأحزاب، ولا من موائد النخب السياسية.
الإصلاح يبدأ من الحي.
يبدأ من المواطن الذي يعرف احتياجات حيه أكثر من أي مسؤول مركزي، ومن المدرسة التي تحتاج إلى مقعد، والمستشفى الذي يحتاج إلى دواء، والطريق الذي يحتاج إلى صيانة، والمياه التي تحتاج إلى شبكة، والبيئة التي تحتاج إلى خدمة ونظافة.
ومن هنا تصبح الديمقراطية القاعدية أكثر من مجرد شعار.
يمكن أن تبدأ العملية من الأحياء والوحدات الإدارية والمجالس المحلية، عبر أجسام منتخبة بصورة شفافة، ثم تتدرج إلى المستويات الأعلى وصولاً إلى البرلمان والمؤسسات القومية.
بهذه الطريقة يصبح النائب ممثلاً حقيقياً لقواعده، لا اسماً تختاره غرفة مغلقة، ويصبح المسؤول المحلي مسؤولاً أمام الناس الذين انتخبوه، لا أمام الحزب أو المركز أو شبكة المصالح.
وهذا هو الدور الذي يمكن أن تضطلع به لجان الأحياء ولجان المقاومة والتغيير، وغيرها من المبادرات المدنية، إذا تحولت من أجسام احتجاجية مؤقتة إلى مؤسسات مجتمعية منظمة، منتخبة، شفافة، وخاضعة للمساءلة.
لقد أثبتت التجربة السودانية الحديثة أن التنظيم القاعدي قادر على فعل الكثير. وخلال الحرب، اضطلعت شبكات شبابية ولجان مجتمعية بأدوار عملية في توفير الغذاء والماء والدواء ومساعدة الفارين من مناطق القتال، وهو ما وثقته الأمم المتحدة.
لكن المطلوب الآن هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء المجتمع.
أي أن تكون الأولوية للخدمات الأساسية، وحماية حقوق المواطنين، ومراقبة أداء السلطات، ومكافحة الفساد، والمطالبة بالتعليم والصحة والمياه والبيئة النظيفة، ومراقبة أسعار السلع الضرورية، والدفاع عن حق المواطن في حياة كريمة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون هذه الأجسام مستقلة عن الاستقطاب الحزبي والعسكري، لأن تحويل التنظيمات القاعدية إلى أذرع سياسية لأي جهة سيعيد إنتاج المشكلة نفسها التي نحاول تجاوزها.
المطلوب ليس أن تحل لجان الأحياء محل الدولة، وإنما أن تكون عين المجتمع على الدولة، وصوت المواطن داخل مؤسساتها، وشريكاً في الرقابة والمساءلة.
فالشرعية الشعبية لا تُبنى بالصوت المرتفع، وإنما بالتنظيم والانتخاب والشفافية واحترام القانون.
والقضية في النهاية ليست من يحكم السودان فقط، وإنما كيف يحكم السودان؟ ولمن تكون السلطة؟ ومن يراقبها؟
إذا بقي المواطن مجرد متفرج، فستظل النخب تتبادل الأدوار، بينما تتبدل أسماء الحكومات ولا يتغير جوهر الأزمة.
أما إذا امتلك المواطن أدواته التنظيمية، وانتخب ممثليه من القاعدة إلى القمة، وأصبح قادراً على محاسبتهم واستبدالهم، فإن معادلة السلطة ستبدأ في التغير.
ليس المطلوب إقصاء الأحزاب، ولا إلغاء النخب، ولا استبدال مركزية قديمة بفوضى جديدة.
المطلوب هو إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والسياسة.
الأحزاب تخدم المجتمع، لا المجتمع يخدم الأحزاب.
والدولة تخدم المواطن، لا المواطن يصبح خادماً للدولة.
والنائب يمثل الناس، لا الناس يصبحون تابعين للنائب.
والسلطة وظيفة عامة، وليست غنيمة سياسية.
قد يبدو هذا الطريق طويلاً، لكنه الطريق الذي يمكن أن يعيد السياسة إلى معناها الحقيقي.
فالسياسة التي لا تبدأ من الحي، ولا تنتهي عند المواطن، ستظل مجرد صراع على الكراسي.
ومن هنا يبدأ الإصلاح.
من هنا… من المواطن.





