أطفال السودان.. الحرب تتحول إلى جوع ينهش أجساد الصغار

أفق جديد

في جسد طفل صغير، لا تبدو الحرب دائمًا على هيئة رصاص أو قذائف. أحيانًا تظهر في ذراع نحيلة، وبطن منتفخة، ووجه شاحب، وطفل فقد شهيته للعب قبل أن يفقد قدرته على الحركة. وفي منزل آخر، تختصر أم معركتها اليومية في محاولة توفير وجبة واحدة لطفلها، بينما ترتفع أسعار الغذاء وتتراجع قدرة الأسرة على شراء ما يكفيها.

هذه الصورة الصامتة للحرب تتسع في السودان، حيث حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من اتساع أزمة سوء التغذية بين الأطفال، وقالت ممثلة المنظمة في السودان، آنماري سواري، إن أكثر من 3.6 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، فيما يُتوقع أن يصل عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم إلى نحو 825 ألف طفل.

ولا يتعلق الأمر بنقص الطعام وحده، إذ تقول “يونيسف” إن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يصبحون أكثر عرضة للأمراض، كما يتأثر نموهم الجسدي وقدراتهم على التعلم، بما يجعل آثار الحرب تمتد إلى ما بعد لحظة الجوع نفسها.

وفي مايو 2026، قالت “يونيسف” إن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة متوقع أن يعانوا من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال العام، بزيادة 7 في المائة عن 2025، وبنحو 25 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. وأشارت إلى أن قرابة 100 ألف طفل تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

خلف هذه الأرقام، تبدو الأزمة أكثر قسوة في حياة الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى النزوح بعيداً عن مناطق الإنتاج والأسواق والخدمات.

وذكرت أم لطفل يعاني سوء التغذية لـ”أفق جديد”: “كان ابني يحصل على طعامه بصورة طبيعية قبل الحرب، لكن بعد أن نزحنا أصبح الطعام قليلاً. أحيانًا لا أستطيع توفير أكثر من وجبة واحدة في اليوم، وعندما يمرض لا أملك المال لشراء الدواء أو الذهاب به إلى المستشفى”.

ولا تحتاج الأسرة في مناطق النزوح إلى مواجهة نقص الغذاء وحده. فارتفاع أسعار السلع، وتكاليف النقل، وانقطاع مصادر الدخل، وتراجع الخدمات الصحية والمياه النظيفة، كلها عوامل تجعل الطفل أكثر عرضة للدخول في دائرة متشابكة من الجوع والمرض.

وتقول “يونيسف” إن نحو 19.5 مليون شخص في السودان كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد وفق تحليل مايو 2026، بينما أدت الحرب والنزوح وتدمير الأسواق والمنشآت الصحية وشبكات المياه إلى تقليص قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.

في مراكز التغذية، يتحول الجوع إلى مؤشرات يمكن قياسها: وزن الطفل، محيط ذراعه، قدرته على الحركة، وشهيته، والأعراض المصاحبة لسوء التغذية.

وخلال يوليو وحده، قالت “يونيسف” إن برامج التغذية التابعة لها ولشركائها فحصت 1.43 مليون طفل للكشف عن سوء التغذية الحاد، بينما أُدخل نحو 82,300 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم إلى العلاج.

وتقول عاملة في مركز تغذية بمدينة أم درمان لـ”أفق جديد”: “أحيانًا يصل الطفل بعد أن تكون حالته تدهورت كثيرًا. المشكلة ليست في العلاج فقط، وإنما في أن الأسرة نفسها لا تجد الغذاء الكافي في المنزل، لذلك يصبح الطفل معرضًا للانتكاس بعد خروجه من المرك”.

وتكشف هذه الإفادة عن واحدة من أصعب حلقات الأزمة: علاج الطفل لا ينهي بالضرورة أسباب سوء التغذية. فإذا عاد إلى منزل لا تتوفر فيه وجبات كافية أو مياه آمنة أو رعاية صحية منتظمة، فقد يعود إلى المركز مرة أخرى.

منذ اندلاع الحرب، نزحت ملايين الأسر داخل السودان أو لجأت خارجه، واضطرت عائلات كثيرة إلى ترك مناطق الزراعة والعمل والأسواق. وتقول “يونيسف” إن نحو 15 مليون شخص كانوا قد نزحوا بحلول منتصف 2026، بينهم نحو خمسة ملايين طفل.

ويؤكد أب نازح من ولاية شمال كردفان لـ”أفق جديد”: “نحن لا نملك أرضًا ولا عملًا الآن. كل شيء أصبح بالشراء، وحتى الأشياء التي كانت بسيطة قبل الحرب أصبحت تحتاج إلى مال. الأطفال يطلبون الطعام ولا نستطيع دائمًا توفيره”.

وفي مناطق النزوح، قد يكون الغذاء متاحًا بصورة متقطعة، لكن المشكلة تكمن في الاستمرارية. وجبة مساعدات واحدة لا تعالج بالضرورة آثار أشهر من نقص الغذاء، كما أن المرض والمياه غير الآمنة يمكن أن يفاقما سوء التغذية.

وتحذر “يونيسف” من أن تدمير البنية التحتية المدنية، بما فيها الأسواق والمرافق الصحية وأنظمة المياه، أدى إلى تعقيد الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية، في وقت تنتشر فيه أمراض مثل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك وأمراض الإسهال، وهي أمراض تزيد مخاطر التدهور الغذائي لدى الأطفال.

سوء التغذية في الطفولة لا يعني فقط أن الطفل لم يحصل على كمية كافية من الطعام. فالسنوات الأولى من الحياة مرحلة حاسمة للنمو، وأي نقص غذائي شديد أو متكرر يمكن أن ينعكس على النمو والمناعة والقدرة على التعلم.

وهنا تتسع دائرة الخطر: طفل جائع يصبح أكثر عرضة للمرض، والمرض قد يقلل قدرته على تناول الطعام والاستفادة منه، فيما تؤدي تكاليف العلاج والنقل إلى استنزاف ما تبقى من دخل الأسرة.

وتشير إشراقة عبد الله وهي ملعمة بمرحلة الأساس لـ”أفق جديد”: “الطفل الذي يأتي إلى المدرسة من دون وجبة لا يستطيع التركيز مثل بقية الأطفال. بعض الأطفال ينامون أثناء الحصة أو يطلبون الطعام من زملائهم”.

وبحسب “يونيسف”، فإن أكثر من 17 مليون طفل في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما أدت الحرب إلى تعطيل التعليم والخدمات الصحية والمياه والحماية، ما يجعل أزمة التغذية جزءًا من أزمة أوسع تهدد مستقبل الأطفال.

رغم اتساع الأزمة، تستمر برامج التغذية في فحص الأطفال وعلاج الحالات الأكثر خطورة. وخلال الأشهر الأولى من 2026، عولج عشرات الآلاف من الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم، فيما واصلت المنظمة وشركاؤها توسيع عمليات الفحص والعلاج في مناطق يصعب الوصول إليها.

لكن حجم الاحتياج يتجاوز قدرة الاستجابة الإنسانية. فقد أعلنت “يونيسف” أن مناشدتها الإنسانية للسودان لعام 2026، البالغة 962.9 مليون دولار، كانت ممولة بنسبة محدودة، وبنهاية يوليو لم تكن المنظمة قد حشدت سوى 352.2 مليون دولار، أي فجوة تمويلية تبلغ 63 في المائة.

وهذا النقص في التمويل لا يعني فقط تقليص برامج الإغاثة، بل يمكن أن ينعكس على قدرة المراكز على استقبال الأطفال، وتوفير الأغذية العلاجية والأدوية، والوصول إلى المناطق التي يصعب على المنظمات الوصول إليها.

في الخرطوم وأم درمان ومدن النزوح، يمكن رؤية الأزمة في الأسواق والمطابخ الشعبية ومراكز التغذية وفي وجوه الأسر التي تحاول تقليل عدد الوجبات حتى تتمكن من الاستمرار. وفي دارفور وكردفان ومناطق أخرى، يتداخل الجوع مع النزوح والعنف وصعوبة الوصول إلى المساعدات.

وفي بعض المناطق، وصلت مؤشرات سوء التغذية إلى مستويات شديدة الخطورة. وقد أشارت “يونيسف” في مايو إلى أن منطقتي أم برو وكرنوي في شمال دارفور سجلتا مستويات حرجة من سوء التغذية، مع توقع استمرار المعدلات المرتفعة، خصوصاً بين السكان النازحين والمناطق التي تواجه قيودًا على الوصول الإنساني.

وبينما تبدو أرقام الملايين ضخمة ومجردة، فإن كل رقم فيها يمثل طفلًا ينتظر وجبة، أو أمًا تحمل رضيعًا إلى مركز صحي، أو أسرة تضطر إلى الاختيار بين شراء الطعام ودفع تكاليف العلاج.

وتقول أم نازحة لـ”أفق جديد”: “نحن لا نريد مساعدات طوال حياتنا. نريد أن نعمل ونستطيع شراء الطعام لأطفالنا. أكثر شيء نخاف منه أن يكبر أطفالنا وهم لا يعرفون معنى الحياة الطبيعية”.

الحرب التي بدأت بالرصاص تركت جبهة أخرى مفتوحة على موائد السودانيين، جبهة لا يسمع فيها صوت الانفجارات، لكن نتائجها قد تبقى لسنوات.

فإذا كان الرقم الذي أعلنته “يونيسف” يتحدث عن 3.6 مليون طفل دون الخامسة يعانون من سوء التغذية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في خفض الرقم على الورق فقط، وإنما في منع طفل جديد من الانضمام إليه. ويتطلب ذلك أكثر من توزيع الغذاء، يحتاج إلى وقف القتال، وفتح طرق المساعدات، واستعادة الأسواق والخدمات الصحية والمياه، وتمكين الأسر من استعادة مصادر دخلها.

لأن إنقاذ الطفل من سوء التغذية اليوم لا يعني فقط إنقاذه من الجوع، بل حماية قدرته على النمو والتعلم والحياة. أما استمرار الحرب، مع تراجع التمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، فيهدد بتحويل سوء التغذية من أزمة طارئة إلى أثر طويل الأمد يرافق جيلًا كاملًا من أطفال السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى