إثيوبيا.. سقوط آبي أحمد على الشاشات

إبراهيم هباني
أعادت استعادة القوات الفيدرالية الإثيوبية السيطرة على كامل مدينة مكلي، عاصمة إقليم تقراي، بحسب التحديث الميداني الوارد، وضع المراهنة على قرب سقوط حكومة آبي أحمد أمام اختبار صعب. فالتطور يتجاوز استعادة المطار إلى السيطرة على عاصمة الإقليم ومعقل الطرف الأبرز في التحالف المعارض. لكنه لا يعني انتهاء الحرب، مثلما لم يكن تقدم المعارضة سابقاً دليلاً كافياً على قرب انهيار الحكومة.
في بعض الخطاب الإعلامي السوداني، تبدو النتيجة أسرع من المعركة. تتحول حركة القوات إلى إعلان عن مصير الحكومة، ويصبح تقدم المعارضة مقدمة مؤكدة لسقوط رئيس الوزراء. وحين تتغير الوقائع، يبقى التوقع في مكانه. المشكلة هنا ليست في توقع سقوط آبي أحمد؛ فهذا احتمال يناقشه التحليل السياسي. المشكلة في تقديم الاحتمال كما لو أنه خبر اكتمل.
لا يتعلق الأمر بالإعلام السوداني كله، وإنما بخطاب مؤيد للحرب يقرأ التطورات من موقع انحيازه. ومن حق الكاتب أن يتخذ موقفاً، لكن الموقف لا يمنحه حق اختصار المسافة بين ما يتمناه وما يستطيع إثباته. فالحكومة لا تسقط لأن خصومها أعلنوا ذلك، والمعارضة لا تنتصر لأن مؤيديها أحسنوا صياغة العنوان.
وتقدم تجربة مكلي نفسها درساً واضحاً. أعلنت الحكومة السيطرة عليها في نوفمبر 2020، ثم عادت قوات تقراي إليها في يونيو 2021. لم يكن الإعلان الأول نهاية الحرب، ولم يكن التطور الثاني نهاية الحكومة. السيطرة على مدينة مهمة تغيّر ميزان المعركة، لكنها لا تجيب وحدها عن قدرة الأطراف على الاحتفاظ بمكاسبها أو تحويلها إلى سلطة مستقرة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم يتجاوز من يتقدم ميدانياً إلى من يملك تصوراً قابلاً للحياة بعد توقف القتال.
التحالف السباعي المعارض يطرح هذا السؤال بوضوح. فالتحالف المعلن في سبتمبر 2026، باسم “تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”، جمع جماعات بينها الجبهة الشعبية لتحرير تقراي وحركة فانو القومية في أمهرة، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. وتتهم أطرافه الحكومة بمركزة السلطة وتهميش الأقاليم. لكن الاتفاق على إسقاط الحكومة لا يحسم شكل النظام البديل، أو توزيع السلطة، أو النزاعات بين الشركاء.
سبعة أطراف تستطيع إصدار بيان واحد، لكنها تحتاج إلى أكثر من ذلك لتشكيل قيادة مشتركة. فالمسافات الجغرافية والخلافات السياسية وتفاوت القوة بين المكونات قد تعرقل التعاون. عدد الموقعين يوضح اتساع المعارضة، لكنه لا يثبت وحده قدرتها على خوض معركة موحدة أو إدارة دولة.
أبرز مفارقات التحالف اجتماع تقراي وفانو. فقد قاتلت قوى فانو إلى جانب الحكومة ضد قوات تقراي خلال حرب 2020–2022، قبل أن تدخل لاحقاً في مواجهة مع الحكومة نفسها. اليوم يتعاون خصوم الأمس، فيما تبقى خلافات على الأرض والسياسة بين بعض مكونات التحالف. تغير الخصم المشترك، لكن أسباب العداء القديم لم تختفِ.
هذا التقارب مفهوم عسكرياً. كل طرف يريد تخفيف الضغط عنه وتوسيع المواجهة مع الحكومة. لكنه يترك أسئلة مؤجلة: لمن تتبع الأراضي المتنازع عليها؟ ومن يقود القوات؟ وكيف تُضمن حقوق من لا ينتمون إلى الجماعات المسلحة؟ قد يكون إسقاط الحكومة هو الجزء الذي يتفقون عليه، أما الحكم فقد يكون بداية اختلاف جديد.
وتكشف العلاقة مع إريتريا بدورها حدود قراءة التحالفات باعتبارها حقائق ثابتة. قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد تقراي في الحرب السابقة. أما اليوم، فتتهم أديس أبابا أسمرا بدعم التحالف المعارض، وهو ما تنفيه إريتريا. وتحدث دبلوماسيون ومحللون عن إتاحة منافذ للمعارضين عبر أراضيها. ينبغي الاحتفاظ بهذا التمييز بين التقرير والاتهام والنفي، بدلاً من تحويلها جميعاً إلى رواية محسومة.
لكن هذه التحولات، حتى بحدود المعلومات المتاحة، توضح أهمية المصالح. فالخصم السابق قد يصبح مفيداً عندما يتغير مصدر التهديد. ولا يحتاج الشركاء المؤقتون إلى الاتفاق على التاريخ، ما داموا يجدون منفعة في التعاون خلال الحاضر.
والسودان جزء من هذه الحسابات. تحدث دبلوماسيون عن قتال مجموعات تقراوية إلى جانب الجيش السوداني، وعن اجتماعات استضافتها الخرطوم وأسهمت في تشكيل التحالف الإثيوبي المعارض. كما اتهمت أديس أبابا السودان بالتدخل، وهو ما نفاه الجانب السوداني. لا تكفي هذه التقارير والاتهامات لإثبات كل تفاصيل التعاون أو وجود مشروع سياسي مشترك، لكنها تجعل تداخل ساحتي الحرب مسألة تستحق الفحص.
وفي تقديري، قد تلتقي هذه الأطراف عند الحاجة إلى سند عسكري أو منفذ أو وسيلة ضغط، ثم تختلف عند بحث نتائج التعاون. ما يريده طرف لأمن حدوده قد لا يطابق ما يريده فصيل للوصول إلى السلطة. وما يصلح لإضعاف خصم لا يصلح بالضرورة لبناء سلام.

وتتحرك القوى الخارجية وسط حسابات المياه والبحر والتجارة والنفوذ. لكن تشابه بعض المصالح لا يثبت وجود خطة موحدة لإسقاط الحكومة الإثيوبية. فقد يريد طرف تغيير سلوكها، بينما يريد آخر تغييرها بالكامل. وبين الهدفين فرق كبير، خصوصاً حين تصبح وحدة الدولة واستقرارها جزءاً من الكلفة.
لهذا، فإن اعتبار اضطراب إثيوبيا مكسباً مضموناً للسودان يحتاج إلى مراجعة. الخلاف مع حكومة مجاورة لا يجعل اتساع الحرب في بلدها مصلحة وطنية تلقائية. فالسودان، الذي أنهكته حربه، يحتاج إلى جوار مستقر، وإلى تقليل مصادر النزوح وانتشار السلاح وتعطل التجارة. الحدود تستقبل نتائج الحرب، لا الحماسة التي رافقت التعليق عليها.
ولا يمنح تقدم الجيش الفيدرالي الحكومة صك براءة. فقد وثقت تقارير حقوقية انتهاكات نسبت إلى أطراف متعددة خلال الحرب السابقة، بما فيها قوات حكومية وإريترية وقوات تقراي. المكاسب العسكرية لا تلغي مسؤولية حماية المدنيين، ولا تغني عن معالجة المظالم وفتح المجال السياسي.
وبالمثل، فإن رفض سياسات الحكومة لا يعفي المعارضة من تقديم ضمانات للمختلفين معها، وشرح كيفية تسوية نزاعات شركائها وضبط سلاحهم. المشروع السياسي يُقاس بما يوفره للناس من أمن وحقوق، لا بعدد الجماعات التي توقع بيانه.
اختزال الأزمة في سؤال “هل سيسقط آبي أحمد؟” يحجب السؤال الأصعب: ماذا سيأتي بعده؟ ومن يضمن أن التحالف الذي جمعته مواجهة الحكومة يستطيع البقاء متماسكاً حين يبدأ التنافس على حكم البلاد؟
تحتاج إثيوبيا إلى اتفاق على مستقبلها، ويحتاج السودان إلى وقف اتساع الحرب داخله وحوله. ويحتاج الإعلام إلى التمييز بين التوقع والخبر، وبين الاتهام والدليل، وبين تقدم القوات وحسم الصراع.
يمكن أن يسقط آبي أحمد مرات عديدة على الشاشات. أما مصيره السياسي، ومستقبل إثيوبيا، فتحكمهما وقائع أكثر تعقيداً من العنوان.





