البطل المهزوم في رواية كربون

عبد الماجد عليش
رواية كربون لمحفوظ بشرى، عن منشورات ويلز هاوس 2024، تعيد طرح السؤال المتجدد دوماً أمام الكتابة الأدبية الروائية عن مفهوم البطولة، والصورة الواقعية والمتخيلة للبطل الروائي؟
أحداث الرواية تدفقت منذ العقد الأخير في القرن الماضي حتى العام 2013. الشاب القادم من الأرياف: «منذ قدومي إلى المدينة، كنت وجهاً جديداً يلج إلى غيتوهات المثقفين قادماً من ريف لا يعرف عنه أحد شيئاً تقريباً…» يحكي عن إحساسه السلبي بذاته وبمجموعة مثقفين شباب هو معهم وليس معهم، وجميعهم يطلبون الاختلاف، مُنادين بالجديد. ولكنهم، بحسب توصيف وتقويم الراوي لهم ولذاته، غير مستوفين لشروط الاختلاف ومعايير التجديد، جميعهم متناقضين في أفكارهم، بل متواطئين مع الامتيازات التاريخية التي تضمنها لهم السلطة التي يزعمون النضال ضدها.
الراوي اختار أسلوب الهجاء الشامل لتوضيح اختلافه عن الجميع، تجده متطابقاً معهم في أسلوب الحياة، ولكن (منلوجه) لا يكف مستخفاً بأفكارهم، يصدر في الأحكام عن الأفكار والقيم، وعن الآخرين ومواقفهم إلى حد الاشتباه في كراهية البشر الموصوفين عنده بـ«مستنقع الناس»:
«إنهم خياليون حقاً حين تنظر إلى المكان والزمان المحيطين بهم خارج بركتهم هذه…»
«كانت تناقضاتي مسلية حين أنتبه إلى أنني أؤمن بالشيء ونقيضه معاً، لكن فجأة تنقلب الحال… دربت نفسي على الاحتفاظ دائماً بمسار يجنبني السقوط في الوضوح…»

كربون تُصنف ضمن الهجائيات الغاضبة المتضمنة في أدب الهزيمة، فتفاسير البطل عن العالم لم تعد صالحة، والعلاقة بين الخطاب والواقع منهارة، ولم يعد البطل هو الفاعل القادر، بل صار منقسماً على ذاته إلى حد العجز عن الفعل.
ووفق هذا التصور يمكن توقع نتيجة تلائم هزيمة البطل، ولكن في خاتمة الجزء الأول (إذ لزاماً على محفوظ تقديم الجزء الثاني) نفاجأ بحدثين حاسمين: استعادة الراوي لقدرته على الفعل، ثم مواصلته لذات الحركة الدائرية العبثية.
توهم الراوي، إذن، أو أوهمنا أن عقدته النفسية الجسدية قد انحلت، ولربما لم تنحل، فالجملة الختامية تسدد مزيداً من الطعنات لشخصيته:
«أردت قول شيء… وددت لو وصفت نفسي، لكنني سمعت صوتي، أنا ضياع محض، غروب بلا مكابح…»
«وددت لو وصفت نفسي بأنني بهتان منتشر وكذبة محدقة، إنني النفاق وقلة الصبر، والتنمر الخائب المحروس بالأقنعة.»
وتكاد تكون الجملة الختامية جملة افتتاحية تقود إلى تفاصيل مرحلة أخرى للبطل الذي كان يجيب على سؤال ذاته في تمثلها الأنثوي في شخصية خيرات:
«من ستكون أنت إذن؟»
وعلاقة الراوي بخيرات قُدِمت كحيلة فنية، فخلافاً لعلاقة الحبيب بمحبوبته، نجد الراوي يُحدثنا عن التي خيرات التي تدرس الهندسة فأقول لنفسي: جميل! ونجدها تفكر مثل ما يفكر، وتتحدث بنفس أحاديثه… وتعيش حياتها مثل ما يعيش حياته. وكل هذا يقود إلى أنها حوجته المتخيلة لامتداد أنثوي لذاته، وهذا الامتداد مُحتشد بما لا يقوى بعضه على اجتراحه. الحبيبة المتخيلة والتي تتجسد واقعاً أيضاً، يستأمنها الراوي على سر عجزه طالباً مساعدتها، فلا تتأخر عنه، ولكن موافقتها كانت وفق شروط العلاقات الجديدة:

«لن يفهم أجيال البنات والأولاد الجدد الغرباء، من ينظرون للعلاقات العابرة بوصفها متعة لا تختلف عن متعة سيجارة، هم ملتزمون جداً تجاه أمور أخرى، لكن العلاقات الشخصية وسلوكيات مثل الجنس لا تدخل فيها…»
ومن ضمن شروط العلاقات لدى الجيل الجديد الفضول المشترك، ويخبرنا بهذا صوته الناطق من داخل محبوبته:
«لم تكن مبرراتك لتقابلني منطقية، ولكنني قبلتها بدافع الفضول.»
«أريد معرفتك أكثر، أنت معروف كما تعلم، ولكن التمييز بين سيرة الشخص وما يكون عليه حقاً يحتاج إلى القرب…»
المعرفة الأكثر هي شرط العلاقة، وليس المفردات المألوفة في توصيف وتعريف علاقة الحب. ولكن في كل الأحوال كان لابد من ظهور هذه الحبيبة: «وطنت نفسي على عيش قصة خيرات، فهي قصتي أيضاً.»
أحداث الرواية تدور في فضاء أحكمت سلطة قمعية سطوتها عليه، وفي هذا الفضاء يبرز السؤال عن دور المثقفين، والذي يبدو أنه كان الدافع الأساسي للكتابة. البطل جعل مطلق همه تعميم الإدانة، وأكثر من يدين هو ذاته، ثم المثقفين بذات القدر الذي يدين به السلطة القمعية. يصورهم في حركة دائرية ما بين المقاهي والندوات الثقافية، ومعارض الفنانين، وعروض المسارح، والصحف. عالم يبدأ من الجلوس حول بائعات القهوة في الطرقات:
«وجدت نفسي من جديد أجلس تحت شجرة اللبخ ذاتها»
وينتهي في مجالس الشرب الليلية. وخلال هذا الدوران تتكرر الأسئلة ذاتها: من نحن؟ وهل حقاً نمتلك الإجابات الصحيحة؟ هل نحن مختلفين عن خصومنا؟ منلوج الراوي لا يكف متدفقاً:
«إنهم خياليون حقاً حين تنظر إلى المكان والزمان المحيطين بهم خارج بركتهم هذه.»
«يقف عبدالرحيم في الحد الفاصل بين الرجولة التقليدية والماركسية.»
«هو ليس الأول، إلا أنه يتميز مثلهم بذلك الإيمان الذي يقربهم من أعدائهم الإسلاميين أكثر مما يظنون.»
الراوي وسط المثقفين الذين لا ينتبهون لكونه قد تأبط شراً بهذه الشهادات، بنظراته، بطريقة استماعه لنطقهم، باستخفافه سراً وجهراً بوعيهم ومضمون آرائهم. والشر المُتأبط يطعن المثقفين بكونهم متواطئين مع امتيازات السلطة التي يناضلون ضدها؟ ومرة أخرى يتجدد السؤال عن البطل ومهام البطولة: فالراوي يطلق أحكامه على المثقفين من موقع الشاهد، وليس من موقعه كواحد منهم، إذ يميز ذاته عنهم بمضمون إفاداته وما ينطق به من مخزونه الفكري والفلسفي. يتبدى متجاوزاً للجميع، وهو ما يثير الريبة بشأنه وبشأن إفاداته، كونه شخصاً يبحث عن التميز والتفرد، كونه على يقين من إحساسه القوي بالتفوق المطلق. كيف يكون المستبطن لهذه الطاقة الفكرية ضحية لفقدان القدرة على الفعل؟
الحدث المركزي في الرواية كان انتفاضة سبتمبر 2013، وإبداع الأدباء السودانيين شديد الالتصاق بالحدث السياسي، لكأنه المقياس لتحديد الوعي والمصير الإنساني:
«بدأت تأتي الأخبار متفرقة عن تظاهرات مفاجئة وقتلى في عدة مدن.»
ردة فعل المثقفين كانت متواطئة مع السلطة، باستثناء مثقف واحد:
«كانت التظاهرات تتمدد باتجاهنا، تحرك الهادي الإفريقي عكس اتجاه الجموع واختفى، قال يونس شيئاً ما وذهب مسرعاً… نهض عبدالرحيم… سأرجع إلى قريتي كما أخبرتك، لا أريد المشاركة في شيء أعرف أنه بلا جدوى…»
يجاهر يونس، الذي قُدم في بدايات الحكي كونه: يظن يونس أنه يساري غير منتمٍ إلى حزب، ويعرف نفسه بأنه ماركسي، يتحول يونس إلى فرد من القطيع، متحدثاً عن الرجولة والفضيلة والنخوة: «ماذا سيحدث؟ تسقطون النظام؟ تعطلون مصالح الناس؟ أنتم دعاة فوضى وليس أكثر؟»
هنا يُسائل الراوي ذاته المزدوجة: هل سيقوى على المشاركة في التظاهرات، والتي ظهرت فيها مجموعات أخرى كانت تصنع ذلك الحدث؟
«الطلبة والشماسة أشعلوها.»
وحياة الناس لم تكن تعني شيئاً للسلطة التي تشن الحرب عليهم:
«كانت الحصيلة الرسمية أقل من 200 قتيل من المتفلتين والمندسين، من أفراد الجماعات المتمردة، لكن يعرف الجميع الآن: أن عدد القتلى بلا عدد، أكثرهم أطفال دون السادسة عشر حصدتهم نيران القناصة…»
وبعيداً عن التأملات والملاحظات وجد الراوي ذاته في امتدادها الأنثوي – خيرات – في قلب المظاهرات:
«عندما عثرت عليها كانت مشعة غاضبة… بحدة وغضب أفلتت يدها مني، تناولت حجراً وهي تسب… في النهاية وقفت وكأنني أخرج من جسدي إلى جسد آخر وأراقب المشهد… وكأنني غيري، أو ربما كنت حقاً مددت يدي وقذفت حجراً. لحظتها توقف الزمن وخيرات تنظر إليّ محتارة أو مدهوشة…»
وباستعادة قدرته على القذف بالحجارة يكون الراوي قد انتقل إلى حيز القدرة العملية، إضافة إلى تجربة الاعتقال فالسجن، ولا يبدو مقنعاً كخاتمة روائية أن يعود البطل إلى مقعده جوار بائعة الشاي، والأكثر حوجة روائية هو مواصلة الحكي في الجزء الثاني عن مصائر الجميع: من حكى عنهم ومن لم يحكِ عنهم، سيما وأن الرواية كانت قد استبصرت الهزيمة الشاملة: بلاد متخمة بالزعماء المقدسين الذين لا يموتون… ثم الحرب التي تشنها السلطة على الجميع.
اسم الرواية يشير إلى أن عقل الكاتب يسابق خياله، عقل يمنطق وفقاً لفلسفة الرياضيات وليس بناءً على صناعة الخيال وحده: هل الكربون هو مادة الحياة التي فقدت وظيفتها؟ هل يشير إلى أن الجسد موجود ولكنه عاجز عن أداء وظائفه الطبيعية؟ أم هو المادة القابلة للتحول والتشكل؟
وبأسئلة العنوان يقدم محفوظ بشرى جديداً متميزاً جديراً بالاحتفاء العقلاني المنطقي.





