التعليم الخاص في السودان… تجارة أم ضرورة؟

بقلم: الأستاذ أحمد حسن محمد فضل

لم يعد التعليم الخاص في السودان خياراً ترفياً يلجأ إليه القادرون بحثاً عن التميز، بل تحول إلى ضرورة مفروضة على غالبية الأسر التي يئست من حال المدارس الحكومية. فبين إضرابات متكررة، ونقص حاد في المعلمين والكتاب، وبيئة مدرسية طاردة، وجد كثير من الآباء أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يتركوا أبناءهم لسنوات ضائعة، أو أن يدفعوا ما لا يطيقون لمدارس خاصة وعدتهم بإنقاذ العام الدراسي.

ولا أحد ينكر أن القطاع الخاص قد لعب دوراً مهماً في سد هذا الفراغ الكبير. ففي سنوات التوقف والاضطراب، كان هو الجهة الوحيدة التي حافظت على استمرارية الدراسة، وأنقذت أجيالاً من الضياع. كما أنه وفر بيئة نسبياً أفضل من حيث قلة الكثافة الطلابية، ووجود أنشطة مصاحبة، ومتابعة أكاديمية أكثر انتظاماً. وإلى جانب ذلك، استوعب آلاف الخريجين الذين أغلقت في وجوههم أبواب التوظيف الحكومي، فكان لهم نافذة رزق وشرف مهنة.

ولكن لكل ميزة ثمناً، وثمن التعليم الخاص كان باهظاً على نسيجنا المجتمعي. فقد تحولت المدرسة في كثير من الأحيان من رسالة إلى “مشروع استثماري” هدفه الأول الربح. وتبعاً لذلك قفزت الرسوم إلى مستويات فلكية أخرجت التعليم من دائرة الحق إلى دائرة السلعة. فمن يملك يشتري مستقبل ابنه، ومن لا يملك يبقى ينتظر فرج الحكومة.

والأخطر من ذلك أننا بدأنا نصنع مجتمعاً طبقياً منذ مقاعد الدراسة الأولى. نشأ جيلان متوازيان داخل الوطن الواحد: جيل يدرس في فصول مكيفة بها معامل وملاعب ورحلات، وجيل آخر يزاحم ثمانين طالباً في فصل بلا كرسي ولا طباشير. هذا التفاوت المبكر لا يفرز طلاباً فقط، بل يفرز مواطنين بدرجات مختلفة.

وزاد الطين بلة غياب الضبط والرقابة. فانتشرت مدارس تفتح بلا معايير وتغلق بلا حساب، وتقدم مناهج مخففة لضمان نسب نجاح تسويقية، فكانت النتيجة شهادات كبيرة في الورق ومعرفة ضعيفة في العقل.

إن وجود التعليم الخاص واقع لا يمكن إنكاره، ولكن السؤال هو: أين الدولة من هذا كله؟ إن الرقابة هنا لا تعني الخنق، بل تعني الحماية والضبط. فيجب أن تبدأ الرقابة قبل الترخيص بوضع معايير صارمة للمبنى والكثافة ومؤهلات المعلمين، فلا مدرسة بلا مكتبة ولا معمل ولا ساحة. ويجب أن تمتد الرقابة إلى الجانب المالي بتحديد سقف عادل للرسوم سنوياً، مع إلزام كل مدرسة بتخصيص نسبة من مقاعدها كمنح للمتفوقين غير القادرين. كما لا بد من توحيد الامتحانات القومية للشهادات بلا استثناء، حتى لا يتساوى من درس بمعايير مع من درس بمنهج مخفف. وأخيراً، لا بد من تفعيل مجالس الآباء في المدارس الخاصة ومنحها حق الرقابة والشكوى المباشرة.

إننا لسنا ضد التعليم الخاص، ولكننا ضد خصخصة الفشل. الحل ليس في إغلاق المدارس الخاصة، بل في إصلاح المدارس الحكومية لتعود منافساً قوياً، وفي دولة قوية تفرض القانون على الجميع. فالتعليم ليس استثماراً مالياً، إنه أمانة وطن. وإذا لم ننتبه اليوم، فبعد عشر سنوات سيكون لدينا أطباء ومهندسون، ولكن قد لا يكون لدينا وطن واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى