أطباء أحمد قاسم يحطمون “بلدوزر” التجفيف .. لكن هل ما زال حميدة هنا ؟

الزين عثمان
يعيد المشهد المتجدد في مستشفى أحمد قاسم التخصصي للأطفال بمدينة الخرطوم بحري إلى الواجهة سؤالاً ظل يؤرق السودانيين منذ سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير: هل سقطت الطغمة حقاً، أم أن سياساتها القديمة تعود بأسماء جديدة؟
في أروقة المستشفى، يعود الجدل إلى سنوات الوزير والمستثمر في القطاع الصحي، القيادي بحزب المؤتمر الوطني مأمون حميدة، بما حملته تلك الحقبة من سياسات وقرارات وُصفت آنذاك بأنها أعادت رسم خارطة المؤسسات الصحية العامة تحت لافتة “الاستثمار”. واليوم، يتكرر المشهد بوجوه مختلفة، فيما يظل العنوان واحداً: مستقبل المستشفيات العامة، وعلى رأسها مستشفيات الأطفال.
القصة بدأت بخلاف بين وزير الصحة بولاية الخرطوم، فتح الرحمن محمد الأمين، ومدير مستشفى أحمد قاسم للأطفال، اختصاصي طب الأطفال البروفيسور محمد عوض الكريم الإدريسي، عقب زيارة رسمية للمستشفى.
وبحسب ما تداولته مصادر في القطاع الصحي، فإن الإدريسي سأل الوزير خلال وجوده في مكتبه: “من أنت؟” سؤال لم يتأخر الرد عليه، إذ حمل في طياته، وفق روايات متداولة، نوايا تتعلق بإعادة الحياة لما يُعرف بسياسة “تجفيف المستشفيات العامة”، كما حدث سابقاً في مستشفى الخرطوم التعليمي، وأعيد إنتاجه في تجربة مستشفى جعفر بن عوف للأطفال .
الأسبوع الفائت، أصدرت وزارة الصحة بولاية الخرطوم قراراً بإعفاء الإدريسي من منصبه، بالتزامن مع إعلان دمج مستشفى الأطفال مع مستشفى القلب، وتعيين هدى حامد محمد الحسن مديراً عاماً جديداً. القرار أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الطبية والإعلامية، لا سيما مع غياب توضيحات رسمية مفصلة بشأن أسبابه.
تقارير إعلامية ربطت الإعفاء بخلاف مباشر بين الوزير والمدير المُقال، وأشارت إلى أن الإدريسي رفض تقديم اعتذار طُلب منه لاحقاً، ما أدى إلى تصاعد الأزمة.
لم يكن الجدل محصوراً في إقالة مدير أعاد الحياة إلى المستشفى بعد استعادة الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم، بل امتد إلى تسمية هدى حامد مديراً لمستشفى الأطفال مع احتفاظها بملف إدارة مستشفى أحمد قاسم للقلب ويربط كثيرون اسم هدى حامد بمأمون حميدة، الذي يصفه البعض بـ”الغائب الحاضر” في مشهد القطاع الصحي .
وهنا يتوقف الجدل عند نقطة محورية تتعلق بما يُعرف بـ”مافيا القطاع الصحي” في السودان، وهو توصيف ينتهي إلى ربط تقديم الخدمة الصحية بالاستثمار، وتخصيص القطاع، ورفع يد الدولة عنه، بما في ذلك الرعاية الصحية للأطفال، رغم أن القانون ينص بوضوح على مجانية علاج الأطفال في المشافي العامة باعتباره حقاً قانونياً.
عقب إقالته، قال الإدريسي إن الهدف لم يكن شخصه، بل “تجفيف مستشفى الأطفال”، محذراً من تكرار سيناريو مستشفى جعفر بن عوف.
وفي تسجيل منسوب لوزير الصحة بولاية الخرطوم، أُشير إلى أن إدارة مستشفى أحمد قاسم للأطفال عاجزة عن توفير الربط المالي المطلوب، على عكس ما يحدث في مستشفى القلب.
المفارقة اللافتة أن المستشفى يحمل اسم أحمد قاسم، الذي أوقف الأرض والمباني لإقامة مستشفى للأطفال بعد أن فقد أربعة من أبنائه، ليكون المشروع صدقة جارية مخصصة لعلاج الأطفال.
في سياق تطورات القضية، أصدرت الإدارة العامة للطب العلاجي بوزارة الصحة بولاية الخرطوم القرار الإداري رقم (20) لسنة 2026، القاضي بتعيين الدكتور يس الأمير حامد الأمير مديراً عاماً لمستشفى أحمد قاسم للأطفال، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تعزيز الأداء الإداري والفني بالمؤسسة، وتطوير الخدمات في المستشفيات المرجعية المتخصصة في طب الأطفال.
غير أن تراجع الوزارة عن تسمية هدى حامد لم يكن – بحسب متابعين – استجابة لرغبة في تطوير الخدمة، كما ورد في بيانها المنشور عبر وكالة السودان للأنباء، بل جاء نتيجة ضغوط مارسها أطباء الأطفال والعاملون بالمستشفى، الذين نظموا وقفة احتجاجية ورفعوا لافتات رافضة لما سموه “تجفيف المستشفى”، مستعيدين أساليب مقاومة مدنية اعتادوها في مراحل سابقة.
عقب تعيين يس الأمير مديراً للمستشفى، كتب الإدريسي عبر حسابه بلهجة المنتصر ما أي لقمة بتتبلع، في لقمة بتخنقك لو ما كنت عارف مقاس حلقومك. الجيل الحالي لأطباء الأطفال عصي على البلع شكراً أطباء وكوادر طبية وموظفين وعمال مستشفى أحمد قاسم التخصصي للأطفال، شكراً كل أطباء بلادي، شكراً كل الشعب السوداني، شكراً أهلي وعشيرتيفوقفتكم كانت ولا تزال هي كنانتنا وزادنا. لله الحمد والمنة قد عادت مستشفى أحمد قاسم للأطفال لحضن أطفالها دوحة الأطفال لا تليق بلعب الأفيال:
تغريدة حملت دلالات واضحة على أن الأزمة، في نظره، لم تكن سوى محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو الاستمرار في نهج “تجفيف المستشفيات”.
الإدريسي ألمح كذلك إلى خلفيات سياسية لقرار إقالته، وهو طرح يتقاطع مع آراء متداولة حول عودة منسوبي النظام المعزول إلى مواقع السلطة على مستويات متعددة، مستفيدين من فترة الحرب.
ويرى منتقدون أن السياسة لا تتجلى فقط في عودة “الفلول” بأشخاصهم، بل عبر سياساتهم التي دفعت المؤسسات العامة، وعلى رأسها قطاع الصحة، فاتورتها الباهظة.
بحسب هذا الطرح، فإن سياسة “البلدوزر” الرامية إلى تجفيف وتدمير المؤسسات الصحية العامة لصالح المستثمرين عادت عقب الحرب، وكأنها تكمل مساراً لم يكتف وفق تعبيرهم بما خلفته الحرب من مآسٍ، بل تسعى إلى احتكار العلاج.
غير أن هذه العودة، كما يقول مناصرو المستشفى، قوبلت بعودة “الجيش الأبيض” – أطباء وكوادر صحية الذين كان لهم دور سابق في إسقاط المشروع ذاته، ولا يزالون، واقفين في خط الدفاع الأول عن مجانية العلاج وحق الأطفال في الرعاية الصحية.
وهكذا، لا تبدو أزمة مستشفى أحمد قاسم مجرد خلاف إداري عابر، بل محطة جديدة في صراع أعمق حول هوية القطاع الصحي في السودان:
هل يظل خدمة عامة تكفلها الدولة، أم يتحول إلى مجال استثماري تحكمه معادلات الربح والخسارة سؤال يتجاوز أسوار المستشفى، ليطال جوهر الدولة نفسها في مرحلة ما بعد الثورة والحرب معاً





