من فض الاعتصام إلى حرب أبريل، كيف قادت أطماع الإسلامويين السودان إلى أكبر كارثتين في تاريخه الحديث؟

بقلم : مؤيد الأمين
في ذاكرة السودانيين ستبقى مجزرة فض اعتصام القيادة العامة واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها السودان الحديث. جريمة لم تكن مجرد حدث أمني عابر أو مواجهة محدودة انتهت بخسائر بشرية، بل كانت نقطة تحول خطيرة غيّرت مسار الثورة السودانية بالكامل، ومهّدت الطريق لسلسلة من الأحداث انتهت بحرب 15 أبريل التي دمرت البلاد وشردت الملايين وأعادت السودان عقوداً إلى الوراء.
وعند النظر إلى المشهد السوداني منذ سقوط نظام الحركة الإسلامية في أبريل 2019 وحتى اندلاع الحرب في أبريل 2023، يبرز سؤال أساسي: هل كانت هذه الأحداث المتفرقة مجرد مصادفات سياسية وعسكرية؟ أم أنها حلقات متصلة في مشروع واحد هدفه إعادة الإسلامويين إلى السلطة بأي ثمن؟
كثير من الوقائع السياسية التي تلت سقوط نظام عمر البشير تشير إلى أن الإسلامويين لم يتعاملوا مع الثورة باعتبارها تغييراً سياسياً يمكن التعايش معه، بل اعتبروها تهديداً وجودياً لمشروعهم الذي حكم السودان لثلاثة عقود. ولذلك بدأت معركة مضادة منذ الأيام الأولى للثورة، هدفها الأساسي إضعاف القوى المدنية وتفكيك الحاضنة الشعبية التي صنعت الثورة.
كان اعتصام القيادة العامة يمثل أكبر مصدر قوة للقوى المدنية. لم يكن مجرد خيام منصوبة أمام القيادة العامة للجيش، بل كان مركزاً سياسياً ورمزاً وطنياً يجمع ملايين السودانيين حول مشروع الدولة المدنية. ولذلك كان الاعتصام عقبة كبرى أمام أي محاولة للالتفاف على مطالب الثورة أو إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة.
في تلك الأيام جرى الترويج إعلامياً وأمنياً لقضية منطقة كولمبيا الواقعة بالقرب من ساحة الاعتصام. قيل إن المنطقة أصبحت بؤرة للتفلتات الأمنية وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة. لكن ما حدث لاحقاً أثار كثيراً من التساؤلات، لأن العملية التي قيل إنها تستهدف كولمبيا تحولت إلى هجوم واسع النطاق على المعتصمين أنفسهم.
في صباح الثالث من يونيو 2019، استيقظ السودانيون على مشاهد صادمة. إطلاق نار، مطاردات، حرق للخيام، اعتداءات واسعة، وجثث ألقي ببعضها في النيل بحسب شهادات وتقارير متعددة. تحولت ساحة الاعتصام خلال ساعات قليلة إلى مسرح دموي هز ضمير السودان والعالم.
ومنذ ذلك اليوم ظل السؤال مطروحاً: من المستفيد من فض الاعتصام؟
بالنسبة لكثير من القوى الثورية، كانت الإجابة واضحة. المستفيد الأول كان الإسلامويون الذين رأوا في الاعتصام تهديداً مباشراً لفرص عودتهم إلى السلطة. فاستمرار الاعتصام كان يعني استمرار الضغط الشعبي لصالح التحول المدني الكامل، بينما كان فض الاعتصام يفتح الباب أمام إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذه القراءة للأحداث، لم يكن الدعم السريع مجرد طرف منفذ للعملية، بل شريكاً في مرحلة معينة ضمن شبكة معقدة من المصالح السياسية والأمنية. فقد كانت هناك حالة من التنسيق غير المعلن بين مراكز نفوذ إسلامية داخل المؤسسة العسكرية وبين قوات الدعم السريع لتحقيق هدف مشترك يتمثل في كسر قوة الشارع الثوري وإضعاف القوى المدنية.
لكن التحالفات القائمة على المصالح لا تدوم طويلاً.
فبعد فترة بدأت التناقضات تظهر بوضوح بين الإسلامويين والدعم السريع. فبينما كان الإسلامويون يسعون إلى استعادة نفوذهم داخل الدولة عبر المؤسسة العسكرية، كان قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” يسعى إلى تثبيت موقعه لاعباً رئيسياً في السلطة، لا مجرد أداة تستخدم ثم يتم التخلص منها.
وهنا بدأ الصراع الحقيقي يتشكل.
فالدعم السريع الذي ساهم في إضعاف الثورة المدنية بدأ يدرك تدريجياً أن الإسلامويين لا ينظرون إليه كشريك دائم، بل كوسيلة مؤقتة لتحقيق أهدافهم السياسية. وفي المقابل، كان الإسلامويون ينظرون إلى الدعم السريع باعتباره قوة مسلحة مستقلة قد تصبح تهديداً لمشروعهم في أي لحظة.
من هذه الزاوية يمكن فهم حرب 15 أبريل بصورة مختلفة. فالحرب لم تكن مجرد خلاف حول دمج القوات أو إصلاح المؤسسة العسكرية كما رُوِّج في كثير من الأحيان، بل كانت انفجاراً لصراع طويل على السلطة والنفوذ داخل الدولة السودانية.
لقد وجد الإسلامويون أنفسهم أمام خصمين رئيسيين: القوى المدنية التي تمتلك الشرعية الشعبية وصوت الشارع، والدعم السريع الذي يمتلك القوة العسكرية والقدرة على فرض نفسه كلاعب رئيسي في المشهد. ولذلك أصبحت البلاد مسرحاً لصراع مفتوح كانت نتيجته انهيار مؤسسات الدولة وتدمير المدن وتشريد الملايين.
المفارقة المؤلمة أن الشعب السوداني كان الضحية في كل المراحل.
في فض الاعتصام قُتل الشباب الذين خرجوا مطالبين بالحرية والسلام والعدالة. وفي حرب أبريل فقد ملايين السودانيين منازلهم وأعمالهم واستقرارهم. وبين الجريمتين ظل المواطن السوداني يدفع ثمن صراع النخب السياسية والعسكرية على السلطة.
إن قراءة أحداث السودان خلال السنوات الأخيرة تكشف صورة قاتمة لطبيعة المشروع الذي حكم البلاد لعقود. فبدلاً من قبول التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، جرى التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة يجب الاحتفاظ بها مهما كان الثمن. ولهذا لم يكن الدم السوداني عائقاً أمام تنفيذ المخططات السياسية، ولم تكن وحدة البلاد أولوية أمام حسابات النفوذ والسلطة.
ولهذا يرى كثير من السودانيين أن مجزرة فض الاعتصام لم تكن حدثاً منفصلاً عن حرب أبريل، بل كانت مقدمة لها. فهناك خيط سياسي واحد يربط بين الجريمتين: السعي إلى إعادة تشكيل السلطة بالقوة، وإقصاء كل من يقف في طريق هذا المشروع، سواء كان قوى مدنية تحمل مشروع الدولة الديمقراطية أو قوات مسلحة خرجت لاحقاً عن دائرة النفوذ التي أرادها الإسلامويون لها.
وبعد سنوات من الدم والدموع والدمار، تبقى الحقيقة الثابتة أن السودان دفع ثمناً باهظاً لصراع لم يكن هدفه حماية الوطن، بل السيطرة عليه. وما لم تُكشف كل الحقائق المتعلقة بفض الاعتصام والحرب، وما لم تتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، فإن جراح السودان ستظل مفتوحة، وسيظل السؤال الذي يطارد الجميع قائماً: كم من الدماء كان يجب أن تُراق حتى يدرك السودانيون أن الصراع الحقيقي لم يكن من أجل الوطن، بل من أجل السلطة؟





