المهرجانات المسرحية في السودان

السر السيد

السر السيد

يمكن القول إن المهرجان المسرحي يعد واحدًا من أهم أدوات تنشيط الحركة المسرحية؛ فالمهرجان، كما نعلم، لا يقف دوره عند تقديم عروض مسرحية خلال أيام معدودة، وإنما يمثل فضاءً للإنتاج والتدريب والتبادل الثقافي، ونافذةً لاكتشاف المواهب، ومنبرًا للنقد والحوار، وآليةً لتوسيع قاعدة الجمهور. ولذلك فإن نجاح أي مهرجان لا يقاس بعدد العروض أو الضيوف أو سنوات الاستمرار، وإنما بقدر ما يضيفه إلى الحركة المسرحية التي خرج منها.

عند النظر إلى تجربة المهرجانات المسرحية في السودان، وأعني هنا تلك التي تقام في ولاية الخرطوم، يبرز سؤال جوهري: هل نجحنا في بناء مشروع للمهرجانات المسرحية، أم أننا اكتفينا بتعددها؟

يمكن التأريخ لبداية المهرجانات المسرحية في السودان بالعام 1990، حين نظم اتحاد الممثلين السودانيين مهرجان الفرق والجماعات المسرحية الأول، لكنه توقف بعد دورته الأولى. وفي العام 1993 أقامت منظمة نمارق للآداب والفنون مهرجان نمارق للمسرحيات القصيرة، واستمر ثلاث دورات قبل أن يتوقف. ثم جاء المهرجان الشبابي الأول للمسرح التجريبي عام 1998، من تنظيم اتحاد الشباب الوطني، ولم يتجاوز دورته الأولى. وفي العام 2000 انطلقت أيام البقعة المسرحية، التي أصبحت لاحقًا مهرجان البقعة الدولي للمسرح، وهو أقدم المهرجانات السودانية المستمرة حتى اليوم. وفي العام 2006 شهد المسرح القومي انطلاق أيام الخرطوم المسرحية، التي أنجزت أربع دورات قبل أن تتوقف. ثم جاء مهرجان المسرح الحر عام 2011، وهو الآخر ما يزال مستمرًا، بينما شهد العام 2012 قيام مهرجان كلية البيان للمسرح الطلابي، الذي توقف بعد دورته الأولى. وفي العام 2016 انطلق مهرجان مجدي النور للمسرح التجريبي، قبل أن يتحول إلى مهرجان عبد الكريم ميرغني للمسرح، ليستمر تحت اسمه الجديد. وأخيرًا، شهد العام 2021 ميلاد مهرجان على هامش النيل المسرحي.

تكشف هذه المسيرة، الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، عن حيوية لافتة في المبادرات المسرحية، وفي الوقت نفسه، تشير إلى ظاهرة أخرى تستحق التأمل، وهي أن هذه المهرجانات تكاد تكون متشابهة في أهدافها ولوائحها وآليات عملها، حتى ليصعب على المتابع أن يحدد الفارق الجوهري بينها. فعند تأمل هذه الأهداف نجد أنها تدور، في معظمها، حول عبارات عامة مثل تطوير الحركة المسرحية، وتشجيع الإبداع، ورعاية المبدعين، وهي أهداف لا يختلف حولها اثنان، ومن هنا بدا وكأن كل مهرجان يعيد إنتاج الفكرة نفسها، دون أن يبحث عن مساحة مختلفة أو وظيفة جديدة داخل المشهد المسرحي.

وليت التشابه وقف عند حدود الأهداف، لكنه امتد إلى طبيعة المشاركة نفسها. فمعظم هذه المهرجانات لا تمتلك هوية فنية واضحة، ولا تضع شروطًا تحدد طبيعة النصوص أو المدارس المسرحية أو الفئات المستهدفة، كما لا تميز بين المسرح الاحترافي ومسرح الهواة، وهكذا يتنافس الجميع داخل إطار واحد، على الجوائز نفسها، وفق معايير تكاد تكون واحدة في كل المهرجانات.

 

بل إن الجوائز والأنشطة المصاحبة أصبحت، هي الأخرى، صورة متكررة؛ فالجائزة الكبرى، وجوائز الإخراج والتمثيل والنص والسينوغرافيا والموسيقى، إضافة إلى ندوات النقد التطبيقي وبرامج التكريم، تكاد تكون القاسم المشترك بين جميع المهرجانات، دون أن يسعى كل مهرجان إلى بناء شخصيته الخاصة أو تقديم إضافة تميزه عن غيره.

ومن الملاحظ أيضًا أن هذه المهرجانات تعتمد، بدرجات متفاوتة، على الدعم الحكومي، سواء كان دعمًا ماليًا أو لوجستيًا، من خلال توفير المسارح والمرافق العامة أو التغطية الإعلامية الرسمية. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاعتراض، فالدولة مطالبة برعاية الثقافة، لكن الاعتماد شبه الكامل على هذا النوع من الدعم يطرح سؤالًا مشروعًا حول الاستدامة، كما يفرض ضرورة البحث عن صيغ تمويل أخرى، يكون للمجتمع والقطاع الخاص والجمهور دور فيها.

ورغم هذه الملاحظات، لا بد من الاعتراف بأن المهرجانات قدمت خدمات لا يمكن إنكارها للحركة المسرحية السودانية. فقد أسهمت في تحويل المسرح إلى مناسبة ثقافية ينتظرها الجمهور، وأتاحت الفرصة أمام عدد كبير من الشباب لخوض تجربتهم الأولى على خشبة المسرح، كما شجعت، في بعض الأحيان، على النشر المسرحي والتوثيق، وهي جوانب تحتاجها المكتبة المسرحية السودانية بصورة ملحة.

لكن، في المقابل، أفرزت هذه التجربة عددًا من الإشكالات التي لا يجوز تجاوزها. أولها أن التشابه الكبير بين المهرجانات أضاع فرصة التنوع، إذ كان بالإمكان أن يتخصص كل مهرجان في مجال معين؛ كمسرح الطفل، أو المسرح الجامعي، أو المسرح التجريبي، أو مسرح الهواة، أو المسرح النسوي، إلخ؛ وبذلك تتحول المهرجانات إلى منظومة متكاملة، لا إلى نسخ متعددة من الفكرة نفسها.

أما الإشكال الثاني، فهو غياب الرؤية التخطيطية. فلم تنشغل هذه المهرجانات، بالقدر الكافي، بأسئلة من قبيل: ما نوع النصوص التي ينبغي تشجيعها؟ ولماذا يغيب النص العربي أو المترجم عن المنافسة في معظم الدورات؟ ولماذا لا يحظى الإعداد المسرحي والترجمة بما يستحقانه من اهتمام؟ إن مثل هذه الأسئلة ضرورية لأي مشروع جاد لتطوير المسرح.

وثمة إشكال آخر يتعلق بالإنتاج المسرحي نفسه. فقد أدى ضعف الميزانيات المخصصة للعروض إلى إنتاج أعمال محدودة الإمكانات، تنتهي حياتها بانتهاء المهرجان، وكأن الغاية أصبحت إنتاج عرض للمسابقة، لا إنتاج مسرحية تعيش وتتطور وتصل إلى جمهورها. وهكذا أسهمت هذه المهرجانات، ولو بدرجات متفاوتة، من حيث لا تقصد، في تكريس ما يمكن وصفه بالفقر الإنتاجي داخل المسرح السوداني.

كما أن العلاقة الوثيقة بين المهرجانات والجهات الرسمية تستدعي، هي الأخرى، قدرًا من المراجعة. فالمسرح، بطبيعته، فن يطرح الأسئلة ويمارس النقد، وكلما تنوعت مصادر تمويله واتسعت دائرة شركائه، ازدادت قدرته على الاحتفاظ باستقلاليته، والقيام بدوره الثقافي بعيدًا عن أي شكل من أشكال التبعية.

إن المشكلة، كما أرى، ليست في كثرة المهرجانات، وإنما في غياب المشروع الذي ينظمها. فما الذي يمنع أن يتحول أحدها إلى مهرجان لمسرح الطفل، وآخر للهواة، وثالث للمسرح الجامعي، ورابع للنصوص الجديدة، وخامس للمسرح التجريبي؟ وما الذي يمنع من إعادة توزيعها على مدار العام، بدل تكدسها في فترة زمنية واحدة أو متقاربة؟ وما الذي يمنع من توسيع فضاءات العرض لتشمل مدنًا وأحياءً مختلفة، بدل الاكتفاء بمسرح أو مسرحين في وسط العاصمة؟

ولعل الخطوة الأهم تتمثل في أن تتبنى وزارة الثقافة إدارة متخصصة للمهرجانات، تتولى وضع استراتيجية وطنية، تحدد فلسفة كل مهرجان، وشروط اعتماده، وآليات تمويله، ومعايير تقييمه، حتى تصبح المهرجانات جزءًا من سياسة ثقافية واضحة، لا مجرد مبادرات منفصلة، مهما كانت قيمتها.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن لدينا القدرة على تنظيم المهرجانات، وأن الوسط المسرحي يمتلك الحماس اللازم لاستمرارها. لكن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مهرجانات أكثر عددًا، وإنما إلى مهرجانات أكثر وعيًا بوظيفتها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كم مهرجانًا عندنا؟ وإنما: أي حركة مسرحية نريد أن نبني من خلال هذه المهرجانات؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى