الشاعر يوسف الحبوب: خنقتُ آبائي الشعريين لأحبَّ نفسي

يصف الناقد نزار عثمان، القصيدة عند الشاعر يوسف الحبوب، بأنها لا تلاحق الحدث بقدر ما تلاحق أثره، فهو شاعر يكتب الندبة أكثر من مما يكتب الضربة، ويصغي إلى الرجع بعد انطفاء الصوت الأول، ففي كثير من نصوصه الشعرية يتراجع الحدث الواقعي إلى الخلفية بينما يتقدم خلَّفه في الروح من إرباك وأسئلة وصور.

وفي هذا الحوار لـ”أفق جديد” يقول الحبوب إنَّ الشعر هو اللعنة التي وُلدت في دمي قبل أن أتعلم النُطق. فبعد كل هذا العمر، يكتبه لأنَّ العمر لا يُشفي من الشعر. ويقول إنه رغم امتنانه لكل أولئك الآباء الشعريين، لكنه يدفنهم كل صباح كي يكتب قصيدته، فالشاعر الحقيقي يتيم.

أصدر الحبوب أربع مجموعاتٍ شعرية، هي: “مقاطع من أغنية لم تكتمل” و”محاولة لتسلق ظل الوردة” و”فزَّاعة تلوّح في ظهيرة يوم بطيء” و”35 ملمتر (نصوص بصرية)”.

حاوره المغيرة حربية

– لماذا الشعر، بعد كل هذا العمر والتجربة؟

– ليس الشعر اختيارًا لأتركه. هو اللعنة التي وُلدت في دمي قبل أن أتعلم النُطق. فبعد كل هذا العمر، اكتشفت أنني لم أتلبس بالقصيدة كي أخرج من ورطة الشعر. بالعكس، أنا الذي تورطت به كي أخرج من ورطة الحياة، لأنَّ الحياة، بكل هذا القبح، تحتاج إلى كذبة كبيرة اسمها القصيدة حتى تُطاق.

– هل عشت شاعرًا طوال الوقت؟

– نعم. حتى في صمتي كنت أكتب، حتى عندما كنتُ طفلًا ترسلني جدتي إلى دكان “أحمد اليماني”، والذي سُمِّيَت عليه المحطة الشهيرة بأب روف (محطة اليماني). كنتُ ألحظ وأوزن الكلمات لا البضاعة التي أطلب شراءها. الشعر لعنتي الكبرى، لأنه حرمني من أن أكون مواطنًا عاديًّا. لا أعرف كيف أفرح كالناس أو أحزن كالناس. كل فرح عندي مشروع قصيدة مجهضة، وكل حزن ديوان كامل.

لماذا أكتبه الآن؟ أكتبه لأنَّ العمر لا يُشفي من الشعر. الشيخوخة لا تقتل القصيدة، بل تصقل سكينها. صرت أكتب لا لأني أريد، بل لأنَّ الكلمات تطاردني في المنام وتطالبني بدَينٍ قديم. أنا مدين للقصيدة بكل خيبة عشتها، وهنا وفيتُ الدَين حبرًا.

– حدثني عن أصولك الشعرية، أولئك الآباء الذين حقنوا طفولتك الأولى ومن ثم تمرُّدُكَ الأول على كل شكل وأبٍ شعري.

– آبائي كانوا كُثرًا، وكان لا بُدَّ من أن أقتلهم جميعًا.

أول حقنة جاءتني من حكاوي الطفولة وحواديتها، ومن أغنيات السَّحَرة بحضورهم الباهي. امرأة عجوز تحكي عن “السَّحار” و”الغول”، فتتحول الحظيرة إلى مملكة. تلك كانت أول قصيدة سمعتها، بلا وزن ولا قافية، لكنَّها كانت تسكن الدم.

ثم جاء المتنبي، ووضع سيفه في يدي. علمني الكبرياء. علمني أن الشاعر سلطان ولو كان حافيًا. ثم جاء أمل دُنقل، وعلمني هو الآخر أن الكبرياء وحده لا يكفي، لا بُدَّ إذن من الغضب. غضبٌ نظيف كسكين الجزار (حنان ود عَشَّة) شيخه.

وتمردتُ نعم. فالتمرد يبدأ لحظة أن تدرك أن حذاء أبيك ضيق على قدميك. تمردتُ على الشكل العمودي حين خنقني، وعلى نظام التفعيلة حين صارت موضة، وعلى النثر حين تحول إلى ثرثرة. كل أبٍ شعري أحببته حتى الاختناق، ثم خنقته حتى أحب نفسي، ولأكون يوسف المحض، ذلك الطفل الذي وقف تحت زخات المطر وصاح: (يا مطيرة صبي لينا في عينينا). كانت عيني إحدى جداتي، وكنتُ أتخيلها في الأهزوجة وأسمع إيقاعًا داخليًّا لا علاقة له بالخليل بن أحمد. إيقاع اسمه: الدهشة.

لا زلت ممتنًا لكل أولئك الآباء الشعريين، لكنني أدفنهم كل صباح كي أكتب قصيدتي، فالشاعر الحقيقي يتيم، حتى لو كان أبوه المتنبي نفسه.

– تكتب كثيرًا، لكأن الحياة، حياتك، ليس فيها غير الشعر. فكيف تفهم الشعر في هذا العالم الصناعي الضخم؟

– بل لا أكتب كثيرًا، لأنني أخاف من الشعر ومن الصمت في آن، وأقول عن نفسي:

“أنا شاعرٌ مُقلٌ

لأنَّ القصيدة ترعبني

تأخذني من ياقة قميصي

هكذا..

ثم ترفعني إلى أعلى

وتتركني

عاريًا إلا مني”.

وأنا رجلٌ تتملكني فوبيا الأماكن الشاهقة. وفي الصمت يموت كل شيء: الحُبُّ، المرأة، زهور الحدائق، حتى الله.

تقول لي: ما جدوى الشعر في عالم مُرسمل؟ أقول لك: وما جدوى الوردة في مصنع إسمنت؟ لكن المصنع يُبنى والوردة تبقى. العالم الصناعي الضخم هذا ينتج سيارات ودبابات وأجهزة آيفون، لكنه عاجز عن إنتاج دهشة واحدة. الدهشة صناعتي أنا.

نعم، كل شيء تشيّأ. الحب صار في “ستوري”، والمرأة صارت “كونتنت”، والحديقة صارت خلفية للتصوير. لكن القصيدة هي الفعل الوحيد غير القابل للتسليع. تستطيع أن تبيع ديواني، لكنك لا تستطيع أن تبيع الرعشة التي هزَّتني وأنا أكتبه.

الشعر هو احتجاج البدائي الأخير ضد الآلة. هو أن تقول “لا” بصوت عالٍ وجميل في عالم يطالبك أن تهمس “نعم” كي تعيش. أكتب لأن هناك طفلًا في أدغال أفريقيا، وفي مصنع في الصين، وفي خندق في أوكرانيا، لا يزال يحتاج إلى من يقول له إنَّ قلبه ليس ماكينة.

إذا مات الشعر، مات الإنسان. سيبقى كائن يستهلك وينتج ويموت، لكنَّه لن يكون إنسانًا أبدًا. سأظل أكتب حتى لو قرأني شخص واحد في هذا العالم. يكفيني أن أؤجل موت الدهشة ساعة واحدة.

– أمدرمان، كيف تخلقت هذه المدينة في مخيلتك الشعرية؟

– آهٍ يا أمدرمان، لم تكوني مدينة حين سكنتِني. كنتِ جُرحًا مفتوحًا في خاصرة النيل، وكنتُ أنا الملح. ويا صاحبي، لا تقل لي “بلدة هشة”. الهشاشة كذبة. أمدرمان كانت هشة كالقصيدة: تكسرها نفخة هواء، لكنَّها إذا انكسرت، تناثرت شظاياها في دمك أبد الدهر.

لم تتخلق فيّ. والله ما تخلقت. هي التي خلقتني. كنتُ طينًا لا ملامح له، فجاءت رائحة المطر الأول في (أب روف وبيت المال) ونحتت أنفي. جاء زئير الأسد من قفصه في “حديقة الحيوان”، فشقّ حُنجرتي وقال: “اصرخ”. جاء آذان الفجر من مئذنة “جامع شيخ أحمد” فغسل قلبي بماء الوضوء وقال: “تطهّر”. وجاءت غنوة صعلوك سكران في آخر الليل، مقبلًا في الهزيع الأخير من (القماير والحُفر)، يبكي على بنتٍ اسمها “ست النفر”، فعلمني أنَّ الحُب مذبحة… وأن المذبحة تستحق الغناء.

أمدرماني الأولى لم تكن ترابًا ولا بيوتًا. كانت “رائحة”. من يشم أمدرمان مرة، لا يتعافى. رائحة التمباك من فم ساكنيها وهم يحكون عن كرري كأنَّهم عائدون منها الآن. رائحة البن المحروق على منقد في “سوق العناقريب”، وصوت النحاس يئن تحت يد “الفكي”. رائحة السمك الطازج في “الموردة”، والنيل يمسح على قدميه كأنَّه يعتذر عن ذنبٍ لم يرتكبه. هذه الروائح كانت حبري الأول. قبل أن أمسك قلمًا، كنتُ أتنفس قصيدة.

أما الشوارع… يا الله على الشوارع. “شارع ود عبد الماجد”، ثم شارع اللبخ، شارع الدومة، شارع السوق، شارع الموردة، لم يكن أسفلتًا. كان عمرًا كاملًا من المشي والخيبة. كل حجر فيه يعرف مقاسي. مشيت فيه حافيًا، فوشمني. مشيت فيه عاشقًا، ففضحني. مشيت فيه مهزومًا، فسترني. “حي أب روف” ذلك ليس حيًّا، ذلك ديوان مفتوح. الجدران هناك تحفظ الشعر أكثر من دفاتري. امرأة تبيع التسالي عند “استوب ود درو” قالت لي مثلًا شعبيًّا واحدًا، هدمت به كل بلاغتي. عرفت يومها أن الشعر يسكن في أفواه الجائعات، لا في كتب المترفين.

والناس كانوا لغتي قبل اللغة. “ود الرضي” لم أقرأه، بل شربته من حنجرة رجلٍ مخمور كان يمدحه في “زريبة الكاشف” وهو يبكي. “التجاني يوسف بشير” كان يمر طيفًا في “حي البوستة” كلما مرت سحابة، فأقول: “السلام عليك أيها المعذب”. أمدرمان لم تعطني شعراء، أعطتني بشرًا من قصائد.

– ماذا تبقى فيها منك؟

– تبقى فيها كل شيء. تركتُ صوتي معلقًا بين سعف نخلة في “ود نوباوي” لا تزال تحرسه. تركتُ دمعة أول حب عند “بوابة عبد القيوم” ولم أجرؤ أن ألتقطها حتى اليوم. تركتُ قصائدي الأولى ملصقة على أعمدة النور بـ”صمغ النشا”، قرأها السُكارى فتابوا، ومزقتها البلدية فصارت سمادًا للمدينة.

يقولون لي: “أمدرمان تغيرت”. أيها الحمقى، وهل يتغير الجرح؟ هو يكبر فقط. لا يزال الأسد يزأر في قفص صدري كلما جن الليل. لا يزال الصعلوك يغني في حارتي الداخلية كلما هجرتني امرأة. لا يزال الآذان يصعد من بئر روحي فجر كل خيبة.

أنا لم أخرج من أمدرمان. هي التي ضاقت بي حين اتسع حزني، فلفظتني إلى المنافي. لكنني كلما كتبتُ عن باريس، كانت مئذنة “الشيخ قريب الله” تميل في السطر. كلما وصفتُ امرأة، كانت عيناها ماء “النيل” سليل الفراديس. كلما رثيتُ وطنًا، كنتُ أرثي زقاقًا في “حي الدباغة”، أو في “فريق ريد”. وبكلمة واحدة أخيرة: أمدرمان ليست مدينة. أمدرمان هي القصيدة التي ستقتلني. كلما كتبتُ بيتًا، ركضتْ مني إلى زقاقٍ أعمق. وسأظل أركض خلفها حتى أسميها، أو أموت.

– كيف تنظر لصوت الشعر السوداني في خارطة الشعر الإنسانية؟

– الشعر السوداني ليس “صوتًا” في الخارطة، هو تضاريس كاملة، هو النيل يمشي عكس الجغرافيا.

العالم يتحدث عن “مركز” و”هامش”، والشاعر السوداني يكتب من قلب الهامش ويجعل المركز كله يلتفت. من التجاني يوسف بشير وهو يصارع السُّل ويكتب “إنشودة الجن”، إلى صلاح أحمد إبراهيم وهو يفكك العالم بـ”غابة الأبنوس”، إلى محمد المكي إبراهيم وهو يزرع “يختبئ البستان في الوردة” حتى آخر براكين عالم عباس وآخر بيت شعر من الطليعين والشعراء الجوالين التربدورات.

هذا شعر لا يستأذن، يدخل من الباب الرئيسي للوجدان الإنساني لأنه صادق لدرجة الوجع. ميزته أنه شعر “بينيين”: بين العربية والأفريقية، بين الصحراء والغابة، بين المدينة والقرية، بين الفصحى والعامية، بين التصوف والثورة. الشاعر السوداني يحمل في دمه كل هذه التناقضات لتنصهر ويخرج منها بنص لا يشبه أحدًا.

ويلاحظ ذلك عند اعتلاء شاعر سوداني لمنصة مهرجان عالمي، يلحظ المهم ويحس الناس أجمعين. ما يعيبه أنه شعر “مظلوم”. ظلمته الجغرافيا، وظلمته السياسة، وظلمته حتى منصات النشر. ولكن رب ضارة نافعة، فهذا الظلم جعله نقيًّا وخاليًا من التلوث، حال تلوث غيره بالجوائز المصنوعة، ولا بالشللية والنصوص المصنوعة مدفوعة الأجر.

يخرج من المدن والقرى ومن المنافي، ويوصل نيويورك وباريس وهو يرتدي عراقيًا وسروالًا ويعتمر عمامته البيضاء. أصيل حتى في غربته، فصوتنا الإنساني هو صوت الإنسان الذي عرف الحرب والجوع والحب والخراب الكبير، ولا يزال يكتب عن وردة. لذا فهو، في تقديري، أنبل صوت في الخارطة كلها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى