أطفال خارج المدرسة… جيل على حافة الضياع

أفق جديد – ابتسام حسن

لم تشفع براءة آلاف الأطفال لهم في البقاء بعيدًا من سوق العمل، بعدما دفعتهم ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي إلى مغادرة مقاعد الدراسة والارتماء في مهن هامشية محفوفة بالمخاطر.

وبينما كان يفترض أن تكون المدرسة بوابتهم نحو المستقبل، تحولت حياة كثير منهم إلى صراع يومي من أجل البقاء، في ظل أزمة تعليمية تتسع يومًا بعد آخر.

وتكشف الإحصاءات الرسمية حجم الكارثة؛ إذ بلغ عدد الأطفال المتسربين من التعليم قبل الحرب في عام 2023 نحو 7 آلاف طفل، قبل أن تقفز أرقام كبيرة عقب اندلاع الحرب في ظل غياب إحصاءات دقيقة بسبب تعقيدات الوضع الراهن.

ولم يكن خروج هؤلاء الأطفال من المدارس خيارًا، بل جاء نتيجة تداخل عوامل عدة، في مقدمتها الحرب والضغوط الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية. وانخرط كثير منهم في أعمال هامشية تعرضهم لمخاطر صحية وأمنية كبيرة، من بينها العمل في مجالات شاقة مثل التعدين، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والانتهاكات الجسيمة.

الأكثر خطورة أن بعض هؤلاء الأطفال وجدوا أنفسهم لاحقًا داخل دائرة الصراع المسلح، بعد انضمام عدد منهم إلى أحد طرفي الحرب، ليصبحوا وقودًا لمعركة لا تخص أعمارهم، ويخسروا بذلك فرصتهم في التعليم وبناء مستقبل آمن.

ويرى تربويون أن أزمة الأطفال خارج المدرسة باتت واحدة من أكبر التحديات التي تواجه مستقبل البلاد، محذرين من كارثة تعليمية غير مسبوقة تتفاقم بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي وضعف الاستجابة المؤسسية، بما يهدد بإنتاج جيل كامل محروم من حقه الأساسي في التعليم.

مراكز إيواء بدل مقاعد الدراسة

وأوضح الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين سامي الباقر أن أزمة الأطفال خارج أسوار المدارس كانت قائمة قبل اندلاع الحرب، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو سبعة ملايين طفل خارج العملية التعليمية، قبل أن تتفاقم بصورة غير مسبوقة مع اندلاع النزاع، وما صاحبه من نزوح واسع للأسر وتدمير وإغلاق آلاف المدارس.

وقال الباقر في تصريح لـ”أفق جديد” إن تحويل عدد كبير من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين أدى إلى تعقيد الأزمة، في وقت لا تزال فيه البلاد تفتقر إلى إحصاءات دقيقة ترصد الحجم الحقيقي للأطفال المحرومين من التعليم، فضلًا عن غياب خطة وطنية شاملة للتعامل مع هذه الكارثة.

وأشار إلى أن ما يقدم حاليًا من حلول لا يتجاوز مبادرات محدودة وجهودًا متفرقة، رغم أهميتها، لكنها لا تتناسب مع حجم الأزمة المتفاقمة، مؤكدًا أن الوضع يتطلب تدخلًا عاجلًا من الدولة، باعتبار أن التعليم حق دستوري لا يمكن التعامل معه كخدمة قابلة للتأجيل.

خطة إنقاذ تبدأ بوقف الحرب

قال الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين سامي الباقر إن معالجة أزمة الأطفال خارج المدرسة تبدأ بإيقاف الحرب، باعتبارها العامل الرئيس في انهيار العملية التعليمية، يلي ذلك وضع خطة وطنية شاملة لإعادة جميع الأطفال إلى مقاعد الدراسة.

وأوضح أن الخطة المطلوبة ينبغي أن تتضمن إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتوسيع الطاقة الاستيعابية، وإنشاء فصول مؤقتة في مناطق النزوح والعودة، إلى جانب تطبيق برامج التعليم المسرع للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة، وتوفير الكتاب المدرسي والوجبة المدرسية والدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة، فضلًا عن تحسين أوضاع المعلمين لضمان استقرار العملية التعليمية.

وأشار الباقر إلى أن السودان لا يحتاج إلى البدء من الصفر، مبينًا أن دولًا عدة مرت بتجارب الحروب والنزاعات وتمكنت من إعادة ملايين الأطفال إلى المدارس، ويمكن الاستفادة من تلك التجارب وتكييفها بما يتناسب مع الواقع السوداني.

وشدد على أن أي حديث عن إعادة الإعمار أو بناء الدولة بعد الحرب سيظل منقوصًا إذا بقي ملايين الأطفال خارج مقاعد الدراسة، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي، وأن تأخير إنقاذ التعليم اليوم ستكون له كلفة كبيرة على مستقبل البلاد لعقود مقبلة.

اختلالات مزمنة تعيق التعليم

يواجه قطاع التعليم بصورة عامة اختلالات بنيوية وتحديات هيكلية متراكمة أضعفت قدرته على الاستجابة لاحتياجات الطلاب، وجعلت المؤسسات التعليمية أقل قدرة على رعاية الشرائح الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال خارج المدرسة.

ويرى تربويون أن تجاوز الأزمة يتطلب زيادة الإنفاق على التعليم، ورفع العبء عن أولياء الأمور الذين أصبحوا يتحملون جانبًا كبيرًا من تكاليف تشغيل المدارس، الأمر الذي يدفع بعض الأسر، تحت ضغط الأوضاع المعيشية، إلى إخراج أبنائها من العملية التعليمية.

ويشدد المختصون على أهمية التوسع في بناء المدارس، وإعادة تأهيل وصيانة المؤسسات التعليمية التي تضررت جراء الحرب، وتحسين البيئة المدرسية، والالتزام بمبدأ مجانية وإلزامية التعليم في مرحلة الأساس، إلى جانب تعزيز دور المنظمات الدولية المعنية بالتعليم في دعم جهود إعادة إعمار المؤسسات التعليمية وتوفير الاحتياجات الأساسية.

غير أن هذه الحلول، بحسب تربويين، لا تزال تصطدم بضعف الاهتمام الرسمي بقطاع التعليم، وتراجع حجم الإنفاق الحكومي عليه، فضلًا عن تعقيدات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر التي أثقلت كاهل الأسر.

وزادت الحرب من حدة الأزمة، بعدما أجبرت أعدادًا كبيرة من المواطنين على النزوح واللجوء، وتوقفت مدارس عديدة عن العمل بسبب الأضرار التي لحقت بها، كما فقد كثير من الأطفال السند الأسري والدعم الاجتماعي، ما جعل عودتهم إلى مقاعد الدراسة أكثر صعوبة.

استقرار سياسي شرط للعودة إلى المدارس

قالت الخبيرة التربوية درية حسن إن أزمة الأطفال خارج المدرسة تفاقمت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى تزايد الأعداد عقب اندلاع الحرب.

وأكدت حسن أن إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة تبدأ بوقف الحرب وتحقيق السلام، باعتبارهما المدخل الأساسي لتحقيق الاستقرار السياسي وتهيئة المناخ المناسب لعملية الإصلاح وإعادة بناء المؤسسات التعليمية.

ودعت إلى إنشاء آلية وطنية تتولى متابعة وتنفيذ السياسات التنموية الخاصة بالتعليم، وتعزيز الشراكات الدولية لتوفير التمويل اللازم، إلى جانب وضع آليات اجتماعية لمساندة الأطفال المتأثرين بالحرب وتأهيلهم للعودة إلى حياتهم الطبيعية.

وشددت على أهمية تصميم برامج تعليمية بديلة تتسم بالمرونة، وتراعي ظروف الأطفال واحتياجاتهم، بما يتيح لهم مواصلة تعليمهم سواء عبر المسار الأكاديمي أو التعليم الفني والمهني، واكتساب المهارات التي تساعدهم في بناء مستقبلهم.

صعوبة العودة إلى مقاعد الدراسة

تقول التربوية قمرية: إن أعداد الأطفال خارج أسوار المدارس ليست قليلة، خصوصًا في مناطق النزاعات، مشيرة إلى أن حجم الأزمة يختلف باختلاف الفئات العمرية، إذ تتباين فرص عودة الأطفال إلى العملية التعليمية بحسب أعمارهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضحت أن أطفال الحلقة الأولى، من الصف الأول وحتى الثالث، تكون فرص عودتهم إلى المدارس أكبر، باعتبار أن أعمارهم صغيرة ولم يبتعدوا لفترات طويلة عن المسار التعليمي، خاصة إذا كانوا خارج مناطق النزاع. في المقابل، تصبح عودة الفئات العمرية الأكبر أكثر صعوبة، إذ إن تقدم العمر غالبًا ما يدفع الأطفال إلى الانخراط في سوق العمل نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تواجه أسرهم.

وقالت قمرية في تصريح لـ”أفق جديد” إن أوضاع الأطفال الموجودين داخل البلاد تختلف عن أوضاع النازحين واللاجئين وطالبي اللجوء، غير أن العامل المشترك بينهم هو الظروف الاقتصادية القاسية التي تواجه كثيرًا من الأسر، ما يدفع أبناءها في أعمار مختلفة إلى البحث عن مصادر دخل بدلًا من العودة إلى مقاعد الدراسة.

وأكدت أن إعادة هؤلاء الأطفال إلى التعليم تحتاج إلى جهود أكبر وخطة علمية ومدروسة ومدعومة، تراعي واقعهم وظروفهم، وتوفر لهم مسارات تعليمية مناسبة تساعدهم على استعادة حقهم في التعليم والاندماج مجددًا في المجتمع.

عجز الدولة يوسع فجوة التعليم

قال مدير مكتب التعليم السابق الإمام عبد الباقي الإمام إن شريحة واسعة من الأطفال أصبحت خارج أسوار المؤسسات التعليمية، عازيًا ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها عجز الدولة عن توفير حق التعليم للمواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأوضح الإمام أن الاتفاقيات الدولية تنص على أن التعليم حق أصيل ومجاني وإلزامي، إلا أن الدولة لم تتمكن من الوفاء بهذا الالتزام نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الحرب، إلى جانب موجات النزوح والهجرة، وتراجع قدرة الأسر على تحمل الرسوم الدراسية وتكاليف التعليم المرتفعة.

وأشار في تصريح لـ”أفق جديد” إلى أن الإجراءات والاشتراطات المرتبطة بالقبول تمثل عائقًا إضافيًا أمام عودة كثير من الأطفال إلى المدارس، لافتًا إلى أن بعض المؤسسات تشترط وجود شهادة ميلاد ورقم وطني وشهادة قيد، وهي مستندات فقدها عدد كبير من المواطنين خلال عمليات النزوح والتشريد.

وأضاف أن انتشار الأمية وسط قطاعات واسعة من المجتمع أسهم كذلك في تعقيد الأزمة، إذ لا تزال بعض الأسر تنظر إلى التعليم باعتباره أمرًا غير ذي أولوية، وترى أن توجيه طاقة الطفل نحو العمل والمساهمة في دخل الأسرة أكثر فائدة في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة.

وأكد الإمام أن كثيرًا من الأطفال في سن التمدرس أصبحوا يعملون في مهن هامشية بدلًا من الجلوس في الفصول الدراسية، مثل بيع الأكياس، وتلميع الأحذية، وغسيل السيارات، والعمل في أكشاك بيع المرطبات، فضلًا عن الانخراط في أنشطة أكثر خطورة مثل التعدين العشوائي عن الذهب، ما يعرضهم لمخاطر صحية واجتماعية وأمنية كبيرة.

الوزارة تلتزم بالتعليم البديل

أكد وزير التربية والتعليم الوطني الدكتور التهامي الزين حجر التزام الوزارة بتوسيع فرص التعليم أمام الأطفال خارج المدرسة، باعتبارهم من الفئات ذات الأولوية في خطط وسياسات الوزارة، مشددًا على أن التعليم البديل يمثل أحد المسارات الأساسية لضمان وصول هذه الشريحة إلى حقها في التعليم.

وأوضح الوزير أن الوزارة تعمل على تعزيز فرص الوصول الآمن والمنصف إلى التعليم، وتطوير برامج التعليم البديل بما يتناسب مع احتياجات الأطفال وظروفهم المختلفة، وبما يحقق أهداف العدالة التعليمية، بالتنسيق مع الشركاء الوطنيين والدوليين.

وأشار إلى أن الاهتمام بالأطفال خارج المدرسة يأتي في إطار التزام الدولة بضمان حق التعليم للجميع، مؤكدًا استمرار العمل على تطوير السياسات والبرامج التي تساعد على إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وتمكينهم من مواصلة تعليمهم في مختلف ولايات البلاد.

ودعا إلى الاستفادة من التجارب والخبرات المتاحة في تطوير البرامج التعليمية والسياسات المرتبطة بالأطفال خارج المدرسة، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية للتحديات الراهنة واحتياجات هذه الفئة.

وجاء ذلك خلال فعالية نظمتها الوزارة لمراجعة برنامج التعليم البديل وتحديثه بما يواكب المتغيرات التي يشهدها قطاع التعليم في السودان، ويسهم في توفير مسارات تعليمية مناسبة للأطفال الذين حالت الظروف دون استمرارهم في الدراسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى