إبراهيم تراوري أي جنرال

نمارق الجاك

بحسب موسوعة ويكيبيديا، هو إبراهيم تراوري، ضابطًا عسكريًا من بوركينا فاسو، ولد في عام 1988م، وهو القائد لبوركينا فاسو منذ 30 سبتمبر 2022. اشتهر تراوري بشكل واسع بعد توليه الرئاسة برفضه تقاضي راتب رئيس الجمهورية، ومطالبته بالاستمرار في تقاضي راتبه كـ”نقيب”، وذلك برهان على انتهاجه سياسات متقشفة لمحاربة الفساد.

يظهر دائمًا بزيه العسكري، على عكس الكثير من القادة العسكريين، ولا يرتدي البدلات الرسمية المدنية بعد توليهم السلطة. يصر تراوري على الظهور الدائم بالبزة العسكرية الميدانية، والسترة الواقية من الرصاص، والقبعة الحمراء. حازم في قراراته، حيث طرد القوات الأجنبية (الفرنسية)، واتجه إلى معسكر فلاديمير بوتين، حيث يستقبله العجوز القوي استقبالًا حارًا.

أنجز تراوري مشاريع عديدة، أبرزها مجانية التعليم والاعتماد على الإنتاج المحلي من القماش.. وكم تتوق القارة السمراء إلى “الدكتاتور التنموي”. لم تكن العسكرة مرادفة للتنمية في جميع الأحيان، لكن الديمقراطية حين تغيب عنها التنمية كرافعة تتصدع وتذبل، خاصة في ظل الديمقراطيات الهشة والاقتصاديات المفقرة والمعولمة في آن.

إن السياقات التي يوجد فيها السودان قد تختلف عن سياقات بوركينا فاسو، لكن الإرادة والتخطيط يذللان العقبات من خلال السياسات العامة في كل الأطر. حقيقة الأمر، كلهم جاءوا بانقلاب عسكري، ويا للمفارقة بين الجنرالين: الأول شاب حار الدماء غيور، والآخر جنرال في الخرطوم تتحكم فيه الدولة العميقة.

إن بوركينا فاسو ليست المثال الأوحد، فالنماذج كثيرة لدول محطمة أصبحت اليوم ذات ثقل اقتصادي كبير، تخوض حربًا اقتصادية مع قوى تمسك بالعالم بقبضة حديدية “الغرب”. هي الصين، دولة الحزب الواحد، في سالف الأزمان مزقتها المجاعة وعذابات العمال، واليوم تطرح بكين كبديل للغرب في الاستثمار الخارجي، ما يعرف بالعولمة البديلة بدلًا عن أمريكا. لكن السودان في ظل الانهيار المؤسسي لا يكشف تفاصيل صفقة النحاس، تُهمل فيه الزراعة، ويهرب فيه صمغ الهشاب، عندها لا تكون هنالك عولمة بديلة أو استثمار بفرص متساوية، اقتصاد سائب.

إن تصريح وزير المالية جبريل إبراهيم أن المرتبات تكفي لثلاثة أيام، واجتهدنا أن تكون ثلاثة عشر يومًا، لكن التضخم حال دون ذلك. من المعروف أن الحرب تثقل كاهل الاقتصاد والناس. أتساءل: ما دلالة تصريحه؟ هل إننا نحاول لكن ما باليد حيلة؟ وهل يعوّل على الداخل أم الخارج؟

يقول داروان وجيمس في كتاب “كيف تفشل الأمم”: “الفقر ليس قرارًا جغرافيًا أو ثقافيًا بل سياسيًا. الآليات الخارجية غالبًا ما تفشل إذا لم تصحبها عملية تمكين مجتمعي، حيث تكسر احتكار النخبة للسلطة. إن بناء التعددية وحماية الحقوق وتحفيز المجتمع المدني هي السبل لكسر القيد نحو الازدهار.”

في حقل الألغام السياسية ومصالح النخب القديمة التي تطمح بالفقر، تولد نخب اقتصادية جديدة (القانون الحديدي). الأزمة المالية العالمية 2008 لم تفلس فرنسا بقدر جارتها الأوروبيات، لأن لديها شركات تعدين ذهب في دارفور، لكن جنوب السودان راحت بنفطها، شلّ الاقتصاد، وحظر مرور السفن في مضيق هرمز يرفع تكلفة المشتقات البترولية على السودان، مما يصعب على صغار المزارعين عمليات الحرث والحصاد.

ويقدّم التقرير المعنون “ما بعد النزاع: رسم مسار نحو نمو وتنمية مستدامين في السودان”، والصادر بشكل مشترك عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، التحليل الأكثر شمولًا حتى الآن للسيناريوهات طويلة الأمد لمسار التنمية في السودان منذ اندلاع القتال في أبريل 2023. ويعرض التقرير تقديرات دقيقة لتكلفة السنوات الثلاث الماضية من الحرب، إضافة إلى حجم الخسائر المتوقعة في حال استمرار النزاع.

خسر السودان ما يُقدّر بـ6.4 مليار دولار أمريكي من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، مع انزلاق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد. في وقت تراجع فيه متوسط الدخل إلى مستوى لم يُسجّل منذ عام 1992، بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي. ويبلغ عدد النازحين أكثر من 13 مليون شخص.

وفي حال استمرار الحرب حتى عام 2030، يتوقع التقرير أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان في عام 2043 بمقدار 34.5 مليار دولار مقارنةً بسيناريو غياب النزاع، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1,700 دولار. كما سيتجاوز معدل الفقر المدقع 60% من السكان، أي ما يعادل 52 مليون شخص، وهو ما يزيد بـ34 مليون شخص عما كان متوقعًا دون الحرب، أي بزيادة تفوق إجمالي عدد سكان غانا.

قد تُعيد الحرب اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع لتتجاوز 60%، وانزلاق 34 مليون شخص إضافي إلى دائرة الحرمان، في حال استمرار النزاع الحالي حتى عام 2030، (الله يكضب الشينة).

مقارنة مثيرة للسخرية بين إبراهيم تراوري، القائد الذي رفع بلاده بانتهاج سياسات تنموية، وبين قائد زجّ شعبه تحت لهيب الحروب، ووزير مالية خلع بدلته العسكرية متمردًا بلا إيمان، وموقّع على اتفاقية سلام أضحى بموجبها وزيرًا بلا رؤية. وددت لو يفهم لغة الاقتصاد المعقدة، ربما يفهم، لكنه لا يكترث (مسردب).

كتب عمر سيد أحمد إلى صحيفة التغيير مقالًا بعنوان “الاقتصاد السوداني في ظل حربين: السلطة والموارد واستدامة الصراع”، يقول عمر:

في 2022، كان سعر الدولار 570 جنيهًا. في أبريل 2026 أصبح 4,150 جنيهًا في السوق الموازي. هذا ليس انخفاضًا في قيمة العملة — هذا انهيار نظام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى