دار الرياضة أم درمان..

عادل يعقوب أحمد نور

ثمة أماكن لا تقاس بمساحتها، وإنما بما تركته من أثر في أرواح الناس. أماكن إذا غابت بقيت حاضرة، وإذا تغيرت ظلّت صورتها الأولى معلقة في الذاكرة، لا يطالها الزمن. وكانت دار الرياضة بأم درمان واحدة من تلك الأماكن.

لم تكن ملعباً يفاخر بعشب أخضر أو مدرجات شاهقة، ولم تكن تعرف شيئاً عن مواصفات الفيفا أو كاميرات النقل الحديثة. كانت أكثر تواضعاً من كل ذلك، وأكثر ثراءً أيضاً. كانت قطعة من أم درمان، أو لعلها كانت أم درمان نفسها وهي ترتدي قميص كرة القدم.

كان الحوش المسوّر بالحجارة يشبه حضن المدينة. الأرض الترابية لم تكن عيباً، بل كانت جزءاً من الحكاية. وعلى الكراسي الحديدية المتلاصقة كان الناس يجلسون متجاورين، كأن المكان يخشى أن تتسلل المسافات بين القلوب، فيقرّب الأجساد حتى تبقى الأرواح متآلفة.

هناك، لم يكن أحد يسأل من أين جئت، ولا في أي حي تسكن، ولا ماذا تعمل. كان يكفي أن تدخل دار الرياضة حتى تصبح واحداً من أهلها.

وحين تبدأ المباراة، كانت أم درمان كلها تدخل الملعب.

تعرف أصوات المشجعين قبل أن ترى وجوههم. تعرف البائع الذي يحمل التسالي، وذلك الذي ينادي على الماء البارد، وصاحب الشاي الذي يعرف زبائنه واحداً واحداً. حتى الغبار الذي كانت تثيره الأقدام، كان يبدو وكأنه يشارك في التشجيع.

وعلى تلك الأرض مرّ رجال صاروا جزءاً من ذاكرة السودان؛ سبت دودو، قرعم، برعي، جكسا، وصديق منزول، وغيرهم ممن لعبوا الكرة كما لو كانوا يعزفون لحناً تحفظه المدينة عن ظهر قلب.

لم يكونوا نجوماً بعيدين عن الناس. كانوا أبناء هذه الشوارع، تصافحهم في السوق، وتلتقيهم في الحافلة، وتشرب معهم الشاي على الرصيف. لذلك كان التصفيق لهم يشبه التصفيق لأحد أفراد الأسرة.

ولعل أجمل ما في دار الرياضة لم يكن ما يحدث داخل المستطيل الترابي، وإنما ما كان يحدث حوله.

هناك وُلدت صداقات امتدت لعشرات السنين. وهناك تعارف أناس صاروا فيما بعد أصهاراً وجيراناً وشركاء عمر. كانت المدرجات تصنع مجتمعاً كاملاً، لا جمهوراً عابراً.

وكانت “المكاواة” فناً أم درمانياً خالصاً. كلمات ساخرة، وضحكات عالية، وتعليقات ذكية، لكنها لا تجرح أحداً. ينتهي اللقاء، فيخرج الهلالابي والمريخابي والموردابي يسيرون في شارع واحد، يتجادلون حتى أقرب موقف للمواصلات، ثم يفترقون على موعد جديد مع مباراة أخرى، وضحكة أخرى.

في تلك الأيام، لم تكن كرة القدم سبباً للخصومة، بل مناسبة للقاء. وكانت المنافسة تزيد المحبة بدلاً من أن تنقصها.

لهذا لم تكن دار الرياضة مجرد ملعب. كانت مدرسة غير مكتوبة، تعلم الناس كيف يختلفون دون أن يفقدوا احترامهم لبعضهم، وكيف يهتفون لفريقهم دون أن يكرهوا الفريق الآخر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى