أجيال السودان وإهدار التعليم (18)

عثمان يوسف خليل 

إذا أردنا أن نفهم لماذا لا يشارك الطالب في داخل الفصل، بل لماذا يتردد، ولماذا يفضّل الصمت حتى وهو يعرف الإجابة الصحيحة… فعلينا أن نطرح هذا السؤال بصدق:

لماذا يخاف الطالب من الخطأ؟

إن الأمر في ظاهره، يبدو خوفًا طبيعيًا. لكن حين يصبح الخوف هو القاعدة، والتجربة هي الاستثناء، فهنا تكمن المشكلة.

إذًا من أين يبدأ الخوف؟

الخوف من الخطأ لا يولد فجأة، بل يُبنى تدريجيًا:

* حين يُقابل الخطأ بالسخرية

* حين يُعاقب الطالب على المحاولة

* حين يُكافأ الحفظ فقط، ويُهمل التفكير

* حين تصبح “الإجابة النموذجية” هي الطريق الوحيد للنجاح

مع الوقت، يتعلم الطالب درسًا غير مكتوب:

 

“السلامة في الصمت”.

الخطأ… عدو أم معلم؟

في كثير من أنظمتنا التعليمية، يُعامل الخطأ كفشل. لكن في الحقيقة، الخطأ هو جزء أساسي من التعلم. إن الطفل لا يتعلم المشي دون أن يسقط، ولا يتعلم الكلام دون أن يخطئ، فلماذا نتوقع أن يتعلم التفكير دون تجربة؟

حين يخاف الطالب من الخطأ، نحن لا نحميه،

بل نمنعه من التعلم.

ثقافة الفصل… أين المشكلة؟

في بعض الفصول:

* المعلم يسأل، والطلاب يتجنبون النظر إليه

* الصمت يُفهم على أنه “احترام”

* والخطأ يُفهم على أنه “ضعف”

وهنا تتحول المدرسة من مساحة تعلم… إلى مساحة اختبار دائم…

بينما في بيئة صحية:

* الخطأ يُناقش

* الفكرة تُطوّر

* الطالب يُشجَّع على المحاولة

ما علاقة هذا بكل ما سبق؟

ما تحدثنا عنه في الحلقة السابقة (العصف الذهني) لا يمكن أن ينجح في بيئة تخاف من الخطأ.

فالعصف الذهني يقوم أساسًا على:

* حرية الفكرة

* غياب الحكم المسبق

* تقبل كل الاحتمالات

وعليه إذا لم نشعر الطالب بالأمان، فلن يفكر. وبالتأكيد إذا لم يفكر، فلن يتعلم.

كيف نغيّر هذه الثقافة؟

إن التغيير لا يحتاج إلى معجزات، بل وعيًا بسيطًا:

 

* أن يوضح المعلم أن الخطأ جزء من التعلم

* أن يُكافأ الطالب على المحاولة، لا فقط على الإجابة الصحيحة

* أن يتحول السؤال من اختبار… إلى دعوة للتفكير

* أن يرى الطالب معلمه يعترف بخطئه أحيانًا

عليه، فإن هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا.

في النهاية… ماذا نخسر؟

حين يخاف الطالب من الخطأ، نخسر:

* فضوله

* شجاعته

* قدرته على التفكير

ونكسب فقط… طالبًا يحفظ.

وفي بلد يحتاج إلى حلول، لا إلى التكرار، هذه خسارة كبيرة. إن التعليم الحقيقي لا يُبنى على الخوف… بل على الثقة.

وفي الحلقة القادمة، يمكن أن نذهب خطوة أبعد: كيف نصنع بيئة تعليمية آمنة تُشجع على التفكير؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى