عشر رخص وسؤال واحد معلّق: من يملك مفاتيح أموال السودانيين؟ قراءة في محوّلات المعاملات المصرفية، بين تجربة EBS الوطنية وتوسّع تراخيص القطاع الخاص

عمر سيد احمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:o.sidahmed99@gmail.com
يوليو 2026
في الأول من يوليو 2026، وفي فندق مارينا ببورتسودان، اجتمعت قيادات سيادية وعسكرية ومصرفية لتدشين رخصة شركة خاصة لتشغيل «محوّل معاملات مالية» وُصف رسميًا بأنه «بنية تحتية سيادية». وبعد أيام معدودة، سحب بنك السودان المركزي الترخيص ذاته دون تفسير علني مفصّل. بين الحفل والسحب لم يتغيّر شيء في القانون — وهذا جوهر المشكلة.
فقضية «العسجد للحلول الرقمية والذكية» ليست قصة شركة واحدة أخطأت، بل نافذة على سؤال أكبر: من يملك، فعليًا وقانونيًا، مفاتيح البنية التي تمر عبرها كل معاملة مالية لكل مواطن سوداني؟ وبأي أساس تُمنح هذه المفاتيح وتُسحب؟
السياق الذي يضاعف المخاطرة
ألحقت الحرب المستمرة منذ 2023 دمارًا أو إغلاقًا قسريًا بأكثر من 600 فرع مصرفي من أصل نحو 900 — أكثر من ثلثي الشبكة الفيزيائية للبنوك. ورافق ذلك تسارع غير مسبوق في الاعتماد على الدفع الرقمي: نحو 13.4 مليون مستخدم، أي أكثر من 30% من السكان. إدارة هذا الحجم من التدفقات المالية لم تعد رفاهية تقنية، بل عمود فقري لمعيشة ثلث السودانيين تقريبًا — وهو ما يرفع حساسية أي قرار بشأن من يملك حق تشغيل المحوّل الذي يوجّه هذه الحركة ويحتفظ ببياناتها.
ما هو المحوّل المصرفي، ولماذا يُصنَّف «بنية سيادية»؟
المحوّل المصرفي (Financial Switch) وسيط تقني يربط البنوك والمحافظ الإلكترونية ونقاط البيع في شبكة واحدة، يوجّه أوامر الدفع ويحققها ويمررها للتسوية. تُصنَّفه الأدبيات الدولية «بنية تحتية للسوق المالي»، لا «شركة برمجيات» — فهو يرى كل التحويلات والحسابات والعلاقات بين البنوك، ويملك ما يُعرف بـ«البيانات الوصفية المالية»، وهي اليوم مورد لا يقل قيمة عن النفط. ولهذا احتاجت الأنظمة المصرفية أصلًا لفكرة المحوّل الموحّد: فربط أربعين بنكًا مباشرة يتطلب نظريًا نحو 780 علاقة ثنائية، بينما يختزلها المحوّل المركزي في علاقة واحدة لكل بنك.
أنواع المحوّلات المصرفية حسب النطاق (Switch Types by Scope)
محوّل خاص (Proprietary / In-house Switch): محوّل داخلي يخدم عملاء بنك واحد فقط، ويدير قنوات الدفع الخاصة بذلك البنك دون ربط مباشر مع بنوك أخرى.
محوّل بيني (Interbank Switch): محوّل يربط بين بنكين أو أكثر لتبادل المعاملات وتوجيهها بينها؛ ويرتقي إلى مرتبة المحوّل القومي (National Switch) إذا اتسع نطاقه ليشمل الربط بين جميع البنوك العاملة في بلد معيّن (نموذج محول شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS)
محوّل المحوّلات (Switch of Switches): محوّل من مستوى أعلى يربط بين عدة محوّلات بينية، بحيث تتجمع كل مجموعة من البنوك خلف محوّلها الخاص بها، ثم تتصل هذه المحوّلات ببعضها عبر طبقة وسيطة تنسّق التوجيه والتسوية بينها.
ملاحظة توضيحية: هذا التصنيف يقوم على معيار النطاق والتوپولوجيا Interoperability (من يخدم من)
حين يُمنح محوّل خاص حق الربط بين البنوك أو الوصول لحسابات العملاء، يتحول من أداة محدودة إلى بنية موازية للمحوّل القومي — وهنا مربط الفرس في تقييم أي ترخيص جديد. لهذا تخضع نظم الدفع النظامية، وفق مبادئ PFMI (CPMI-IOSCO)، لأعلى معايير الحوكمة وإدارة المخاطر، إضافة إلى PCI DSS: فأي اختراق لا يصيب شركة واحدة، بل يشلّ النظام المصرفي بأكمله — نقطة فشل واحدة تمس الأمن القومي مباشرة.
أربعة معايير دولية لا تحتمل التهاون
الحوكمة والإفصاح عن الملكية (PFMI) — إفصاح كامل عن الملّاك الحقيقيين (UBO) لمنع تضارب المصالح.
الأمن السيبراني (PCI DSS و ISO/IEC 27001) — تشفير مثبت ومراكز بيانات بديلة تضمن استمرارية بنسبة 99.99%.
توحيد رسائل الدفع (ISO 20022) — لغة موحّدة تتيح تتبع الأموال بدقة ومنع الفوضى في التسوية.
استمرارية الأعمال (ISO 22301) — خطط تعافٍ موثقة من الكوارث.
تقييم أي ترخيص في ضوء هذه المحاور الأربعة — لا الانطباعات العامة — هو ما يحدد إن كان القرار فنيًا رصينًا أم تقديرًا إداريًا لحظيًا قابلاً للتراجع عنه لاحقًا.
السودان كان يملك النموذج المثالي أصلًا: قصة EBS
لم يكن السودان بحاجة لاستيراد أي نموذج: فمنذ 1999، تأسّست شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) بملكية هجينة (49% بنك مركزي، 21% اتحاد المصارف، 30% سوداتل) — عين النموذج الذي توصي به أدبيات البنك الدولي وبنك التسويات الدولية (BIS) كأفضل ممارسة عالمية.
عملت EBS لعقدين كذراع غير ربحي بتعريفة رمزية (سنت واحد للرسالة). كادت الحرب تُنهيها عام 2023 بعد سحب المحوّل القومي منها وفشل البنك المركزي في تشغيله مباشرة، قبل أن يستعيدها استحواذ استراتيجي في 15 يناير 2026. استعادت الشركة تشغيل المحوّل القومي، ونمت معاملاتها البينية من 92.8 مليون في 2025 إلى 141.46 مليون في النصف الأول من 2026 وحده — نمو 52.44%، وإجمالي 234 مليون معاملة خلال الفترة، مدفوعًا بربط نظام BBAN الموحّد بين البنوك. وتُوّج هذا المسار في 16 يونيو 2026 باعتمادها مكتب خدمة معتمد لشبكة سويفت العالمية — أول شركة سودانية تبلغ هذا الاعتماد.
فكيف يُعزَّز الاستثمار في EBS بهذا الزخم، بينما تُمنح في الفترة شبه ذاتها تراخيص موازية لشركات خاصة، دون أن يصدر عن البنك المركزي تفسير مؤسسي واحد يجمع بين الخطين؟
حسم الالتباس: هل تعتمد الدول فعلاً على القطاع الخاص؟
يتكرر إعلاميًا طرح مبسّط بأن «كل الدول تترك محوّلات الدفع للقطاع الخاص». هذا نصف حقيقة مضللة: فالصين تُلزم «وي تشات باي» و«علي باي» بالمرور عبر منصة «نتس يونيون» التي يملك فيها البنك المركزي والجمعية الرسمية نحو ثلث الأسهم، بينما تتوزع البقية على عشرات الشركات كي لا تنفرد واحدة بالسيطرة. والسعودية تُبقي «مدى» مملوكة شبه كليًا للبنك المركزي عبر «المدفوعات السعودية»، والنمط ذاته يتكرر في الهند (NPCI) وكينيا (PesaLink) ومصر (إنستاباي).
فالخيط المشترك ليس إقصاء القطاع الخاص، بل التمييز بين طبقة «الخدمات والتطبيقات» المفتوحة للمنافسة، وطبقة «البنية السيادية» — المحوّل والتسوية — التي لا تُترك لجهة خاصة منفردة. والسبب: البيانات المالية الضخمة أصبحت أغلى من النفط، ولا آلية طوعية تكبح شهية القطاع الخاص عن استغلالها تسعيريًا أو تجاريًا. والدليل من السودان نفسه: تعريفة EBS سنت واحد للرسالة، مقابل أكثر من مئة جنيه لدى بعض تجارب القطاع الخاص — نحو 30 ضعفًا، رغم مرور المعاملة عبر بنية مماثلة.
باختصار: لا دولة ناجحة تترك البنية السيادية للقطاع الخاص بإطلاق؛ جميعها تُبقي يدها على مقودها، وتفتح الباب للمنافسة في طبقة الخدمة فقط.
عشر رخص… وسؤال العدد الذي لم يُحسم
بحسب المعلومات المتاحة، بلغ إجمالي الشركات الخاصة المرخّصة لتشغيل محوّلات مالية في السودان عشر شركات، من بينها العسجد. ومع ذلك ظلت العسجد وحدها محور الجدل، بينما مرّت التسع الأخرى دون معرفة أسمائها الكاملة أو تواريخ ترخيصها.
وأضاف تصريح رسمي لاحق من مدير إدارة نظم الدفع طبقة غموض إضافية: إذ ذكر أن شركتين فقط سبقتا العسجد (2024 و2025) — رقم يتناقض مع ما هو متداول عن تسع شركات أخرى. وهذا التفاوت ليس تفصيلًا هامشيًا؛ فهو يحدد إن كانت الظاهرة محدودة أم واسعة تستحق مراجعة شاملة، لا معالجة حالة واحدة تحت ضغط الرأي العام.
الأسئلة المفصلية: ما الذي ينتظره الرأي العام من بنك السودان المركزي؟
الشفافية وحدها — لا الجدل الإعلامي — هي ما يمكن أن يطوي هذا الملف من جذوره:
- العدد والهوية الكاملة كم عدد التراخيص الفعلي الممنوح للقطاع الخاص حتى تاريخه؟ وما الأسماء الكاملة لجميع الشركات العشر، منشورة في مصدر رسمي واحد محدَّث؟ ولماذا تضاربت التصريحات الرسمية حول هذا الرقم؟
- المعايير وتفاصيلها ما المعايير الفنية والمالية والرقابية الدقيقة التي طُبِّقت على كل شركة؟ وهل هي موحدة ومعلنة، أم اختصت بها لجان مختلفة لكل حالة؟
- الملكية بشفافية من هم الملّاك الحقيقيون (UBO) لكل شركة؟ وهل لبنك السودان أو المصارف حصة مؤثرة في أي منها، على غرار نموذج «مدى» أو «نتس يونيون»؟
- الأساس القانوني أي قانون يحكم عمل هذه المحوّلات، في ظل غياب قانون مستقل لنظم المدفوعات (Payment Systems Act)؟ وهل هناك جدول زمني معلن لسنّه؟
- قانون حماية البيانات أين قانون حماية البيانات الذي يحمي بيانات ملايين السودانيين؟ فالسودان، خلافًا لأوروبا وأكثر من دولة خليجية، لا يزال بلا قانون وطني شامل لحماية البيانات.
- الإجراءات المتبعة ما التسلسل الإجرائي الفعلي لكل شركة من الطلب إلى الترخيص النهائي؟ وهل جرت منافسة علنية، أم تواصل مباشر مع جهات بعينها؟
- نوع الترخيص تحديدًا لكل شركة: هل الترخيص PSP محدود النطاق، أم Payment Gateway، أم Interbank Switch بالمعنى الكامل؟ ولماذا اختير هذا التصنيف بالذات لكل حالة؟
- مصير EBS ما مصير المحوّل الوطني المرجعي المملوك وطنيًا في ظل عشرة تصاديق موازية للقطاع الخاص؟ هل تبقى EBS المرجعية التي تخضع لها بقية المحوّلات، أم تتحول لطرف واحد بين عشرة، رغم أدائها المثبت وبلوغها اعتماد سويفت؟
خلاصة: المشكلة ليست القطاع الخاص، بل غياب القانون
لا يعني ما سبق رفض دخول القطاع الخاص من حيث المبدأ؛ فتجارب ناجحة كـ«نتس يونيون» و«مدى» وNPCI تثبت أن المنافسة تخفض الكلفة حين تُدار ضمن إطار رقابي تحتفظ فيه الدولة بحصة مؤثرة. المشكلة الحقيقية إذن ليست «هل يجوز دخول القطاع الخاص؟»، بل: بأي نوع ترخيص، وبأي قانون، وبأي حوكمة وشفافية وحدود؟ وحتى تُنشر إجابات موثقة عن الأسئلة الثمانية أعلاه، سيظل كل ترخيص يُمنح أو يُسحب عرضة للسؤال ذاته: هل استند إلى قانون مستقر وقابل للمساءلة، أم إلى تقدير إداري لحظي قابل للتبدل مع كل جدل عام جديد؟
ولهذا أرى أن المطلوب الآن هو إيقاف منح أي تراخيص جديدة لمشغلي المحوّلات من القطاع الخاص، وإخضاع التراخيص الصادرة بالفعل لمراجعة فنية وقانونية مستقلة، إلى حين اكتمال تشريعات حماية البيانات وحوكمة البنية التحتية الوطنية للمدفوعات.
ورغم دعوة أحد الصحفيين ذوي الصلات الممتدة بدوائر النفوذ السابقة إلى وقف أي نشر إضافي حول هذا الملف، فإن السبب الحقيقي في تقديري وراء هذه الدعوة ليس الحرص على المهنية أو الخشية من التشهير، بل أن الملف وصل إلى نقطة بات معها احتواء ما انكشف أمرًا صعبًا. لهذا لن أتوقف عن متابعة هذا الملف؛ فهو، في تقديري، لا يتعلق بشركة أو بأشخاص بعينهم، بل بمستقبل السيادة الرقمية والأمن الاقتصادي للسودان.
عمر سيد أحمد، باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل. يوليو 2026.





