حكاية من بيئتي (37) نحو الأمية

محمد احمد الفيلابي
تعال يا شاب يا فنان أكتب لي في قزاز بابي ده (العلم نور). وفي الضهرية اكتب (اجعل رسالتك في الحياة محو أمية إنسان).
رأيك شنو لو كتبت في باب الركاب (لولا العلم لما خرج الإنسان من الكهف)؟
تمام.. أنجز وتعال شيل حقك.
انهمك الخطاط الجوال في رسم الحروف بينما كان (العم مصباح) يشرح لزملائه في موقف الحافلات بسوق المدينة كيف أنه أحس بتغيير كبير في حياته منذ بات يقرأ الرسائل في هاتفه الجوال، والذي لم يكن يستخدمه إلا في الرد على المكالمات..
تلفوني ده كان زي الزير، أكب فيه الموية وأغرف أشرب.. وهو ذاتو كان تلفون متخلف ساي.. أسي الحمد لله بقيت أقرا القرآن وأقرا وأرسل الرسائل وأتابع الأخبار.
كان (العم مصباح) يقود حافلته الصغيرة كل صباح، ينقل أهل القرية إلى سوق المدينة، ويعود بهم آخر اليوم. وككل سائق في تلك النواحي كان يعرف الطريق الترابية كما يعرف خطوط يديه، ويعرف شجرات الأكاشيا الهزيلة، ووجوه الركاب واحدًا واحدًا، لكنّه لم يكن يعرف حرفًا واحدًا من تلك الكلمات التي يراها معلّقة على لافتات الطريق، أو المكتوبة على السيارات، بيد أنه كان يعرف الأرقام على ورق اللعب، ويدير في رأسه الحسابات الدقيقة للعبة (الكُنكان) بنجاح، إذ كان يجلس كل مساء أمام دكان (حاج عبد الغفار) الصغير في طرف القرية، يمسك أوراق اللعب بين أصابعه لكأنها الشيء الوحيد الذي يعرف كيف يختبر به عقله.
فقد كان يمضي الساعات الطويلة في قتل الوقت، وهو يردد في سره أن “الزمن ده لو ما قتلتو… بقتلك يا المصباح”.
كان يخاف أن ينفرد بنفسه دون أن يكون مشغولًا بأمر ما، يضحك وهو يردد عبارته، لكن في داخله كان يشعر أن شيئًا ما ينقصه، لم يكن يدرك ما هو ذلك الشيء، حتى كان ذلك المساء قبل أن يتوجه للقاء أصدقاء المساء، حين جاءته ابنة أخيه الصغيرة تحمل كراسة المدرسة، وطلبت منه أن يساعدها في كتابة كلمة (شجرة)، ضحك، وهو يسمع أخاه يقول:
يا بتي… عمّك ده ما بعرف يكتب.
كانت ضحكته لا تشبه الضحك، كأنها الوخز. نظرت إليه الطفلة في دهشة صافية، دهشة جعلته يشعر لأول مرة أن أميته ليست قدرًا، بل ثِقَلًا يحمله منذ سنين، وعليه أن يتخلص منه عاجلًا. وفي تلك الليلة جلس إلى نفسه التي يخافها، نظر إلى يديه، إلى التجاعيد التي حفرتها السنين، والخشونة المكتسبة بفضل (معافرة) عجلة القيادة، وقال في نفسه: “الوقت يقتلك إن لم تعمره”.
خرج، لا إلى طرف القرية كعادته، فقد قادته خطاه إلى النادي، وقف بالباب والضجيج حول طاولات الورق والضمنة، يعلو على صوت التلفزيون الذي كان ينقل مباراة في كرة القدم.أهلاً (عم مصباح)، خطوة عزيزة… اتفضل.
ألقى أستاذ فايز هنا؟
كان قد تذكر أن (الأستاذ فايز) ركب بجواره يومًا، وكان يحدث آخرًا على الهاتف عن تجربتهم بعد فتح فصل لمحو الأمية بالنادي، وكيف أنهم يعانون من الضجيج، وعدم قدرة إدارة النادي على مساعدتهم في الأمر.
ناس فايز ديل نقلوا فصل محو الأمية مدرسة الأولاد.
ومن هناك توجه نحو المدرسة، ووقف خجولًا بباب الفصل، وكل من بالداخل يرحب به في مرح.
في الأيام الأولى كان يكتب الحروف ببطء، يمسح ويشطب عشرات المرات، ويضحك على نفسه حين يخلط بين الحروف. لكنه أحس متعة جديدة، متعة لا تعادل لعب الورق، لكنها تحدٍّ من نوع آخر. بات يحس أن الوقت الذي كان يقتله، صار يحييه. وأدرك أن الورق يقتل الوقت فعلًا، بينما القلم يبث روحًا في الدقائق والساعات.
بعد أشهر قليلة، تغيّر الرجل. صار يقرأ لافتات الطريق، والعبارات على السيارات المتوقفة والمتحركة، يكتب كل ما يخطر بباله في كراسة صغيرة ليناقشه مساء في الفصل. وكان أن وجدت إحدى عباراته صدى كبيرًا، إذ أجمع الدارسون على اختيارها عبارة الشهر، رغم أنه كان الأحدث بينهم. ودمعت عيناه في اليوم التالي حين وجد عبارته تزين أحد الجدران.
“من علّم إنسانًا… فقد أحيا وقتًا كان ميتًا.”
تذكر ذلك اليوم البعيد حين دعاه أحدهم للانضمام لفصل محو الأمية، يومها ضحك وقال:
يا زول… أنا كبرت خلاص، العلم ده للصغار.
وها قد قضى نصف عام يتعلم، وينعى ذلك الزمن المهدر، بل أصبح داعية للعلم، يحدّث الركاب عن أهمية التعليم، ويشجع الجميع على الالتحاق بالفصول، يقول بفخر إنه قد خرج من كهف الجهل، وصار يرى العالم حوله تحت نور العلم، ويرجو أن يكون (مصباحًا)، يضيء للآخرين الطريق.
لم يقتصر الفصل على تعليم القراءة والكتابة والحساب، فقد باتوا يناقشون قضايا كبيرة كانحسار التعليم بين أبناء المنطقة، ومناطق أخرى. وفي موقف الحافلات ومواقع أخرى، وعلى أثر طرق (المصباح) المتواصل لأهمية التعليم، شارك الكثيرون في النقاشات لتنفتح مسارات شملت مختلف الهموم. إذ كان يقول:
يا جماعة… الأمية ما بس جهل بالحروف، دي جهل بالحقوق والواجبات.
فتتدفق الشكاوى عن نقص المدارس في الأطراف، وتسرب الأطفال إلى سوق العمل. وحين يشارك المعلمون في النقاشات العفوية، فإنهم يذكرون ما يلمسونه من قضايا من قبيل ضعف الإنفاق الحكومي على التعليم، وضعف المنهج. وحين تنطق النساء، فإنهن يؤكدن على أنه طالما بقيت المرأة غير متعلمة ستظل صامتة أمام الظلم الذي يحيق بها.
تصادف أن ركب في مرة بعض العرب الرحّل، وحكى بعضهم كيف أن قصة تعليم أبنائهم صارت كالجرح الذي لا يندمل. فقد توقفت المدارس لديهم منذ سنوات، دون أن يدروا لماذا؟ ليصبح شبابهم عرضة للاستقطاب، ووقودًا للنزاعات والصراعات المسلحة.
تمامًا كما حدث في الولايات الغربية، حيث أصبح على الشاب إما أن ينتقل ليعمل عملًا هامشيًا في المدينة، أو أن ينضم لإحدى التنظيمات العسكرية فيحمل السلاح ويمارس كل ما تمليه عليه السلطة في يد من لا يستطيع كبح جماح النفس.وعرف الحاضرون في المتحدث قانونيًا شردته الحرب مثلما شردت الكثيرين.
أنا شايف الشباب هناك بيضحكوا لما نقول أمية، إنتو مفتكرين الأمية فك خط وتعليم قراية وكتابة وحساب بس؟ أنا مثلًا خريج جامعي، وعندي دراسات فوق الجامعية، لكن يادووب بحاول أتخلص من أميتي الإلكترونية، لأني اكتشفت إنو العالم اتغيّر، والما بعرف التعامل مع الهاتف والتقنية حا يلقى نفسه خارج دوائر الحياة العصرية.
فيقول أحدهم..
أنا ما ضحكت ساخرًا.. ضحكت من نفسي لأني فهمت ليه الحرب استمرت الزمن ده كلو؟ وعلاقة التعليم بالموضوع ده شنو.. إنت ذكرت الاستقطاب في المليشيات والحركات المسلحة، وربما الجيش والتنظيمات العسكرية التانية، لكن أنا بديت أفكر في دور تعليم الوطنية وقدرة قراية الواقع حتى من المتعلمين ذاتهم. أمد الحرب طال لأننا ما بنفكر في الواجب زي ما بنفكر في الحق، بقينا نشوف الحقوق أحلام، والآخر أيًّا كان هو عدو وما عندو حق يعبّر عن نفسو، وما بندي نفسنا براح نفكر في إنو حصل كده ليه؟
وتداخل آخر..
ياخ معيشتنا دي بقت تأكد لينا كل يوم إننا أميين اقتصاديًا وتكنولوجيًا واجتماعيًا حتى.
ده ما كان (نحو أمية) يا المصباح أخوي.
علّق أحد الركاب من كبار السن..
هو ما (نحو أمية)، محو أمية يا حاج حسين. لكن بالوصلنا ليه نحن ده بقى (نحو الأمية) فعلًا..
بالجد نحن ماشين نحو الأمية في كل شيء، إذا بنبني بيوت ما تشبه بيئتنا، وما عندها علاقة بالبيوت الأتولدنا فيها. إذا بنقطع في كل يوم غابات كاملة وما نزرع ولا شجرة واحدة. إذا نحن خلينا زراعة ما نأكلو، وبقينا نمشي المدينة نجيب الخضار المعالج بالمبيدات…
وقاطعه آخر…
على المستوى الأكبر نحن غرقانين في أمية من نوع تاني. أنديتنا اتخصصت في قتل الوقت، ونقاشاتنا أما كورة أو سياسة. وسياسة بدون فهم. كم زول ممكن يتكلم عن تعليم النساء؟ وكم زول مهتم بقضية التسرب من المدرسة؟ وكم زول آمن بأنو أولادنا البمشوا الدهب قاعدين يحرروا في شهادات وفاتهم؟ كل يوم نشوف الفيديوهات الصادمة ونعلّق في صمت أو نقول نصف الحقيقة؟
وتمددت النقاشات..
ويعود الفضل دائمًا إلى (العم مصباح) في تحويل جلسات انتظار تحرك الحافلات إلى ما يشبه البرلمان الشعبي. ويبقى دائمًا السؤال..
هل نحن حقًا ماضون نحو الأمية؟
.





