علا لبيب تستعيد طفولتها السودانية في بريطانيا وتكشف كيف تحولت صرامة الأسرة وتجارب العنصرية إلى وقود لمسيرتها الكوميدية

يسرى سمير عمران – newarab

لم تكن علا لبيب تتخيل أن سنوات طفولتها في مدينة بورتسموث الساحلية جنوب إنجلترا ستصبح يوماً مادة لكتاب يحكي قصة حياتها.

ابنة مهاجرين سودانيين نشأت في منطقة يغلب عليها البيض، وعاشت منذ الصغر بين عالمين مختلفين؛ أسرة تتمسك بقواعدها وتقاليدها، ومجتمع بريطاني تحاول فيه أن تجد مكانها مثل زميلاتها في المدرسة.

كانت تواجه حماية أبوية مشددة، وضغطاً للحصول على أعلى الدرجات، ومسؤوليات منزلية، إلى جانب محاولتها مواكبة زميلاتها في الموضة والموسيقى والحياة الاجتماعية.

لكنها لم تدرك إلا لاحقاً أن تجربتها تشبه حياة كثير من أبناء المهاجرين، وأن تلك التناقضات يمكن أن تتحول من مصدر للضغط إلى مادة للكوميديا والكتابة.

وهذا تحديداً ما تفعله في كتابها الجديد «كيف لا تعيش حياة مزدوجة: اعترافات منبوذة لا تعتذر»، الصادر عن دار روبنسون في يوليو/تموز 2026.

استغرقت علا أكثر من أربع سنوات ونصف في العمل على الكتاب، الذي يمزج بين السيرة الذاتية والخيال والكوميديا.

وكان العمل في الأصل سيناريو تلفزيونياً، قبل أن تقرر علا تحويله إلى رواية بعدما أبلغتها إحدى القنوات بأن هناك برنامجاً آخر من بطولة شخصية مسلمة يُعرض في الفترة نفسها، ولا يمكنها تقديم عملين متشابهين معاً.

وأتاح التحول إلى الرواية لعلا مساحة أكبر لسرد ما حدث، والأهم أن تكشف كيف كانت ترى تلك الأحداث داخل عقلها، خصوصاً خلال سنوات المراهقة.

حين يصبح الألم مادة للضحك

كانت بعض أفكار الكتاب قد ظهرت بالفعل خلال جولتها الكوميدية في بريطانيا عام 2025 بعنوان Dispersible، قبل أن تجد طريقها إلى الرواية.

وتعتمد علا على الفكاهة للتعامل مع موضوعات ثقيلة، موضحة في حديثها لـ«ذا نيو أراب» أن جزءاً كبيراً من الكتاب مؤلم، ولذلك أرادت أن تضيف إليه ما يجعله ممتعاً للقارئ.

وتظهر هذه الطريقة بوضوح في مشاهد الضغط العائلي بشأن الزواج. فالحوارات التي قد تبدو مألوفة في كثير من الأسر، مثل مقارنة الابنة بفتيات أخريات أو اقتراح رجال مناسبين لها، تتحول في الكتاب إلى مواقف ساخرة من خلال الطريقة التي كانت علا تعيد بها تمثيل تلك المشاهد في مخيلتها.

بين صرامة الأسرة والحياة البريطانية

لا تقدم علا والديها باعتبارهما خصمين، رغم انتقادها لصرامتهما خلال سنوات المراهقة.

بل تحاول تفسير دوافعهما، وترى أن الحماية المفرطة لم تكن مرتبطة فقط بكونها مسلمة، وإنما أيضاً بتجربة الهجرة والخوف من مجتمع جديد.

فوالداها جاءا إلى بريطانيا بحثاً عن مستقبل أفضل، وكانا يريدان ضمان تعليم جيد لأبنائهما وحمايتهم من المخاطر التي كانا يريانها في المجتمع المحيط بهما.

وتقول علا إن ما اعتبرته في طفولتها قمعاً، كانت الأسرة تراه حماية، مؤكدة أن تقديم هذا الجانب من القصة كان مهماً حتى لا تختزل تجربة الآباء المهاجرين في صورة نمطية واحدة.

وفي المدرسة، كانت تحاول التوفيق بين عالم الأسرة السودانية والعالم البريطاني المحيط بها، وهي تجربة أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من صوتها الكوميدي.

الصيدلة.. الوجه القاسي للحياة المهنية

قبل أن تصبح علا كوميدية وكاتبة، سلكت طريقاً مهنياً تقليدياً وتدربت لتصبح صيدلانية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

لكن التجربة حملت معها ضغوطاً كبيرة.

وتروي علا أنها واجهت بيئة عمل عنصرية وسامة خلال تدريبها في صيدلية مجتمعية، ثم تعرضت، بحسب روايتها، لتحرش جنسي من طبيب كانت تعمل تحت إشرافه في المستشفى، إضافة إلى مواقف عنصرية من بعض المرضى.

وأثرت هذه التجارب في صحتها النفسية، ودَفعتها إلى التفكير في الثمن الذي يدفعه العاملون في القطاع الصحي بعيداً عن الصورة الرسمية للمؤسسة.

وترى أن العاملين في هيئة الخدمات الصحية الوطنية يواجهون ضغوطاً متراكمة، وغالباً ما يعودون إلى منازلهم وهم يحملون آثار ما مروا به في العمل.

ولهذا، أرادت أن تجعل تجربتها جزءاً من الكتاب حتى تمنح القارئ صورة أكثر واقعية عن حياتهم.

«المواعدة الحلال» ورحلة البحث عن الحب

يحتل الحب مساحة مهمة في الكتاب، خصوصاً تجربة البحث عن شريك ضمن إطار يتناسب مع قيم علا.

وتتناول بسخرية تطبيقات المواعدة «الحلال»، إضافة إلى تجاربها مع رجال من المجتمع نفسه، من بينهم شخصية طارق التي تجمع ملامح عدد من العلاقات الفاشلة التي مرت بها.

لكن القصة تأخذ منعطفاً مختلفاً عندما تلتقي بالمغني الراب السوداني الأمريكي كاشتا.

وتقودها العلاقة إلى السفر إلى السودان من أجله، بينما يدور الجزء الثاني من الكتاب حول السؤال عما إذا كانت هذه العلاقة ستنتهي بالزواج.

وترى علا أن البحث عن شريك في بريطانيا يختلف عن السودان أو مصر، حيث يمكن للعائلة الممتدة أن تلعب دوراً في التعارف.

أما في بريطانيا، فتقول إن الشخص قد يجد نفسه وحيداً في هذه الرحلة، من دون شبكة اجتماعية تساعده في العثور على الشريك المناسب.

من العروض المجانية إلى التلفزيون

لم يكن انتقال علا إلى الكوميديا سريعاً فقد أمضت نحو ثلاث سنوات ونصف في المشاركة بعروض المواهب المفتوحة في أماكن صغيرة، وفي كثير من الأحيان من دون أجر.

لكن تلك السنوات أصبحت أساساً لمسيرتها الحالية.

تعمل علا اليوم على كتابة الحلقة التجريبية لمسلسل «الصيدلية»، الذي بدأ في صورة فيلم كوميدي قصير عُرض على القناة الرابعة البريطانية عام 2025 وحظي بإشادة كبيرة.

كما تعمل على مسلسل كوميدي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، من دون الإعلان حتى الآن عن تفاصيل المشروع.

وتؤمن علا بأن الاستمرار والثقة بالنفس والاستماع إلى النقد الصادق يمكن أن تفتح الطريق، حتى لو بدا الحلم في البداية بعيداً.

في جوهره، لا يتحدث كتاب علا عن الكوميديا وحدها، بل عن رحلة امرأة تحاول أن تجد توازناً بين الأسرة والهوية والعمل والحب.

الفتاة التي أخفت في البداية شغفها بالكوميديا خوفاً من خيبة أمل والديها، أصبحت اليوم تستخدم تلك التجربة نفسها في الكتابة والأداء.

وتخطط علا أيضاً لإدارة ورش عمل في كتابة الكوميديا، بهدف تشجيع مزيد من الأشخاص من مجتمعاتها على دخول المجال واكتشاف أصواتهم الخاصة.

وهكذا، تحولت التجربة التي بدأت كصراع بين توقعات الأسرة وحلم شخصي إلى مصدر للإبداع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى