نداء الضمير

قلم،، يوسف الغوث…
يمثل نداء القوى المناهضة للحرب في السودان منعطفًا خطابيًا نادرًا في سياق الصراعات الأهلية المعاصرة، إذ يتجاوز كونه مجرد موقف سياسي مضاد ليؤسس لنموذج نظري جديد في تحويل الصراع، يقوم على مركزية الإرادة الشعبية بوصفها مرجعيةً عليا للشرعية السياسية وموضوعًا للفعل التاريخي، ففي لحظة تصارعٍ إقليمي ودولي تحاول فيه البندقية اختصار الوطن إلى موازين قوة مادية، تعيد الوثيقة الاعتبار للجماهير كفاعل أصيل، مؤكدةً أن السودان ليس ملكًا للمقاتلين ولا غنيمةً للوسطاء، وإنما صنيع إرادة المواطنين التي تمتلك صلاحية تقرير المصير بما يتجاوز وقائع الاحتلال العسكري ونماذج التسويات الهشة،
تندرج هذه المقاربة ضمن فلسفة العصيان المدني والضغط الشعبي التي تنظر إلى السلام بوصفه حقًا مكتسبًا لا يهب من أعلى، بل ينتزع بفعل تراكمي من التعبئة السلمية والوعي النقدي، وهو ما يكسر الحلقة المفرغة التي تمنح النخب المتحاربة احتكار تمثيل الوطنية، فتصبح الجماهير طرفًا في إنتاج السلام لا مجرد مستقبل له،
إن الإشكالية المنهجية التي تطرحها الوثيقة لا تكمن في حداثة رؤيتها الأخلاقية، بل في فجوة التحول بين الوعي والتنظيم، إذ يظل الخطاب رهين غياب الأدوات المؤسسية القادرة على ترجمة الإرادة الجماعية إلى قوة ضاغطة في الميدان السياسي، وتحديدًا في ظل حالة التشرذم القبلي والجهوي العمودي الذي تغذيه خطابات الكراهية التي حذرت منها الوثيقة ذاتها،
من المفارقات الجوهرية التي تعالجها الوثيقة، وبطريقة غير مباشرة، أنها تدرك أن الفضاء الخارجي ليس منزّهًا عن المصالح، بل هو ساحة تداخل إقليمي ودولي تسعى فيه القوى الكبرى والدول المجاورة إلى توظيف الصراع السوداني لخدمة أجنداتها الجيوسياسية، ومن هنا يأتي التحدي الأكبر في التعامل مع هذا المحور، فالدعوة إلى وساطة دولية موحدة لا تعني بأي حالٍ من الأحوال تفويض الخارج لرسم مستقبل السودان، بل تعني استغلال هذه الآليات الدولية كأدوات ضغط مساندة دون الركون إليها كبديل عن الإرادة الوطنية، لأن التجربة التاريخية تثبت أن التسويات التي تقودها العواصم الكبرى غالبًا ما تكرس أمرًا واقعًا هشًا يراعي توازنات إقليمية آنية أكثر مما يحقق عدالة مستدامة، وعلى القوى المدنية الوطنية أن تتعامل مع الخارج من منطلق التفاعل النقدي الذي يستفيد من الدعم اللوجستي والإنساني والضغط الدبلوماسي، لكنه يرفض في الوقت نفسه أي شكل من أشكال الوصاية التي تحاول صياغة الدولة السودانية وفق رؤى خارجية، وهو ما يستلزم بناء قدرة تفاوضية وطنية صلبة قادرة على المناورة بين المصالح المتضاربة دون التفريط بالثوابت الوطنية،
إن المطلوب من المجتمع الدولي أن يكون عونًا للشعب السوداني لا بديلًا عنه، وعليه فإن نجاح أي عملية سلام يظل رهنًا بمدى قدرة القوى الوطنية على تحويل التواجد الخارجي من عامل ضغط وسيط إلى شريك داعم، لا متحكم في المصير، وهذا يعني أن المعادلة الصحيحة هي الاعتماد على الذات في تحديد الأهداف، مع الانفتاح الذكي على الخارج فيما يخدم تلك الأهداف، لا العكس،
وهكذا تبرز معضلة التطبيق العملي أمام مشروع الدولة المدنية الموحدة، حيث يظل الأفق مفتوحًا بين منجز الخطاب في إعادة تعريف (العدو) و(الوطن) وبين قدرة الحراك المدني المتشتت على تشكيل تنسيقية جامعة تواجه واقع الحرب ببرنامج سياسي واضح، لا بشعارات النبذ الأخلاقي وحسب،
خلاصة المقاربة تشير إلى أن مستقبل السودان يتوقف على مدى نجاح القوى المدنية في تحويل نداء الضمير هذا إلى طاقة تنظيمية خلاقة تتجاوز الاستقطاب الثنائي (عسكري/مدني)، وتؤسس لفضاء عام يمكن فيه للجماهير أن تمارس سطوتها الرمزية والسياسية، ليس عبر احتجاجات عابرة، بل من خلال بناء كتل اجتماعية ضاغطة تمتلك خطابًا بديلًا للدولة، ومؤسسات موازية قادرة على حماية نفسها في لحظة انتقالية حرجة، وإلا ظل النداء رغم عمقه الإنساني محصورًا في هامش الوثائق السياسية بدلًا من أن يتحول إلى رافعة حقيقية لإعادة بناء النسق الاجتماعي على أسس المواطنة والعدالة.





