«أم كعوك» هنا… و«صراصير» هناك

عثمان فضل الله
«سيدي الرئيس، إننا كنا نسير فوق جثث الأطفال. هذه إبادة وليست حرباً أهلية».
هكذا خاطب برنار كوشنر، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الصحة الفرنسي، الرئيس فرانسوا ميتران، بعد عودته من رواندا. فجاءه الرد، بحسب الرواية المتداولة، بما يشبه التوبيخ البارد: «أنا أعرفك يا برنار، أنت تبالغ كثيراً».
جملة قصيرة، لكنها تختصر شيئاً أكبر من رواندا. تختصر الطريقة التي يمكن أن يتحول بها موت الآخرين، في وعي العالم القوي، إلى رقم، وإلى مبالغة، وإلى مشكلة بعيدة لا تستحق أن تفسد راحة العواصم.
كان الرجل الذي عاد من رواندا يرى الجثث بعينيه، بينما كان الرجل الجالس في الإليزيه يرى رواندا من خلف زجاج السياسة.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر رعباً.
فالإبادة الجماعية لا تبدأ بالمقابر الجماعية. لا تبدأ حين تصبح الجثث أكواماً، وحين تعجز الأرض عن ابتلاع المزيد من الموتى. الإبادة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ عندما يصبح قتل الإنسان قابلاً للتبرير، وعندما تتحول كرامته إلى مادة للسخرية، وعندما يُختزل في عرقه أو قبيلته أو لونه أو لهجته أو منطقته.
تبدأ الإبادة حين يصبح خطاب الكراهية لغة يومية.
حين يتوقف الناس عن السؤال: «كيف نقتل؟» ويبدأون بالسؤال: «من يستحق أن يُقتل؟».
وهنا تبدو رواندا، بعد كل هذه السنوات، أقل بعداً مما نتصور عن السودان.
لا يعني ذلك أن التاريخ يتكرر حرفياً، ولا أن السودان هو رواندا أخرى. لكل بلد تركيبته، ولكل حرب مساراتها، ولكل مأساة سياقها السياسي والاجتماعي. لكن الذين يراقبون البدايات يعرفون أن الجرائم الكبرى لا تأتي فجأة؛ إنها تنمو في الظلام، وتتغذى من اللغة، ومن التحريض، ومن اعتياد الناس على رؤية الموت من دون أن تهتز لهم جفنة.
حرب طويلة.
خطاب كراهية يتضخم كل يوم.
سلطة مغلقة على نفسها.
أجهزة إعلامية وسياسية تعيد تعريف الضحية باعتبارها عدواً.
نخب تعرف تماماً ماذا تفعل بالكلمات.
وأناس يتعلمون، بالتدريج، أن موت الآخر ليس مأساة، بل انتصار.
هكذا تبدأ الكارثة.
في رواندا لم تكن البداية دائماً بندقية. كانت أحياناً كلمة. نعتاً. أغنية. شائعة. تحريضاً. صورةً للآخر باعتباره حشرةً أو تهديداً أو كائناً أقل من البشر.
وفي السودان، تبدو بعض مفردات المشهد مخيفة في بساطتها.
أم كعوك هنا… وصراصير هناك.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد شتيمة عابرة في سوق السياسة والحرب. لكنها تصبح شيئاً آخر حين تدخل قاموس التحريض الجماعي؛ حين يُنزع عن الإنسان اسمه، ويُستبدل باسم حيوان، وحين يصبح قتل جماعة كاملة فعلاً يمكن تبريره لأنها «حشرات» أو «هوام» أو «جراثيم».
فاللغة ليست بريئة دائماً.
هناك كلمات تسبق الرصاص.
وهناك شتائم تمهد للمقابر.
وهناك استعارات لا تبدو خطيرة إلا بعد أن تتحول إلى أجساد.
الأخطر من ذلك كله أن العالم لا يتعامل مع البدايات بالجدية نفسها التي يتعامل بها مع النهايات.
حين تكون هناك قرية محترقة، يطلب العالم صوراً.
حين تكون هناك مئات الجثث، يطلب العالم أدلة.
حين تكون هناك آلاف الجثث، تبدأ بيانات القلق.
وحين يصبح عدد الضحايا بمئات الآلاف، تبدأ لجان التحقيق.
ثم يأتي السؤال المتأخر: كيف حدث كل هذا؟
لكن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: متى بدأ؟ ومن الذي حذر؟ ومن الذي سمع ولم يصدق؟
كان كوشنر يرى جثث الأطفال في رواندا ويصرخ: «هذه إبادة».
وكان ميتران، في الرواية المتداولة، يرى في ذلك مبالغة.
هذه هي المسافة أحياناً بين من يرى الجثة ومن يدير الدولة.
وبين من يعيش المأساة ومن يكتب عنها في تقرير.
وبين العالم الذي يمتلك القوة والعالم الذي لا يملك سوى أن يموت أمام الكاميرات.
لذلك فإن أخطر ما في السودان اليوم ليس فقط عدد القتلى، ولا المدن التي تحولت إلى خرائب، ولا ملايين النازحين الذين صاروا أرقاماً في نشرات الأمم المتحدة.
الأخطر هو تطبيع الموت.
أن يصبح قتل المدنيين خبراً عادياً.
أن تصبح قرية تُباد مجرد «تطورات ميدانية».
أن يصبح الطفل المقتول رقماً.
وأن تصبح الكراهية خطاباً سياسياً مشروعاً.
عندها لا يعود السؤال: هل نحن أمام حرب؟
السؤال يصبح: أي نوع من البشر نصنعه داخل هذه الحرب؟
فالحروب تنتهي يوماً.
لكن اللغة التي صنعتها قد تبقى.
والجريمة التي جرى تبريرها مرة يمكن أن تصبح قاعدة.
واليد التي اعتادت قتل «الآخر» لا تحتاج بعد ذلك إلى كثير من الإقناع كي تقتل مرة ثانية.
لهذا، فإن الذين يراقبون السودان اليوم لا ينبغي أن ينتظروا اللحظة التي يسير فيها العالم فوق جثث الأطفال حتى يكتشفوا أن الكارثة كانت إبادة.
فالإنذار لا يأتي دائماً في صورة مقبرة.
أحياناً يأتي في كلمة.
في نكتة.
في أغنية.
في خطاب سياسي.
في وصف إنسان بأنه «حشرة».
في تحويل جماعة كاملة إلى شيء لا يستحق الحياة.
أم كعوك تقال في أم درمان… وصراصير كان صداها يتردد في كيغالي أيام الإبادة.
ربما تبدو الكلمة صغيرة.
لكن التاريخ يعرف جيداً أن الكوارث الكبرى بدأت دائماً بأشياء بدت صغيرة جداً على من كانوا يملكون القدرة على إيقافها.
والسؤال الذي سيبقى للسودان وللعالم ليس:
لماذا حدثت الإبادة؟
بل السؤال الأكثر قسوة:
حين كانت البدايات واضحة أمامنا، لماذا اخترنا أن نصدق أنها مجرد مبالغة؟





