إلى القوى المدنية: لماذا نحتاج إلى انخراطٍ متحفظ في عملية الحوار؟

محمد شوقي خليل

أتفهم تماماً تحفظات القوى المدنية المعارضة للجنة الحوار الوطني، ولا أتعامل معها باعتبارها موقفاً سلبياً أو رفضاً للحوار من حيث المبدأ. فكثير من هذه التحفظات يستند إلى مخاوف مشروعة تتعلق بطريقة تشكيل اللجنة، ومدى استقلالها عن السلطة، واختلال تمثيلها، واحتمال استخدام الحوار لإضفاء شرعية سياسية على الأمر الواقع أو إنتاج نتائج معدة سلفاً.

لكن الاعتراف بمشروعية هذه المخاوف لا يعني أن المقاطعة الكاملة هي الخيار الأكثر فاعلية. ففي تقديري، يمكن للقوى المدنية أن تعتمد موقفاً ثالثاً بين الالتحاق غير المشروط والرفض المطلق: الانخراط المتحفظ والهادف إلى إعادة هيكلة عملية الحوار من داخلها وحولها.

هذا الانخراط لا يعني تأييد اللجنة أو الاعتراف بشرعية الجهة التي شكلتها، ولا التخلي عن المطالبة بوقف الحرب والحكم المدني والعدالة. إنه استخدام لمساحة قائمة، مهما كانت محدودة، من أجل اختبارها وتوسيعها وتعديل قواعدها، ومنع احتكارها بواسطة طرف واحد.

المقاطعة موقف مشروع، لكنها ليست استراتيجية مكتملة

قد تحمي المقاطعة القوى المدنية من أن تُستخدم مشاركتها لمنح العملية شرعية لا تستحقها. لكن المقاطعة وحدها لا تجيب عن سؤال مهم: من سيؤثر في تصميم الحوار إذا انسحبت منه القوى الأكثر حرصاً على استقلاله ومدنيته وشموله؟

 

إن ترك المساحة بالكامل للسلطة أو للقوى المؤيدة لها قد يؤدي إلى إنتاج عملية أحادية، ثم تقديم نتائجها باعتبارها تعبيراً عن إرادة السودانيين. ولذلك، فإن التحدي ليس في الاختيار بين القبول الكامل والرفض الكامل، بل في بناء نمط من المشاركة المشروطة يتيح للقوى المدنية التأثير من دون أن تتحول إلى غطاء للعملية.

المطلوب هو الانتقال من موقف «نحن مع اللجنة أو ضدها» إلى سؤال أكثر عملية: ما الشروط التي يمكن، إذا تحققت، أن تجعل هذه المساحة مفيدة للسودانيين؟

الانخراط المتحفظ ليس تنازلاً

الانخراط المتحفظ يعني أن تدخل القوى المدنية العملية وهي تحتفظ بحقها الكامل في النقد والاعتراض والانسحاب. ويمكن أن يبدأ هذا الانخراط باتصالات استكشافية، أو مذكرات مكتوبة، أو مشاركة بصفة مراقب، من دون توقيع إعلان سياسي أو تبني أجندة مسبقة.

ومن الضروري تثبيت مبدأ واضح: المشاركة في الحوار لا تعني الاعتراف بالحكومة، ولا تأييد اللجنة، ولا المصادقة المسبقة على النتائج. إنها مساهمة في إعادة تصميم العملية واختبار مدى قابليتها للتحول إلى مساحة أكثر استقلالاً واتساعاً.

كما ينبغي ألا يكون الانخراط فردياً أو عشوائياً. تستطيع القوى المدنية التنسيق حول موقف مشترك يتضمن شروط المشاركة، والضمانات المطلوبة، والخطوط الحمراء، ومعايير الاستمرار أو الانسحاب. وبهذا تتحول المشاركة من استجابة لدعوة اللجنة إلى فعل سياسي منظم يستهدف إصلاح العملية.

إعادة هيكلة الحوار قبل الدخول في القضايا الكبرى

الأولوية في هذه المرحلة ليست مناقشة شكل الحكومة القادمة أو تقاسم السلطة، وإنما إعادة هيكلة عملية الحوار نفسها. وهذا يتطلب مطالبة اللجنة بعدد من التغييرات الأساسية، منها:

– اعتبار تكوينها الحالي ترتيباً تمهيدياً قابلاً للمراجعة، لا هيكلاً نهائياً.

– إنشاء أمانة فنية مستقلة ومهنية.

– إعلان التفويض ومصادر التمويل وآلية اتخاذ القرار.

– توسيع التمثيل ليشمل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمجتمعات المحلية والنقابات والمهنيين وممثلي الضحايا.

– اعتماد التوافق في القرارات الجوهرية بدلاً من الأغلبية الميكانيكية.

– توفير ضمانات لحرية المشاركين وسلامتهم.

– عدم استخدام أسماء المشاركين أو صورهم دعائياً.

– عدم فرض أجندة أو نتائج أو قائمة نهائية للمشاركين.

– إنشاء آلية مستقلة لتلقي الاعتراضات وتقييم أداء اللجنة.

– مراجعة كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

إذا رفضت اللجنة هذه المطالب، تكون القوى المدنية قد اختبرت جديتها وكشفت حدودها أمام الرأي العام. أما إذا استجابت لبعضها، فقد تكون فتحت نافذة يمكن تطويرها تدريجياً.

 

الحد الأدنى من التوافق قبل الاتفاق الشامل

لا أعتقد أن السودان قادر، في ظروف الحرب والاستقطاب الراهنة، على الانتقال مباشرة إلى توافق شامل حول القضايا المصيرية. محاولة جمع كل الأطراف لحسم مستقبل الدولة دفعة واحدة قد تؤدي إلى انهيار الحوار قبل أن يبدأ.

الأجدى هو البحث عن حد أدنى من التوافق يسمح بإقامة مساحة مشتركة بين أطراف لا تزال تختلف جذرياً حول السلطة والحرب والشرعية ومستقبل الدولة.

ولا تعني المساحة المشتركة إزالة الخلافات أو تذويب المواقف، بل الاتفاق على قواعد تسمح بإدارتها سلمياً. وقد يبدأ الحد الأدنى من التوافق حول مبادئ بسيطة:

– حماية المدنيين أولوية فوق الخلافات السياسية.

– وصول المساعدات لا يجوز إخضاعه للمساومة.

– لا يحتكر أي طرف تمثيل الشعب السوداني.

– المشاركة لا تعني التأييد أو الاعتراف السياسي.

– لا تُفرض النتائج مسبقاً.

– حقوق الضحايا لا تُختزل في المصالحات.

– الحوار عملية متدرجة، وليس مؤتمراً واحداً.

– يظل من حق كل طرف إعلان اعتراضه أو انسحابه.

هذه المبادئ لا تحل الأزمة، لكنها توفر أساساً يمكن البناء عليه.

أهداف مرحلية ومجزأة

بدلاً من إثقال الحوار منذ بدايته بكل قضايا السودان التاريخية، يمكن تقسيمه إلى أهداف مرحلية محددة وقابلة للقياس. يبدأ المسار بالقضايا التي يمكن أن تحقق فائدة مباشرة للمواطنين وتسمح للأطراف باختبار قدرتها على العمل المشترك.

قد تشمل المرحلة الأولى خفض خطاب الكراهية، ودعم وصول المساعدات، وحماية المرافق المدنية، ومعالجة أوضاع المفقودين والمحتجزين، واستعادة التعليم والخدمات الصحية، ودعم المبادرات المحلية للسلام.

ثم تنتقل العملية إلى قضايا أكثر تعقيداً، مثل العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، والعدالة والمصالحة، وإعادة الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة، وشكل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم.

التجزئة هنا لا تعني تفتيت القضية الوطنية أو الهروب من جذور الأزمة. إنها وسيلة لمنع الخلاف حول قضية كبرى من تعطيل التقدم في كل القضايا الأخرى. كما تسمح بتحقيق نجاحات محدودة تراكم الثقة وتكشف في الوقت نفسه الأطراف التي تعرقل التنفيذ.

من حوار النخب إلى تفاعل القواعد

 

إحدى المشكلات المتكررة في التجارب السودانية هي اختزال الحوار في لقاءات القيادات السياسية. ولهذا يجب أن يكون توسيع المشاركة من القواعد شرطاً أساسياً للانخراط المدني.

ينبغي ألا تقتصر العملية على الأحزاب والحركات المسلحة، بل تشمل حوارات في المجتمعات المحلية، ومناطق النزوح واللجوء، والنقابات، والجامعات، والأسواق، والمبادرات النسوية والشبابية. كما يجب الاعتراف بالحوارات التي تجري داخل السودان وخارجه وعبر الوسائط الرقمية باعتبارها مدخلات مشروعة للعملية.

المطلوب ليس إضافة أسماء رمزية إلى مؤتمر مركزي، بل إنشاء قنوات حقيقية تسمح للآراء القادمة من القواعد بالتأثير في الأجندة والمخرجات. فالحوار الوطني لا يصبح سودانياً لمجرد أن المشاركين يحملون الجنسية السودانية؛ بل عندما تعكس بنيته تنوع المجتمع وتجارب المتضررين من الحرب.

تفادي صورة المعارضة المطلقة

تعاني القوى المدنية أحياناً من تصويرها باعتبارها قوى ترفض كل مبادرة لا تصدر عنها. وقد يكون هذا التصوير ظالماً ومقصوداً، لكنه يجد مساحة للانتشار عندما يقتصر الخطاب المدني على الرفض من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ.

يمكن تفادي ذلك من خلال موقف يجمع بين الوضوح والمرونة: رفض الهيمنة، مع قبول الحوار؛ رفض التوظيف السياسي، مع الاستعداد لاختبار المساحات المتاحة؛ رفض النتائج المفروضة، مع تقديم مبادئ وقواعد بديلة.

المعارضة الفاعلة لا تكتفي بإعلان ما ترفضه، بل تحدد ما تقبله، وتحت أي شروط، وكيف يمكن الانتقال من الواقع القائم إلى وضع أفضل. وهي لا تخشى التفاعل، لأنها تدخل إليه بموقف واضح وأدوات حماية ومعايير معلنة للاستمرار أو الانسحاب.

المشاركة المشروطة واختبار الجدية

يمكن للقوى المدنية أن تمنح اللجنة فترة اختبار محددة، لا تفويضاً مفتوحاً. وخلال هذه الفترة يُقاس أداء اللجنة وفق مؤشرات واضحة:

– هل نشرت تفويضها ومصادر تمويلها؟

– هل قبلت مراجعة تكوينها؟

– هل استمعت إلى المعارضين من دون تخوين؟

– هل ضمنت عدم استخدام المشاركة دعائياً؟

– هل وسعت العملية لتشمل المجتمعات والقواعد؟

– هل عدلت خطتها استجابةً للملاحظات؟

– هل حققت تقدماً في قضية إنسانية أو مجتمعية عاجلة؟

– هل تعاملت مع المبادرات الأخرى باعتبارها شريكة لا منافسة؟

 

إذا أثبتت اللجنة استقلالها واستجابتها، يمكن توسيع الانخراط تدريجياً. وإذا فشلت، تستطيع القوى المدنية الانسحاب بأسباب واضحة وموثقة، بعد أن تكون قد قدمت بدائل عملية للرأي العام.

 

نحو موقف مدني أكثر فاعلية

لا أدعو القوى المدنية إلى منح لجنة الحوار الوطني ثقة غير مستحقة، ولا إلى الدخول في عملية غامضة بلا ضمانات. دعوتي هي إلى تحويل التحفظ من موقف دفاعي إلى استراتيجية للتأثير وإعادة البناء.

يمكن الانخراط من دون الارتهان، والتفاوض حول قواعد الحوار قبل التفاوض حول مستقبل الدولة، وتحويل اللجنة من أداة محتملة للهيمنة إلى مساحة يجري الضغط لتوسيعها وإعادة هيكلتها.

قد لا تنجح المحاولة، ولكنها ستتيح اختبار النوايا، وكشف المواقف، وتقديم نموذج مختلف للمعارضة المدنية: نموذج لا يساوم على مبادئه، ولا يكتفي بالرفض، بل يعمل بصبر وتدرج على توسيع الممكن وبناء الحد الأدنى من التوافق.

في الظروف السودانية الراهنة، قد لا يكون المطلوب اتفاقاً شاملاً منذ البداية، بل مساحة مشتركة صغيرة وآمنة تسمح بالتواصل والعمل حول أهداف مرحلية. وإذا نجحت هذه المساحة في تحقيق خطوة واحدة، يمكن توسيعها؛ وإذا تعثرت، يمكن مراجعتها وتصحيحها.

فالسلام لا يبدأ دائماً باتفاق كبير. أحياناً يبدأ بقبول المختلفين الجلوس في مساحة لا يملكها أحد منهم، والعمل معاً على ما يمكن إنجازه، من دون أن يتخلى أي منهم عن حقه في الاختلاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى