حروب طاحنة وسلام مؤجل..! هل تملك القوى المناهضة للحرب مفتاح الخروج من المأزق السوداني؟!

حسام حامد

“الحرب قد تنتج سيطرة، لكنها لا تنتج بالضرورة دولة”.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب السودانية، لم يعُد السؤال الحقيقي هو من يستطيع تحقيق النصر العسكري؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع إيقاف الحرب قبل أن يتحول السودان نهائيًا إلى دولة مثقلة بالانقسام والدمار والنزوح؟

في أديس أبابا، حاولت القوى السياسية والمدنيَّة المناهضة للحرب أن تقدم إجابة مختلفة عن تلك التي ظل طرفا القتال يقدمانها منذ أبريل 2023؛ وعليه فإن اجتماع 22 و23 أغسطس لم يكُن مجرد لقاء سياسي جديد وحسب، بل محاولة لإعادة تعريف الطريق إلى السلام، عبر وثيقة «عملية السلام التي نريد»، التي رفضت اختزال الأزمة في حوار سياسي يجري بينما المدافع ما زالت تتحدث.

وفي السياق، عبد الله حمدوك وصف مخرجات الاجتماع بأنها «رد عملي وواضح» على من راهنوا على عجز المدنيين عن الاتفاق، وربما تكمن أهمية العبارة في أن الرهان على انقسام المدنيين ظل واحدًا من أكبر معوقات تشكيل جبهة سياسية قادرة على التأثير في مسار الحرب.

لكن نجاح اجتماع أديس أبابا في إنتاج وثيقة مشتركة لا يعني أن القوى المدنية أصبحت موحدة تمامًا، ولا أن طريق السلام بات مفتوحًا؛ إذ إنّ المسافة بين إصدار وثيقة سياسية وبين تحويلها إلى قوة ضغط حقيقية لا تزال طويلة، وربما تكون هي الاختبار الأصعب.

أرقام لا تسمح بتأجيل السلام.

إلى ذلك، الحرب السودانية لم تعُد أزمة سياسية يمكن إدارتها بالبيانات والاجتماعات؛ إنها كارثة بشرية ضخمة تجاوزت حدود السودان.

وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 11.3 مليون شخص كانوا في عداد النازحين قسرًا حتى أغسطس 2026، بينهم نحو 6.49 ملايين نازح داخل السودان وأكثر من 4.58 ملايين شخص فروا إلى خارج البلاد أو دخلوا في حركات لجوء وعودة مرتبطة بالحرب.

وبنهاية 2025، كان السودان يضم نحو 9.1 ملايين نازح داخليًا، وهو أعلى رقم على مستوى العالم وفق بيانات المفوضية.

أما عدد القتلى، فلا توجد حتى الآن حصيلة نهائية يمكن الوثوق بها، بسبب انهيار منظومة التسجيل واتساع رقعة الحرب؛ لكن تقديرات أممية وحقوقية تحدثت عن أرقام تصل إلى 150 ألف قتيل، بينما تبقى الأرقام الفعلية مرشحة لأن تكون أعلى من ذلك بكثير.

وهنا تصبح عبارة «الحسم العسكري» شديدة الكلفة، فحتى إذا تمكن أحد الطرفين من السيطرة على مساحات إضافية، فلن تعود ملايين الأسر إلى منازلها بمجرد تغير الخريطة العسكرية، ولن تعود المستشفيات والمدارس والمصانع والأسواق إلى العمل بقرار عسكري؛ إذ إنّ الحرب قد تنتج سيطرة، لكنها لا تنتج بالضرورة دولة.

لماذا ترفض القوى المدنية حوار البرهان؟

وفي السياق، يعتبر جوهر الخلاف الذي طرحته وثيقة أديس أبابا ليس في مبدأ الحوار ذاته، وإنما في شروط الحوار وبيئته ومرجعيته.

كما أن القوى المناهضة للحرب ترى أن الحوار الذي يجري في منطقة يسيطر عليها أحد طرفي النزاع، بينما القتال مستمر، قد يتحول من وسيلة لإنهاء الحرب إلى وسيلة لإضفاء الشرعية السياسية على نتائجها العسكرية.

وهذا اعتراض سياسي يمكن فهمه بسهولة، إذا كانت الحرب قد أنتجت مناطق نفوذ وسيطرة متباينة، فإن تحويل هذه الوقائع الميدانية إلى أساس للحوار قد يعني أن السلاح يصبح بصورة غير مباشرة أداة لتحديد من يجلس إلى الطاولة ومن يملك الصوت الأعلى. لكن في المقابل، تواجه القوى المدنية سؤالًا صعبًا، إذا رفضت الحوار، فما البديل العملي؟

وهنا تكمن أهمية الوثيقة؛ فهي لا تكتفي بالرفض، وإنما تقترح ثلاثة مسارات متزامنة، إنساني، ووقف إطلاق النار، وسياسي.

وهذا أكثر واقعية من القفز مباشرة إلى مؤتمر سياسي شامل، لأن السلام في بلد يخوض حربًا مفتوحة يحتاج أولًا إلى وقف نزيف الحرب، ثم بناء الثقة، ثم معالجة جذورها السياسية والأمنية.

وقف النار ليس نهاية الحرب.

من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها السودانيون والمجتمع الدولي التعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره نهاية الأزمة؛ إذ إنّ وقف النار هو بداية العملية وليس نهايتها.

كما أنّ البلاد تحتاج إلى ترتيبات أمنية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق، وفتح الممرات الإنسانية، وعودة النازحين واللاجئين، وإطلاق المعتقلين، ومعالجة ملف المفقودين، ثم الدخول في عملية سياسية تعيد بناء مؤسسات الدولة.

ولهذا تبدو فكرة المسارات الثلاثة التي طرحتها الوثيقة منطقية، إذ لا يمكن فصل الإنساني عن العسكري، ولا العسكري عن السياسي.

وإذا نجحت وساطة دولية في انتزاع هدنة مؤقتة، ثم انهارت بعد أسابيع، فإن السودان سيعود إلى النقطة ذاتها؛ أما إذا تحولت الهدنة إلى آلية مراقبة ووقف دائم لإطلاق النار، ثم إلى ترتيبات انتقالية واضحة، فإنها تصبح جسرًا نحو السلام.

مجلس الأمن.. السلاح في قلب المعادلة.

في الجانب الدولي، يكشف النقاش حول توسيع العقوبات المفروضة على السودان عن معضلة أخرى؛ إذ إنّ الولايات المتحدة تدفع باتجاه توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، مع تعزيز آليات مراقبة العقوبات، بينما تتحفظ روسيا والصين على توسيع العقوبات وتخشيان من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تعقيد الوضع الإنساني والسياسي.

المشكلة أن الحرب السودانية لم تعُد شأنًا داخليًا خالصًا؛ إذ إنّ تدفق السلاح والمال والدعم الخارجي جعل من الصعب فصل الميدان السوداني عن الحسابات الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن أي عملية سلام جادة لن تكون مطالبة فقط بإقناع الجيش والدعم السريع بوقف إطلاق النار، وإنما أيضًا بإقناع الداعمين الخارجيين بأن استمرار الحرب ليس استثمارًا سياسيًا رابحًا.

إزاء ذلك، إذا استمرت قنوات السلاح مفتوحة، فقد يستطيع الوسطاء إنتاج عشرات البيانات، لكنهم لن يستطيعوا إنتاج سلام دائم.

هل تستطيع القوى المناهضة للحرب أن تتحول إلى لاعب مؤثر؟

هنا يقع الاختبار الحقيقي لوثيقة أديس أبابا؛ إذ إنّ القوى المدنية نجحت في إنتاج موقف مشترك، وهذا مكسب سياسي مهم، لكنها تحتاج إلى الانتقال من مرحلة التوافق على النص إلى مرحلة بناء القوة السياسية.

والمقصود بالقوة هنا ليس السلاح، وإنما القدرة على التأثير في الرأي العام، والتواصل مع القوى الإقليمية والدولية، وتوحيد الخطاب، وتقديم أسماء وشخصيات قادرة على تمثيل هذا التيار، والتعامل مع القضايا المعقدة التي ستظهر فور توقف القتال؛ إذ إنّ السودان بعد الحرب لن يكون السودان الذي كان قبلها.

هناك ملايين النازحين، ومجتمعات فقدت أبناءها ومنازلها، واقتصاد منهار، ومؤسسات دولة ضعفت، وجيوش وتشكيلات مسلحة اكتسبت نفوذًا واسعًا، وشروخ اجتماعية تحتاج سنوات لمعالجتها.

ولهذا فإن الحديث عن الديمقراطية والانتقال المدني دون الحديث عن إعادة بناء الدولة سيكون ناقصًا.

العقدة الأصعب: من يدفع ثمن السلام؟

إلى ذلك، أي اتفاق سلام سوداني سيواجه سؤالًا شديد الحساسية، ماذا نفعل بالمتورطين في الجرائم؟ وبالنظر إلى ذلك نجد أنّ الوثيقة تضع العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب ضمن القضايا الأساسية، وهذا موقف ضروري من الناحية الأخلاقية والقانونية، لكنه سيصطدم حتمًا بحسابات السياسة.

إذ إنّ السلام يحتاج إلى تنازلات، والعدالة تحتاج إلى محاسبة، والمطلوب هو صيغة تمنع استخدام العدالة ذريعة لإفشال السلام، وفي الوقت نفسه تمنع استخدام السلام ذريعة لدفن الجرائم، وهذه واحدة من أعقد معادلات المرحلة المُقبلة.

المآل الأقرب.

في المُحصلة، الراجح أنّ السودان يقف أمام ثلاثة سيناريوهات، الأول، استمرار الحرب، وهو السيناريو الأكثر كلفة، وقد يقود إلى مزيد من التفكك والنزوح والانهيار الاقتصادي.

الثاني، انتصار عسكري جزئي لأحد الطرفين، وهو قد يغير ميزان القوى لكنه لن يحل تلقائيًا أزمة الدولة أو قضية السلاح أو العلاقة بين المركز والأقاليم.

أما السيناريو الثالث، وهو الأصعب لكنه الأكثر قابلية لإنتاج استقرار مستدام، فيتمثل في وقف إطلاق نار حقيقي، يتبعه مسار سياسي سوداني واسع، بضمانات إقليمية ودولية، ويقود إلى ترتيبات انتقالية تعالج قضايا الجيش والدولة والعدالة والحكم والاقتصاد، وهنا تحديدًا تكتسب وثيقة أديس أبابا أهميتها، فهي تحاول نقل النقاش من سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال «كيف يخرج السودان من الحرب؟».

لكن نجاح هذا التصور لن تحدده قوة اللغة في الوثيقة، وإنما قدرة القوى الموقعة عليها على تحويلها إلى مشروع سياسي قادر على مخاطبة السودانيين، وإقناع الوسطاء، والضغط على طرفي الحرب، والتعامل مع القوى التي ستظهر بعد توقف المدافع.

لقد دفعت البلاد ثمنًا هائلًا، أكثر من 11 مليون إنسان يعيشون اليوم خارج منازلهم أو خارج البلاد، بينما تقدّر الأمم المتحدة أن ملايين السودانيين ما زالوا يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، وسجلت أجزاء من السودان حالات مجاعة في 2025، بعد كل ذلك، يصبح استمرار الحرب مغامرة لا يملك السودان ترفها.

والحقيقة التي تبدو أكثر وضوحًا اليوم وغدًا، هي أنّ لا أحد يستطيع أن يعيد السودان إلى ما قبل 15 أبريل 2023؛ وعليه فإن المطلوب ليس العودة إلى الماضي، وإنما منع الحرب من صناعة مستقبل السودان وحدها.

إذ إنّ السلام المُقبل، إذا جاء، لن يكون مجرد توقيع على ورقة وحسب، بل سيكون معركة سياسية من نوع آخر، معركة إعادة بناء الدولة، وإعادة الثقة بين السودانيين، وإعادة تعريف علاقة الجيش بالسياسة، وضمان العدالة، واستعادة المجتمع المدني لدوره.

وفي هذه المعركة، سيكون السؤال الأهم أمام القوى المناهضة للحرب، هل تستطيع أن تكون أكثر من صوت يرفض الحرب؟

إذا استطاعت أن تتحول إلى قوة مدنية منظمة، واسعة التمثيل، واضحة الرؤية، وقادرة على تقديم بديل مقنع، فإن اجتماع أديس أبابا قد يكون بداية مسار جديد، أما إذا بقيت الوثيقة حبيسة قاعات الاجتماعات، فإن الحرب ستظل صاحبة الكلمة الأعلى، وفي السودان، بعد كل هذه الدماء، لم يعُد المطلوب أن ينتصر طرف على طرف، إذ إنّ المطلوب أن ينتصر السودان على الحرب وبأيَّ كيفية فالجميع قد دفعوا الثمن مُسبقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى