قاسم بدري.. والأحفاد في مصيدة السلطة

أبراهيم هباني 

ليس غريبا أن تبحث سلطة الأمر الواقع في السودان عن أسماء محترمة تضعها في واجهة مشروعها السياسي. الغريب أن تقبل بعض هذه الأسماء أن تؤدي هذا الدور.

لهذا كان مفاجئا، وربما صادما، أن يظهر اسم البروفيسور قاسم بدري، رئيس جامعة الأحفاد للبنات، ضمن “لجنة الحوار السوداني”.

المسألة ليست خلافا مع قاسم بدري، ولا اعتراضا على حقه في أن يتخذ الموقف السياسي الذي يراه. وليست المشكلة في الحوار نفسه. السودان الذي دمرته الحرب يحتاج إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى.

السؤال أبسط من ذلك: أي حوار؟ ومن يصنعه؟ ولأي غرض؟
عندما تختار السلطة أعضاء الحوار، وتحدد إطاره، ثم تدعو الآخرين إلى المشاركة فيه، فإنها لا تكون بالضرورة قد بدأت حوارا. قد تكون، ببساطة، بدأت عملية بحث عن شرعية.

وهنا يصبح اسم قاسم بدري مهما.

فهو ليس مجرد أستاذ جامعي اختير لعضوية لجنة. إنه رئيس جامعة الأحفاد للبنات، ويحمل اسما ارتبط لأكثر من قرن بمشروع اجتماعي وتنويري مختلف تماما.

وراء هذا الاسم يقف الشيخ بابكر بدري، أحد رواد تعليم المرأة في السودان، والرجل الذي خاض في زمانه معركة لم تكن سهلة من أجل تعليم البنات. ومن ذلك المشروع نشأت مؤسسة أصبحت جزءا من تاريخ التعليم الأهلي وحقوق المرأة في السودان.

لهذا فإن السؤال ليس: لماذا شارك قاسم بدري؟
بل: لماذا تحتاج السلطة إلى قاسم بدري؟
الجواب، في تقديري، يشرح الكثير مما يجري في السودان اليوم.

السلطات العسكرية تستطيع امتلاك السلاح والمؤسسات والمقار الحكومية، لكنها لا تستطيع تصنيع الاحترام الاجتماعي بقرار. والإسلاميون يستطيعون إعادة بناء شبكاتهم السياسية والتنظيمية، لكنهم يعرفون أن أسماءهم وحدها لا تكفي لتسويق مشروع سياسي جديد بعد تجربة حكم امتدت ثلاثة عقود.

لهذا يحتاجون إلى الآخرين.
إلى أستاذ جامعة معروف. وإلى شخصية مستقلة. وإلى امرأة ذات حضور عام. وإلى ناشط شبابي. وإلى اسم لم يرتبط بالنظام السابق.

ليست الفكرة جديدة.
منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، برع الإسلاميون السودانيون في صناعة الواجهات. مؤتمر للحوار، وآخر للوفاق، ولجنة للمصالحة، وشخصيات مستقلة توضع في الصفوف الأمامية. تتغير الأسماء واللافتات، بينما يبقى السؤال القديم نفسه: من يملك القرار الحقيقي؟
وهذه تحديدا هي المصيدة التي ينبغي للأكاديميين الحذر منها.
فالسياسي يستطيع أن يدخل تحالفا ثم يخرج منه. يستطيع أن يخسر انتخابات أو حزبا أو منصبا ويعود مرة أخرى. أما الأكاديمي وصاحب الرمز الاجتماعي، فرأسماله الحقيقي مختلف. إنه الثقة.

ولهذا كان المشهد الآخر، في جامعة الخرطوم، جديرا بالتوقف عنده.

أساتذة كلية الطب اختاروا طريقا مختلفا عندما رفضوا المضي في إجراء الامتحانات في الظروف الكارثية التي فرضتها الحرب، وما صاحبها من نزوح وتشرد وصعوبات في السفر والإقامة والوصول إلى مراكز الامتحانات.
قد يختلف البعض معهم في تقديرهم الإداري، وهذا طبيعي. لكن يصعب تجاهل المعنى الأخلاقي لموقفهم.
قالوا “لا”.

وهي كلمة صغيرة، لكنها تصبح كبيرة عندما تقال للسلطة.
لم يبحثوا عن مقعد في لجنة، ولم يحتاجوا إلى صورة مع مسؤول، ولم يحاولوا إقناع الناس بأن الظروف طبيعية بينما السودان يعيش واحدة من أسوأ مراحله.

وقفوا مع طلابهم كما رأوا واجبهم المهني والأخلاقي.
وهنا تظهر المفارقة.

في الوقت الذي تبحث فيه سلطة الأمر الواقع عن أكاديميين يمنحون لجانها شيئا من الشرعية، يقف أكاديميون آخرون في وجه قراراتها دفاعا عن استقلال الجامعة.

وهذه ليست مقارنة بين أشخاص بقدر ما هي مقارنة بين مفهومين لدور الأستاذ الجامعي.

هل الأكاديمي جزء من ديكور السلطة، أم أحد الذين يضعون الحدود أمامها؟
ولا يعني هذا مطالبة الأكاديميين باعتزال السياسة. العكس صحيح. السودان يحتاج إلى أفضل عقوله في المجال العام. لكنه يحتاج إليهم وهم يحملون استقلالهم إلى السياسة، لا عندما تحملهم السياسة إلى مقاعد أعدتها لهم السلطة.

هناك فرق بين الأمرين.
وإذا كان البروفيسور قاسم بدري قد اختار لاحقا عدم الاستمرار في اللجنة، فإن موقفه يستحق الترحيب. فالعودة عن خطوة ملتبسة أفضل من الدفاع عنها، وحماية إرث الأحفاد أهم من عضوية لجنة، أيا كان اسمها.
فجامعة الأحفاد ستبقى، واللجان تذهب.

ويبقى السؤال الأهم أبعد من قاسم بدري نفسه.
لماذا تصر سلطة الأمر الواقع على البحث عن هذه الأسماء؟
لأن البندقية تستطيع فرض الأمر الواقع، لكنها لا تستطيع منحه الشرعية.

ولهذا تحتاج السلطة إلى الأكاديمي، والمثقف، والمرأة، والشاب، والشخصية المستقلة. تحتاج إلى أسمائهم لكي يبدو المشهد أوسع من القوى التي تديره فعليا.

وهنا مسؤولية أصحاب الأسماء.
فحين تضع السلطة اسم أكاديمي كبير على قائمة، فهي لا تمنحه بالضرورة قيمة إضافية. في أحيان كثيرة، هي التي تستعير قيمته.

وهذا ما ينبغي أن يدركه أصحاب التاريخ والرمزية قبل قبول المقاعد.

بابكر بدري لم يدخل التاريخ لأنه اختار المكان الأكثر راحة في زمنه. دخل التاريخ لأنه اختار المعركة الأصعب، ووقف مع فكرة كانت أسبق من مجتمعها: تعليم المرأة.
ذلك هو الإرث الحقيقي للأحفاد.
وفي زمن الحرب، لا يحتاج السودان إلى أكاديميين يزينون موائد السلطة، بقدر ما يحتاج إلى أكاديميين يذكرونها بأن للجامعة ضميرا، وللعلم استقلالا، وللرموز ثمنا لا ينبغي أن يدفع مقابل مقعد.

ففي النهاية، السلطة تحتاج إلى أسماء الكبار أكثر مما يحتاج الكبار إلى لجانها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى