من انقلاب أكتوبر إلى حرب ابريل.. البرهان وحلم الشرعية المستحيلة

حيدر المكاشفي

منذ انقلابه في أكتوبر 2021، ظل الفريق أول عبد الفتاح البرهان يعيش أزمة سياسية من نوع خاص، فالرجل رغم انه استحوذ على السلطة بالقوة، لكنه لا يزال يبحث عن الشرعية، وهذه والله حكاية تستحق أن تدون في كتب السياسة تحت عنوان (كيف تجلس على كرسي السلطة ثم تقضي سنوات في البحث عن شهادة تثبت أن الكرسي لك)، فمنذ ذلك الانقلاب المشؤم لم تتوقف محاولات البرهان إنتاج شرعية له.تضمنت ترتيبات، مجالس، حكومات، مواثيق، تصريحات، مؤتمرات، مبادرات، لقاءات دولية، صور تذكارية، وخطب طويلة عن الدولة والمؤسسات والسيادة. وكل ذلك يمكن اختصاره في سؤال واحد يا جماعة الخيرأين الشرعية. فقد تكون السلطة موجودة وقد تكون المكاتب موجودة، وقد تكون السيارات الرسمية موجودة، وقد تكون المواكب موجودة، وقد تكون البيانات الرسمية موجودة، لكن المشكلة أن الشرعية نفسها غير موجودة منذ أكتوبر 2021. ثم جاءت الحرب فازدادت حاجة البرهان إلى الشرعية أكثر. فالحرب ليست فقط معركة دبابات وطائرات ومسيرات ومدافع. هناك معركة أخرى تجري في الفنادق والقاعات الدبلوماسية ومكاتب الأمم المتحدة ووزارات الخارجية، تدور حول ما هو السودان ومن يتحدث باسم السودان ومن يمثل السودان، وهكذا أصبح لدينا في السودان مشهد عبثي كامل، فهناك طرف يقول أنا الدولة وطرف آخر يقول أنا صاحب الشرعية. والشعب السوداني المسكين يقول يا جماعة نحن الدولة أم أنتم. والمفارقة أن السلطة التي جاءت إلى الحكم بانقلاب على المسار الانتقالي أصبحت من أكثر الجهات حديثاً عن الدولة والمؤسسات والقانون. وهذا يشبه حال شخص هدم باب منزله ثم وقف أمام أنقاضه يحذر الآخرين من العبث بالممتلكات داخل المنزل.. لكن لا بأس ففي السياسة السودانية يبدو أن الذاكرة قصيرة جداً والبيانات طويلة جداً. ولهذا يمكن للانقلاب أن يتحول بعد فترة إلى إجراء لحماية الدولة، ويمكن لتعطيل المسار المدني أن يصبح تصحيحاً، ويمكن للسيطرة على السلطة أن تصبح مسؤولية وطنية، ثم تبدأ رحلة البحث الكبرى عن الاعتراف. والاعتراف هنا ليس مجرد كلمة دبلوماسية إنه الجائزة الكبرى. فمن يقنع العالم بأنه الحكومة الشرعية يقترب خطوة من احتكار تمثيل السودان، ومن التحكم في علاقاته الخارجية ومن امتلاك الصوت الرسمي في المحافل الدولية. ولهذا تحولت الحرب نفسها إلى سوق (ام دفسو) للشرعية. كل طرف يعرض بضاعته ويقول أنا الدولة.. أنا الجيش.. أنا الشرعية.. أنا الاستقرار.. أنا من يحمي السودان.. وفي الجانب الآخر يقف المواطن السوداني أمام هذه العروض كلها وهو يحمل قائمة مختلفة تماماً، ويقول بلسان الحال والمقال أريد بيتاً.. أريد أمناً.. أريد خبزاً.. أريد مستشفى.. أريد مدرسة لأطفالي.. أريد أن أعود إلى مدينتي وقريتي وباديتي.. وبعبارة واحدة جامعة أريد أن تتوقف الحرب.. لكن يبدو أن هذه القائمة ليست مدرجة في جدول أعمال معركة الشرعية، والأكثر إثارة للسخرية أن كل طرف يريد أن يحصل على السودان كاملاً في الخطاب، بينما لا أحد يستطيع أن يضمن للسوداني العادي حتى حقه في الحياة.. يقال لنا إن هذه حرب من أجل الدولة.. حسناً.. ولكن أي دولة.. الدولة التي نزح منها الملايين، الدولة التي دُمرت مدنها.. الدولة التي انهار اقتصادها.. الدولة التي توقفت فيها المدارس والمستشفيات.. الدولة التي صار المواطن فيها يبحث عن مكان آمن أكثر مما يبحث عن وظيفة.. إذا كانت هذه هي الدولة التي يتقاتلون من أجلها فمن حق المواطن أن يسأل، هل يمكنكم ولو لمرة واحدة أن تتقاتلوا من أجلنا بدلاً من أن تتقاتلوا باسمنا، ويبدو ان البرهان أدرك أن السيطرة على الأرض لا تكفي.. فقد تستطيع أن تسيطر عسكرياً على مدينة، لكنك لا تستطيع بمجرد ذلك أن تجعل العالم يعترف بأنك تمثل كل سكان السودان. وتستطيع أن ترفع علم السودان لكن العلم لا يمنحك تفويضاً شعبياً. وتستطيع أن تعقد المؤتمرات لكن المؤتمر لا يتحول إلى صندوق انتخابات. وتستطيع أن تحصل على استقبال رسمي في الخارج لكن المصافحة الدبلوماسية ليست استفتاءً شعبياً. وهنا تحديداً تكمن مشكلة شرعية الاعتراف. فالاعتراف الخارجي قد يمنح السلطة وزناً سياسياً لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده شرعية داخلية مستدامة. فالشرعية ليست ختماً يوضع على جواز السفر. وليست شهادة تمنحها عاصمة أجنبية. وليست صورة مع رئيس دولة. وليست مقعداً في اجتماع.. الشرعية الحقيقية تبدأ من المواطن.. من حقه في الاختيار.. من احترام صوته.. من وجود مؤسسات لا تخضع لمزاج الحاكم.. ومن انتقال السلطة عبر آليات دستورية وديمقراطية.. أما أن تقول السلطة أنا الدولة فهذه ليست حجة سياسية إنها مجرد جملة. والجمل مهما ارتفع صوت قائلها لا تصبح حقائق لمجرد أنها قيلت من خلف ميكروفون. والأغرب أن معركة الشرعية أصبحت أهم من سؤال كيف نوقف الحرب، فبدلاً من أن يكون الهدف الأول هو إنقاذ البلاد أصبح السؤال من يجلس على الكرسي.. ومن يوقع.. ومن يتحدث.. ومن يمثل.. ومن يوضع علم السودان امامه في المؤتمر.. ومن يحصل على الصورة الجماعية.. وكأن السودان ليس بلداً مدمراً يحتاج إلى السلام وإنما أصبح مقعداً شاغراً في مؤتمر دولي يقاتل البرهان للجلوس عليه.. لكن السودان ليس مقعداً.. والشعب السوداني ليس جمهوراً في مؤتمر صحفي.. والشرعية ليست ملكية شخصية.. لقد أنتجت الحرب صراعاً جديداً فوق الصراع العسكري، ذلكم هو الصراع على التمثيل. ومن يملك التمثيل يملك القدرة على تقديم روايته للعالم ومن يملك الرواية يحاول أن يحدد من هو المعتدي ومن هو المدافع ومن هو صاحب الحق، ومن هو الطرف الذي ينبغي التعامل معه. وهكذا أصبحت الحرب حربين حرباً بالرصاص وحرباً بالكلمات. في الحرب الأولى يسقط الناس وفي الثانية تتصارع البيانات.. وفي الأولى تدمر المدن.. وفي الثانية تنسج الروايات وتدبج السرديات.. وفي الأولى يموت المواطن.. وفي الثانية يشتد الصراع على تمثيله.. لكن هناك ما لا تستطيع كل هذه المعارك إخفاءه، وهو ان السودان ليس البرهان ومجموعته.. وليس الدعم السريع وجماعته.. وليس أي حزب.. وليس أي حركة مسلحة.. وليس أي جماعة أيديولوجية.. ولا يملك أحد حق اختزال السودان في مؤسسة أو بندقية أو مجلس أو حكومة أمر واقع.. السودان ملك للسودانيين.. والشرعية التي لا تمر عبر إرادتهم ستظل ناقصة وشائهة، مهما حصلت على الأختام والتواقيع والاستقبالات الرسمية.. ربما ينجح البرهان في السيطرة على بعض مفاتيح السلطة، وربما ينجح في الحصول على بعض الاعترافات من هنا وهناك. لكن المشكلة الكبرى أن الشرعية ليست شيئاً يمكن الاستيلاء عليه بالقوة ثم البحث عن الاعتراف به لاحقاً. فالشرعية تبنى والبناء يحتاج إلى شعب ويحتاج إلى دستور ويحتاج إلى انتخابات ويحتاج إلى مؤسسات.. ويحتاج قبل كل ذلك إلى أن يتوقف الذين يقولون إنهم يحاربون من أجل السودان عن التعامل مع السودان وكأنه غنيمة حرب..ولهذا فإن حوار البرهان المزمع لن يكسبه أية شرعية..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى