حوارٌ سوداني على حافة الأسئلة.. هل يفتح طريقاً للسلام أم يعيد إنتاج الأزمة؟

في قاعةٍ بدت وكأنها جاءت لتطرح الأسئلة أكثر مما جاءت لتضع الإجابات، عاد السودانيون إلى الجري في ماراثونٍ طالما مشوا فيه، دون أن يبلغوا حتى الآن شواطئ الاستقرار.
في قاعة النيل الملحقة بفندق سلام روتانا بالعاصمة الخرطوم، انطلق مسار جديد حمل عنوان «الحوار السوداني السوداني»، عبر مؤتمر صحفي عقدته لجنة أطلقت على نفسها اسم لجنة تهيئة الحوار، معلنةً بدء تحركها لتهيئة شروط حوار يجمع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، في مسعى تقول إنه يستهدف الإسهام في وقف الحرب وتمهيد الطريق أمام توافق وطني.
المبادرة التي تقودها لجنة سودانية مستقلة تضم 19 شخصية، يتقدمها رئيس جامعة الأحفاد قاسم بدري، بدأت من مفارقة لم تخفها منصة المؤتمر؛ إذ خاطب رئيس اللجنة الحضور عبر تقنية الفيديو من مقر إقامته خارج السودان.
بدأت الجلسة بترديد السلام الوطني السوداني، قبل أن تصدح القاعة بعبارة «هذه الأرض لنا». لكن العبارة التي يفترض أن تكون تأكيداً على الانتماء، بدت في سياق المشهد أقرب إلى سؤال مفتوح؛ فالأرض المحشوة بالبنادق، والمثقلة بالحرب، لم يعد فيها متسع كافٍ للحياة.
ومن بين جنبات القاعة، ظل سؤال آخر أكثر إلحاحاً يفرض نفسه: السلام الذي يُراد له أن يبدأ بالحوار، هل هو طريق حقيقي لإيقاف الحرب، أم يمكن أن يتحول الحوار نفسه إلى بوابة لشرعنتها؟
في بيانها، قالت لجنة تهيئة الحوار إن مبادرتها جاءت استجابةً لـ«الصوت والرغبة الشعبية الصادقة» في إنهاء الحرب، وتجنب إعادة إنتاج دورات العنف، وبناء مستقبل أكثر أمناً للأجيال القادمة.
وأكدت اللجنة أن مهمتها في المرحلة الحالية لا تتجاوز تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، داخل السودان وخارجه، بما يساعد على بلورة رؤية مشتركة حول شروط الحوار ومنهجه وضماناته.
لكن، وفي مواجهة ما ينتظر المبادرة من أسئلة وهواجس، انصرف المتحدثون إلى التأكيد على استقلالية اللجنة، مشددين على ضرورة إبعاد أي تأثير حكومي عن خطواتها ومساراتها.
وضمت منصة المؤتمر الصحفي كلاً من عبدالله آدم خاطر، عثمان ميرغني عبدالله، عثمان ميرغني الحسين، سليمان الأمين، الدكتور محمد جلال هاشم، أمين سعد، ونصر الدين شلقامي.
وطالبت اللجنة الدولة بتوفير ضمانات تسمح بانعقاد حوار داخلي داخل السودان، من بينها وقف الملاحقات القانونية ومنح المشاركين حصانة مؤقتة، بالتزامن مع إطلاق مبادرتها الوطنية الرامية إلى إنهاء الحرب عبر توافق سوداني.
وشددت على أن دورها في هذه المرحلة يتمثل في تهيئة المناخ وبناء الثقة وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وصولاً إلى رؤية مشتركة بشأن شروط الحوار ومنهجه وضماناته.
وفي محاولة لحسم واحد من أكثر الأسئلة إثارة للجدل، نفت اللجنة وجود أي اتصال بينها وبين من يحملون السلاح، مؤكدةً أن هناك فصلاً تاماً بين المسارين الأمني والسياسي.
وفي السياق، قال القيادي بالتيار المستقل، نور الدين صلاح الدين، في تصريح خاص لـ«أفق جديد»، إن الدعوة إلى الحوار من حيث المبدأ فكرة تستحق الدعم، مشيراً إلى أن السودانيين بحاجة إلى الجلوس معاً، وأن مبادرة مجموعة سودانية لمحاولة حل النزاع تمثل، في حد ذاتها، خطوة إيجابية.
وأضاف أن صدور الدعوة من سودانيين يؤكد قدرة السودانيين على إدارة حوارهم، ووضع أجندته والتحكم في مخرجاته، مشيراً إلى أن اللجنة الحالية هي لجنة لتهيئة الحوار وليست لجنة لإدارة الحوار، وهو ما اعتبره مسعى جيداً ونقطة إيجابية.
لكنه في الوقت ذاته أقر بوجود مخاوف وهواجس وتحفظات لدى أطراف مختلفة، قائلاً إن على اللجنة أن تستمع إلى تلك الملاحظات، حتى تتمكن من رسم خارطة طريق واضحة لإدارة العملية السياسية.
وحول مسألة الفصل بين المسارين السياسي والأمني، رأى صلاح الدين أن الفصل بينهما أمر جيد، بحيث يجلس حاملو السلاح مع بعضهم البعض في مسار أمني، بينما تتحاور القوى السياسية والمدنية في مسارها، على أن تبقى القوة العسكرية بعيدة عن حلبة السياسة.
وقال إن ذلك من شأنه أن يمهد الطريق نحو جيش موحد، ويمنع أي قوة حاملة للسلاح من الاستقلال بنتائج الحوار أو فرض أجندتها عليه.
وفي قاعة «روتانا»، يقدم المجتمعون أنفسهم بوصفهم مجرد واسطة خير لجمع شتات السودانيين على كلمة سواء؛ يحددون، كما يقولون، مسارات السياسة ولا علاقة لهم بحملة السلاح من الجانبين. وفي الوقت ذاته يؤكدون أن لا سلطة للحكومة على رؤاهم أو قراراتهم.
وبذلك يحاول القائمون على المبادرة النأي بأنفسهم عن اتهام محتمل بأنهم يمضون في اتجاه شرعنة سلطة قائد الجيش أو تمهيد الطريق أمام بقائه رئيساً للجمهورية، مؤكدين أن لا علاقة لهم بما ستناقشه طاولة الحوار نفسها، وأن تلك القضايا تظل من اختصاص المشاركين فيه بعد اكتمال تشكيله وانطلاق جلساته.
غير أن الساعين إلى صناعة «التوافق السوداني» وجدوا أنفسهم، منذ اللحظة الأولى، في قلب اختلافٍ لم تصنعه طاولة الحوار وحدها.
فالتعليقات على الصور التي ظهرت خلف المنصة، وعلى الشخصيات التي اعتلتها، سرعان ما حملت أسئلة تتجاوز تفاصيل المبادرة إلى تركيبتها نفسها؛ سؤالٌ عن الشباب، وسؤالٌ عن النساء، وسؤالٌ عن الحضور الغائب للأجيال التي دفعت الثمن الأكبر للحرب.
وعاد إلى الواجهة سؤال قديم، لكنه لا يزال يتجدد كلما حاول السودانيون فتح بابٍ جديد للحوار:
كيف يمكن الوصول إلى نتائج مختلفة، إذا كنا نمضي في ذات المسار القديم؟
ربما لا يكون مؤتمر «تهيئة الحوار» أكثر من بداية طريق طويل، وربما يكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة المحاولات السودانية التي لم تبلغ شاطئ السلام بعد. لكن المؤكد أن السودان، وهو يثقل بخسارات الحرب، لم يعد يحتمل حواراً يكتفي بتغيير أسماء الطاولات، بينما تبقى الأسئلة ذاتها، والوجوه ذاتها، والمسارات ذاتها.
ففي بلدٍ أنهكته البنادق، لا يكفي أن يُفتح باب الحوار؛ المطلوب أن يكون خلفه طريق حقيقي إلى السلام.





