من الركود إلى الإغلاق.. الجبايات تدفع تجار عطبرة إلى التصعيد

أفق جديد

في سوقٍ أنهكه الركود وتراجعت فيه حركة البيع والشراء، لم يجد تجار السوق الشعبي بمدينة عطبرة سوى إغلاق أبواب متاجرهم، احتجاجًا على رسوم وجبايات يقولون إنها باتت تفوق قدرتهم على الاحتمال.

أبواب أغلقت، وبضائع بقيت على الرفوف، وملايين الجنيهات تُطلب من تجار يكافحون أصلًا للبقاء في سوق أنهكتها الحرب والأزمة الاقتصادية.

وبينما تبحث السلطات عن مواردها، يخشى التجار أن تتحول الجبايات من وسيلة لتمويل الخدمات إلى سبب جديد لإغلاق ما تبقى من أعمالهم.

حسنًا، أغلق عشرات التجار متاجرهم في السوق الشعبي بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل، احتجاجًا على ارتفاع الضرائب والجبايات والرسوم التي تفرضها السلطات المحلية، معلنين مواصلة الإضراب عن العمل إلى حين الاستجابة لمطالبهم.

وشمل الإغلاق نسبة كبيرة من متاجر السوق، في خطوة تعكس تصاعد حالة التذمر بين التجار، الذين يواجهون، إلى جانب ارتفاع الرسوم، تراجعًا في النشاط التجاري وارتفاعًا في تكاليف التشغيل وتدهورًا حادًا في القدرة الشرائية للمواطنين.

وقال تجار إن السلطات فرضت عليهم مبالغ تصل إلى ملايين الجنيهات تحت بند رسوم تجديد عقود المحال التجارية بين المستأجرين ومحلية عطبرة، مؤكدين أن هذه المبالغ تفوق قدرتهم المالية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، ما دفعهم إلى رفض سدادها.

واتهم تجار السلطات بإجبارهم على الدفع تحت التهديد، مشيرين إلى مداهمة قوات الشرطة عددًا من المتاجر للمساعدة في عمليات التحصيل، في حملة قالوا إنها اتسمت بالتشدد واستخدام القوة لإرغام التجار على السداد وتخويفهم.

ويأتي الإضراب في وقت تعاني فيه الأسواق السودانية من ركود وكساد متواصلين منذ نحو عامين، بفعل تداعيات الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض حركة البيع والشراء وتراجع قدرة المواطنين على الإنفاق.

ويشتكي التجار في عدد من الولايات من تعدد الرسوم والجبايات المحلية وارتفاعها، في مقابل ما يقولون إنه ضعف في مستوى الخدمات المقدمة، معتبرين أن استمرار زيادة الأعباء المالية يهدد ما تبقى من النشاط التجاري ويدفع مزيدًا من أصحاب المحال إلى إغلاق أعمالهم.

ويطالب تجار السوق الشعبي بعطبرة بمراجعة رسوم تجديد العقود وإعادة النظر في قيمة الجبايات المفروضة عليهم، مؤكدين أن استمرار الإغلاق مرهون بمدى استجابة السلطات لمطالبهم.

يقول تاجر ملابس لـ”أفق جديد”: “السوق أصلًا ما فيه حركة، والناس قدرتها الشرائية ضعيفة جدًا. نحن بنبيع بالكاد عشان نوفر إيجار المحل ومصاريفنا، فكيف ندفع ملايين في رسوم التجديد؟”

وأضاف: “الرسوم الجديدة فوق طاقتنا. نحن ما رفضنا ندفع الرسوم من حيث المبدأ، لكن المبلغ المطلوب كبير جدًا مقارنة بالدخل الحالي، ولا يمكن للتاجر أن يتحمله في ظل هذا الركود”.

من جانبه، يقول تاجر مواد غذائية لـ”أفق جديد”: “منذ فترة طويلة السوق يعاني من الكساد، والزبون أصبح يشتري الضروريات فقط. أي زيادة جديدة في الرسوم معناها أن التاجر سيضطر إلى رفع الأسعار أو إغلاق محله”.

وتابع: “فوجئنا بالمبالغ المطلوبة لتجديد العقود، وهي مبالغ بالملايين. كثير من التجار لا يملكون هذه الأموال، خصوصًا أن معظم المحلات أصلًا مبيعاتها ضعيفة”.

بدوره، يقول تاجر في السوق الشعبي: “نحن نريد أن نعمل، ولسنا ضد الدولة أو دفع الرسوم، لكن يجب أن تكون هناك مراعاة للظروف الاقتصادية. لا يمكن أن تُفرض علينا رسوم كبيرة بينما السوق يعاني من الركود”.

وأضاف: “حصلت حملات على المحلات لإجبار التجار على الدفع، وكان وجود الشرطة بالسلاح داخل السوق سببًا في تخويف التجار. نحن نريد أن تتم معالجة الموضوع بالحوار وليس بهذه الطريقة”.

وتابع: “إذا استمرت هذه الرسوم بهذه القيمة، لن يكون أمامنا خيار سوى إغلاق المحل. نحن أصلًا بالكاد نستطيع توفير رأس المال لشراء البضاعة، فكيف نوفر ملايين لتجديد العقد؟”.

في الأثناء، يقول صاحب مغلق: “السوق لم يعد مثل السابق. الحرب أثرت على كل شيء، والزبائن قلوا والأسعار ارتفعت، والتاجر أصبح يعمل لساعات طويلة من أجل هامش ربح بسيط. الرسوم الحالية قد تكون القشة التي تقصم ظهر كثير من التجار”.

وأضاف: “مطلبنا واضح: إعادة النظر في قيمة الرسوم والجلوس مع التجار للوصول إلى مبلغ معقول يتناسب مع الوضع الحالي. نحن نريد فتح محلاتنا ومواصلة العمل، لكن لا نستطيع دفع مبالغ تفوق إمكانياتنا”.

ويقول الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي، إن أي تعديلات في الرسوم أو الضرائب ينبغي أن تسبقها دراسات دقيقة لقياس آثارها الاقتصادية، مع إشراك القطاع الخاص في صياغة القرارات الاقتصادية، بما يضمن تحقيق التوازن في السياسات ودعم الاقتصاد الوطني.

ويؤكد فتحي لـ”أفق جديد”، أن تحقيق العدالة بين التجار، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، تمثل ركائز أساسية لتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات واستمرار النشاط الاقتصادي.

ويضيف أن التاجر الذي عاد إلى ممارسة نشاطه التجاري، وكذلك المنتج، سواء كان صناعيًا أو زراعيًا، يحتاجان إلى دعم حكومي وتخفيف الأعباء المالية، مشددًا على أن إعادة بناء الاقتصاد لا تتحقق بتعدد الجبايات والرسوم والضرائب، وإنما بدعم المواطنين وتحفيزهم على الإنتاج والعمل والتجارة والاستثمار.

ويحذر فتحي من أن تعدد الرسوم والضرائب يؤدي إلى زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي ورفع المستوى العام للأسعار، وبالتالي تصاعد معدلات التضخم، بما قد يتجاوز في بعض الحالات الإيرادات المتوقعة من عمليات التحصيل.

وعلى مستوى المستهلك، يرى فتحي أن العبء النهائي لهذه الرسوم يقع في الغالب عليه، باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا، من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الضغوط المعيشية، في ظل بيئة اقتصادية شديدة الصعوبة.

ويقول إن سياسة التحصيل المتكرر التي تتبعها الحكومة عبر المحليات تقود إلى خنق النشاط التجاري، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من ضعف التمويل المصرفي، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع سعر الدولار، فضلًا عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية.

 

في عطبرة، لا يبدو إغلاق المتاجر مجرد إضراب احتجاجي، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق تضرب الأسواق السودانية؛ فالتاجر الذي لا يجد زبونًا بسبب تراجع القدرة الشرائية، يجد نفسه في مواجهة رسوم لا يستطيع سدادها، فيما تتراجع الخدمات التي يقول إنه يدفع مقابلها.

ومع استمرار الإغلاق، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يستطيع التجار الصمود بين ركودٍ يخنق تجارتهم وجباياتٍ يقولون إنها تدفعهم إلى إغلاق أبوابها؟ ففي سوق أنهكته الحرب، قد لا يكون إغلاق المتجر احتجاجًا مؤقتًا، بل بداية لخروج المزيد من التجار من دائرة العمل نهائيًا.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى