أعمار أقصر من الأحلام: تأملات في الحياة والزمن والحرب

عمر الدقير
٤ سبتمبر ٢٠٢٦
“الحياة قصيرة”؛ جملة تتردد كثيراً على الألسن، خصوصاً حين يكتشف الإنسان أن الوقت يمضي سريعاً وأن كثيراً من خططه وأحلامه قد يظل دون إنجاز، أو حين يباغت الموت عزيزاً قبل أن يتدارك جفوةً معه، أو عندما يكتشف متأخراً ما كان ينبغي أن يفعله ولم يفعله. وفي هذا المعنى، كتب الفيلسوف الروماني لوسيوس سينيكا ـ أحد رموز المدرسة الرواقية ـ رسالةً، إلى صهره باولينوس، عن قِصر حياة الإنسان بعنوان On the Shortness of Life، رأى فيها أن المشكلة ليست في أن العمر قصير، بل في أن الإنسان يبدد جانباً كبيراً منه قبل أن ينتبه إلى قيمته. وربما كانت المعضلة أعمق من ذلك؛ فالإنسان لا يُمنح زمناً يساوي اتساع رغباته وأحلامه، ولذلك يظل في داخله ـ وهو يمضي في عمره ـ شيء لم يُعَش بعد.
وفي حال السودانيين اليوم، تبدو هذه الحقيقة أشد وطأة؛ فقد داهمتهم حربٌ زعزعت ما كانوا يظنونه مستقراً وممتداً، فاستمرت الأعمار في تناقصها بينما تَعطَّلت الحياة التي كانوا يبنونها لأنفسهم، وهُدِّم كثيرٌ مما أنجزوه، وأصبح على كثيرين أن يبدأوا من جديد بقدرةٍ أضعف وزمنٍ أقل.
وما تكشفه الحرب بهذه القسوة ليس شأناً سودانياً خالصاً، بل وجهاً مكثفاً لمأزق إنساني أوسع: أن العمر محدود، بينما ما يريده الإنسان من الحياة يكاد لا تحدُّه حدود. ففي داخل كل إنسان أكثر من حياةٍ ممكنة، لكنَّ سقفَ العمر وصروفَ الدهر لا يتيحان له أن يكون كل ما يمكن أن يكونه: هناك طرق لم يسلكها، ومدن قال إنه سيزورها، وكُتُب تركها لوقت أرحب، وأشخاص أحبهم ولم يقل لهم ما يكفي، ونسخ أخرى منه كان يمكن أن تولد لو أنه ـ عند مفترقٍ قديم ـ اختار طريقاً آخر. غير أن الزمن لا يعود بالإنسان إلى الوراء ولا يعيد إليه اللحظة الغاربة بنفس شروطها، ليختار من جديد. وربما لهذا لا يكون الندم حزناً على الماضي وحده، بل حنيناً إلى مستقبلٍ مات قبل أن يولد.
ولعل القلق أحد أكثر المشاعر اتصالاً بهذا المأزق؛ أن يعرف الإنسان أن العمر محدود، بينما تَفلِت منه فرصٌ وتجارب وأحلام كان يمكن أن تمنح حياته ملمحاً آخر. وهذا القلق، في صورته الأشد قتامة، يملأ عالَم فرانز كافكا ـ صاحب رواية “المحاكمة” ـ حيث يبدو الإنسان كأنه يركض داخل متاهة لا يعرف مخرجها، خائفاً من أن تنقضي الحياة قبل أن يفهمها أو يجد مكانه فيها. وعلى الضفة الأخرى يُعبِّر المتنبي عن قلقٍ مختلف، بقوله: “على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي .. أُوَجِّهها جنوباً أو شمالا”؛ وذلك قلقٌ لا ينكفئ على الذات، بل يدفع إلى الحركة، كأن الطموح أوسع من المكان والعمر أقصر من الانتظار.
وقد يكون أقسى ما في قِصر الحياة أن يكتشف الإنسان متأخراً أنه عاش حياة لم يخترها تماماً. وذلك ما جَسَّده تولستوي في روايته القصيرة “موت إيفان إيليتش”؛ فبطل الرواية، حين يشتد عليه المرض ويوقن بقرب النهاية، يبدأ في مراجعة حياته، فيتبين له أن الوظيفة والمكانة والحياة التي بدت ناجحة في أعين الآخرين لم تكن هي الحياة التي كان يريدها لنفسه. وهكذا يتحول الموت إلى مرآةٍ أخيرة لا تجامل.
الزمن لا يترك أثره على البشر وحدهم؛ إنه يُغيِّر الأمكنة كذلك. وما بكاء الشاعر العربي القديم على الأطلال إلَّا حزناً على أحبةٍ غابوا وعلى حياةٍ كانت هنا ثم تلاشت؛ فالمكان يبقى حيث هو، لكنَّ الوجوه والأصوات والعادات التي منحته معناه لا تبقى كما هي. وهذا ما التقطه الطيب صالح بعمق؛ فالقرية التي يغادرها الإنسان تواصل حياتها من دونه، وحين يعود لا يجدها كما غادرها، بل يجد أثر السنوات على المكان وناسه.
وللسودانيين اليوم معرفةٌ أشد وجعاً بهذا المعنى؛ فقد جعلت الحرب عودة الملايين منهم إلى البيوت والأحياء والمدن سؤالاً يتجاوز المكان إلى الزمن نفسه. استطال الانتظار وكبر أطفال بعيداً عن ملاعبهم ومدارسهم، وتفرقت عائلات بين مدن وبلدان؛ وبقي سؤال “متى نعود؟” معلقاً في الوجدان، يفقد شيئاً من يقينه كلما طال الانتظار. ومع امتداد الغياب، يتكشف وجه آخر من قسوة الحرب؛ فهي لا تقصف أعمار الناس بالموت فقط، بل تقصف أيضاً ما كان يمكن أن تكون عليه تلك الأعمار.
وربما لهذا تزداد الأشياء الصغيرة أَلَقاً وقيمةً كلما شعر الإنسان بأن الوقت ليس مضموناً؛ خيط الشمس الأول على الجدران، مشهد الأطفال الصباحي بزيِّ المدرسة، صوت المُغنِّي في حافلة المواصلات، صحن الفول، والجلسة تحت ظل شجرة عند “ست الشاي” .. هذه الأشياء ومثيلاتها تبدو عابرة ما دامت متاحة، ثم تظهر قيمتها كاملة حين تصبح مهددة بالفقد أو حين تُفقد بالفعل.
ومع هذا الالتفات إلى تفاصيل الحياة كما تُدرِكها الحواس، يحضر ألبير كامو ـ الذي نشأ على ساحل البحر المتوسط، بشمسِهِ السليطة ومِلْحِهِ اللاسِع ـ والذي لم يرَ الحياة فكرةً تدور في الرأس وحده، بل شمساً على الجلد ومِلْحًا على الشفتين. كان ينظر إليها من جهة تماسِّها المباشر مع الحواس؛ ما يُلمس ويُرى ويُسمع قبل أن يتحول إلى فكرة. ولهذا ظل الجسد عنده أكثر من مجرد وعاء للحياة؛ إنه الموضع الذي تمر عبره لَذَّاتُها وأوجاعُها، ومن خلال ضعفه ومرضه تصل أول إنذارات الموت.
لا يتسع عمر الإنسان ـ مهما طال ـ لكل ما يحلم به؛ لكنَّ المأساة أن يبدد الإنسان عمره المحدود فيما لا يستحق، ثم يصل إلى آخر الطريق مُحَمَّلاً بما كان ينبغي أن يقوله ويفعله ويحبه، وقد فات الأوان. وعندها يكتشف أن الزمن لم يخدعه؛ فقد كان يمضي أمام عينيه منذ البداية. هو فقط كان يتصرف ـ لسبب لا يخلو من الغرور ـ كأنَّ الموت يعرف عناوين الآخرين ولا يعرف عنوانه؛ بينما قضت مشيئة الله أن يُدرك الموتُ الجميع ولو كانوا في بروجٍ مُشَيَّدة.
ومع الوعي بثقل الزمن، لا تفقد الخيارات الصادقة قيمتها لمجرد أن الزمن مضى بالواقع في اتجاهٍ آخر؛ إذ يبقى على المرء أن يظل وفياً للخيارات التي اتخذها عن قناعةٍ وضمير – حتى إن جاءت النتائج على غير ما أراد – وألّا يتزحزح عنها، ولا ينحني أمام ترهيبٍ أو ترغيب؛ فكونُ الخيارات صادقةً وصائبةً لا يعني حتميةَ تحققها دائماً، ولا يضمن طريقاً سهلاً لصاحبها .. وقد أحسن القائد الفيتنامي، فو نغوين جياب، التعبير عن هذا المعنى بقوله: “ضمان النصر ليس شرطاً لخوض المعارك العادلة”.
ومهما يكن، ليس مُجدياً أن يظل الإنسان أسير الحسرة على ما فاته وما لم يتمكن من فعله فيما مضى من عمره؛ فالماضي جدير بأن يُستعاد للعِبرة، لا للإقامة فيه، وفي قوله تعالى: “وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ” ما ينقل النظر من فائت الأمس إلى الاستدراك .. السؤال الأجدر هو: ماذا سيصنع بما بقي من عمره؟ وكيف يصونه من التبدد فيما لا يفيد، ويمنح ما بقي منه معنىً سامياً يستحق أن يُعاش من أجله؟





