حتماً نعود ..

طارق فرح
“وطنٌ كامل ينزف بصمت”.. بهذه العبارة الدقيقة اختصر الكاتب الصحفي عثمان فضل الله ألم ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم قسراً على أرصفة الشتات. لمست كلماته الجرح المسكوت عنه لآلافٍ يحملون بيوتهم وأحلامهم في حقائب صغيرة، لتذكرنا بأن الظروف القاسية يجب ألا تكسر إرادتنا، وأن تمسكنا بهويتنا وصبرنا هو سبيلنا لتجاوز هذه الأيام.
ينطلق فضل الله في قراءته للواقع من تحليله للوجع المتواصل، مركزاً على الثمن الباهظ الذي دفعه المواطن البسيط بسبب حربٍ لم يكن له فيها يد، بل دُفع إليها دفعاً لترك أرضه. وفي نصٍ بليغ يصف لحظة النزوح واللجوء، يكتب:
“ربي، قد ضاقت بنا السبل، وضُيّقت علينا الأرض بما رحبت؛ فلا الأرض أرضنا، ولا الناس هم الناس، ولا نحن كما كنا. نحن السودانيون الذين دفعتهم الحرب إلى المنافي، نحمل بلادنا في حقائب صغيرة، وفي ذاكرة مثقلة بالأسماء والبيوت والشوارع. نخرج بحثاً عن الأمان، فنكتشف أن الغربة ليست فقط أن تبتعد عن وطنك، بل أن تشعر أنك عابر ثقيل في أوطان الآخرين.
لسنا استثناءً من شعوب الأرض؛ فينا الصالح والطالح، لكن المؤلم أن يُحاسَب شعبٌ كامل على أخطاء بعض أفراده، وأن يتحول السوداني من إنسان هارب من النيران إلى متهم يحتاج أن يثبت كل يوم أنه يستحق الرحمة. نحن لا نطلب من العالم أن يحمل عنا أوزارنا، نطلب فقط أن يتذكر أننا لم نختر هذا الطريق، ولم نختر أن نبعثر أبناءنا في المنافي.
وراء كل لاجئ حكاية بيت أُغلق، أو أم مريضة تريد حفظ كرامتها، أو أب مجهول المصير، أو طفل سرقت الحرب طفولته. وراء الوجوه وطنٌ كامل ينزف بصمت. يا رب، لا تجعل الغربة قدرنا الأبدي، وردّ إلينا وطننا وأنفسنا، واجعل لنا مكاناً لا نخاف فيه من نظرة، ولا نحتاج فيه إلى الاعتذار لأننا سودانيون.. فقد أتعبتنا المنافي، ونريد فقط أن نعود.”
إن هذا النص يعبر عن صوت الكلمة الصادقة، وأنا أضم صوتي إليه متمسكاً بالرجاء؛ فالصبر هنا ليس استسلاماً، بل إيمانٌ بأن الغربة لن تغيّر معادننا. وأمام الصمت العالمي المريب تجاه هذا الجرح، تأتي كلمات الشاعر محي الدين فارس لتصف قسوة التغافل:
وهناك قافلةٌ تولولُ في متاهاتِ الزمان بلا دليل.. عمياءَ فاقدةَ المصير يمشي الملايينُ الحفاةُ الجائعونَ مشردون هل يسمعون؟ صخبَ الرعودِ صخبَ الملايينِ الجياعِ يشقُّ أسماعَ الوجود؟ لا يسمعون! في اللاشعورِ حياتُهم.. وكأنهم صُمُّ الصخور
لكن رهاننا الحقيقي اليوم هو ألا ننسى من نكون، وأن نواصل حياتنا بثبات يقودنا نحو أملنا الدائم في العودة، كما ينشد محي الدين فارس:
وغداً نعود.. حتماً نعود للقريةِ الغنّاءِ.. للكوخِ الموشَّحِ بالورود تزغردُ الجاراتُ والأطفالُ ترقصُ والصغار والنخلُ والصفصافُ والسيّالُ زاهيةُ الثمار وسنابلُ القمحِ المنوَّرِ بالحقولِ وبالديار
اللهم ردّ إلينا سوداننا الحبيب، واكتب لنا في هذه الأرض مكاناً عزيزاً، فقد أتعبنا الرحيل، وتعبت أرواحنا أن تشرح للعالم أنها لا تطلب سوى الحق في الحياة والعودة إلى الديار.
إن العودة حقٌّ أصيل ثابت لا يقبل المساومة، ويبقى اليقين جازماً بأننا — بالسلام والمحبة والعدل — قادرون على بناء وطن يسعنا جميعاً نتمناه ونستحقه ..





