عندما تعيد القوى السياسية السودانية اكتشاف نفسها

حاتم أيوب أبو الحسن
إن ما يجري داخل القوى السياسية السودانية من تغييرات في الأسماء والهياكل والتحالفات والخطابات لا يمثل مجرد تجميل سياسي، بل يعكس محاولة لإعادة اكتشاف الشرعية والدور في سودان تغيرت ملامحه منذ أبريل 2023.
فالسودان الذي دخل الحرب لن يكون هو السودان الذي ستنتهي فيه. لقد تغير المجتمع، وتبدلت موازين القوة، وأعيد تشكيل التحالفات، والأهم أن صورة القوى السياسية في نظر المواطن لم تعد كما كانت. لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: كيف نستعيد السودان القديم؟ بل: كيف نبني السودان الذي سيأتي بعد الحرب؟
هنا تكتسب المراجعات السياسية أهميتها. غير أن ثمة فرقاً كبيراً بين مراجعة حقيقية تعيد النظر في الأفكار والقيادات وتجارب الحكم والمعارضة، وبين إعادة تدوير سياسي تقتصر على تغيير الاسم والواجهة.
لقد كشفت الحرب هشاشة النظام السياسي أكثر مما أظهرت قوة أي طرف. فقدت الأحزاب التقليدية جزءاً كبيراً من قدرتها على التمثيل، ولم تنجح القوى المدنية الجديدة في إنتاج مركز سياسي موحد، بينما تحاول الحركات المسلحة تحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ سياسي، وتسعى القوى العسكرية إلى ترسيخ رؤيتها للدولة. وفي خضم ذلك كله، يقف المواطن وقد أصبح أقل استعداداً لمنح السياسة القديمة ثقته السابقة.
لذلك أصبح تغيير الاسم أسهل من تغيير المشروع.
والسؤال الأهم اليوم ليس: من سيحكم السودان؟ وإنما: أي سودان نريد أن نبني؟
فالأزمة لم تعد أزمة حكومة أو سلطة فحسب، بل أصبحت أزمة دولة وعقد اجتماعي وشرعية سياسية: من يملك حق تأسيس الدولة؟ وما حدود العلاقة بين مؤسساتها؟ وكيف تنتهي ظاهرة تعدد مراكز القوة والسلاح؟ وكيف تُعالج المظالم والاختلالات في توزيع السلطة والثروة؟ وكيف تتحقق العدالة دون أن تتحول إلى انتقام؟ ومن يملك حق المشاركة في صناعة المستقبل؟
لا يستطيع حزب واحد الإجابة عن هذه الأسئلة، ولذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى سياسة التحالفات والمشروعات الوطنية منها إلى هيمنة حزب واحد.
لكن التحالف الذي لا يجمعه مشروع سرعان ما يتحول إلى محاصصة، والتحالف الذي يقوم فقط على الخوف من خصم ينهار بزوال ذلك الخصم، أما التحالف الذي يبحث عن الاعتراف الخارجي أكثر مما يبحث عن القبول الشعبي، فإنه يفقد شرعيته مهما بلغت قوته.
الخارج جزء من المعادلة السودانية، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة مستقرة نيابة عن السودانيين. والخطر الحقيقي يكمن في تحول القوى السياسية إلى وكلاء لمشروعات إقليمية ودولية متنافسة. يحتاج السودان إلى علاقات خارجية متوازنة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى مركز وطني مستقل يحدد مصالحه وحدود علاقاته.
تبدأ المراجعة الحقيقية بالاعتراف بالأخطاء، ومراجعة تجارب الحكم والمعارضة، ونقد نماذج القيادة القديمة، وبناء مؤسسات سياسية أكثر ديمقراطية، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والأقاليم، والانتقال من الشعارات العامة إلى البرامج القابلة للتنفيذ.
لقد أسقطت الحرب كثيراً من الأقنعة. فلم تعد الزعامة التاريخية أو الانتماءات السياسية أو القوة كافية لإنتاج شرعية مستدامة، كما لم تعد الخطابات قادرة على إقناع مجتمع يبحث، قبل كل شيء، عن الأمن والغذاء والعلاج والتعليم وفرصة للحياة.
الشرعية القادمة ستكون شرعية الإنجاز وبناء الدولة.
ومعركة ما بعد الحرب لن تدور فقط حول من يحكم، بل حول قواعد اللعبة الجديدة: هل تكون الدولة مركزية أم لامركزية؟ كيف تكون الدولة مدنية؟ كيف تُنظَّم العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وكيف تتحول المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية دون أن تتحول الدولة نفسها إلى غنيمة؟
وبين هذه المشاريع جميعاً يقف المجتمع السوداني، الذي يجب ألا يبقى متفرجاً على صناعة مستقبله.
فالسؤال الحقيقي ليس من يملك السلاح، ولا من يملك التحالف الأكبر، ولا من يحظى بالدعم الخارجي؛ بل من يستطيع تقديم مشروع وطني يشعر السوداني في كل إقليم ومدينة وقرية بأنه جزء منه، وأن الدولة القادمة ليست دولة طرف على حساب طرف آخر.
السلام ووقف إطلاق النار ضرورة، لكن السلام وحده لا يصنع دولة. والانتقال السياسي ليس ديمقراطية مكتملة، والانتخابات لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء مؤسسات الدولة، كما لا ينبغي أن تتحول العدالة إلى وسيلة لتصفية الحسابات.
المطلوب أعمق من ذلك: مصالحة بين الدولة والمجتمع، وبين الأقاليم والمركز، وبين مفهوم السلطة ومفهوم المواطنة؛ مصالحة تجعل المواطن شريكاً في صناعة الدولة، لا وقوداً لها ولا مادة انتخابية.
ولهذا يجب أن يبدأ أي مشروع سياسي جديد من قاعدة واضحة:
لا غالب ولا مغلوب في تأسيس الدولة؛ الغالب هو السودان.
وهذا لا يعني إسقاط العدالة أو تجاوز الجرائم والانتهاكات، بل يعني رفض تحويل الدولة إلى غنيمة لطرف منتصر.
فالعدالة تبني الدولة عندما تكون مستقلة وعادلة، لكنها تهدمها عندما تتحول إلى أداة للانتقام.
إذا أدركت القوى السياسية السودانية ذلك، فقد تكون إعادة تشكيلها بداية ميلاد سياسي جديد. أما إذا اكتفت بتغيير الأسماء والواجهات والتحالفات، فسيعود السودان إلى أزمته القديمة بأسماء جديدة، وقد يبحث المجتمع عن بدائل خارج الأحزاب والسياسة المنظمة.
يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإنهاء مرحلة وبدء أخرى، لكنها ليست فرصة متاحة إلى ما لا نهاية. فإذا سبقت القوى السياسية التحولات الاجتماعية بفكر جديد وبرامج جديدة وقيادات جديدة، استطاعت أن تقود السودان نحو المستقبل. أما إذا تأخرت، فسيسبقها المجتمع، وربما يتركها خلفه.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يحكمه، بل إلى من يبني دولة تستحق أن يحكمها السودانيون جميعاً.





