حمدوك في واشنطن بعد نيويورك .. وهدنة التسعين تعود من جديد
أمريكا تضع الحرب السودانية أمام اختبار الحسم

أفق جديد
لم تعد واشنطن تتعامل مع الحرب السودانية بوصفها صراعاً يمكن احتواؤه عبر الدعوات التقليدية إلى التهدئة أو ترك أطرافه يتفاوضون بالقدر الذي تسمح به حساباتهم العسكرية، وإنما انتقلت خلال سبتمبر الجاري إلى مرحلة أكثر ضغطاً، تضع فيها طرفي الحرب أمام استحقاق سياسي واضح: وقف القتال أولاً، فتح الطريق أمام عملية سياسية يقودها المدنيون ثانياً، ثم إعادة بناء الدولة على قاعدة جيش وطني موحد وحكم مدني. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الإدارة الأمريكية لم تعد ترى في استمرار الحرب خياراً قابلاً للإدارة، بعدما اقترب الصراع من عامه الرابع وأصبح خطر تفكك الدولة وتثبيت واقع الانقسام الجغرافي والسياسي جزءاً من المشكلة التي تحاول واشنطن منعها.
وكانت الولايات المتحدة قد دفعت منذ يونيو بمقترح يقوم على هدنة إنسانية شاملة لمدة تسعين يوماً، تفتح الطريق أمام مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي بقيادة مدنية، مع آلية تقودها الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة ودعم انسحابات محدودة للقوات، خصوصاً في شمال دارفور وشمال كردفان. وتظهر الوثائق التي نشرتها وسائل إعلام عالمية أن الخلاف الأساسي ظل متركزاً حول مسألة الانسحاب، إذ قبلت الحكومة التي يقودها الجيش معظم عناصر المقترح، لكنها طالبت بانسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، بدلاً من الانسحابات المحدودة التي اقترحتها واشنطن.
لكن ما تغير خلال سبتمبر لا يتعلق بجوهر المقترح وحده، وإنما بطريقة تعاطي واشنطن معه، إذ انتقلت من عرض مبادرة إلى ممارسة ضغط مباشر على طرفي الحرب، بالتوازي مع بناء مظلة دولية لتنفيذ أي اتفاق محتمل، وهو ما يفسر إصرار المسؤولين الأمريكيين على أن أي تسوية ينبغي أن تحظى في نهاية المطاف بدعم مجلس الأمن الدولي وضمانات دولية تجعل تنفيذها مختلفاً عن الاتفاقات السابقة التي بقيت رهينة لإرادة المتحاربين.
ضغط أمريكي
في هذا السياق جاءت تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مسعد بولس، التي حملت رسالة سياسية تتجاوز الدعوة إلى الهدنة، إذ قال إن واشنطن تريد أن يكون أي اتفاق سلام بشأن السودان مدعوماً من مجلس الأمن، مؤكداً أن التواصل الأمريكي مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لا يعني اعترافاً أمريكياً بالحكومة القائمة في بورتسودان.
وتتطابق هذه الرسالة مع الموقف الرسمي الذي أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في 22 سبتمبر، عندما قالت إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكذلك قياداتهما، لا تمثلان حكماً دستورياً شرعياً للسودان، وإن واشنطن تريد إعادة السلطة إلى الشعب السوداني عبر عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية. كما أعلنت الخارجية الأمريكية أنها ستعمل على رفع كلفة استمرار الحرب على جميع الأطراف والشبكات التي تغذي الصراع.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في الموقف الأمريكي؛ فواشنطن لا تتعامل مع البرهان وحميدتي باعتبارهما طرفين سياسيين متكافئين يمكن أن يتقاسما مستقبل الدولة بعد الحرب، وإنما تتواصل معهما بوصفهما طرفين مسلحين لا يملكان، وفق الموقف الأمريكي المعلن، شرعية دستورية تمنحهما حق تحديد المستقبل السياسي للسودان. وهذه النقطة تحديداً تضع المبادرة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع تصورات الطرفين المتحاربين حول شكل الدولة ومن يملك حق تمثيلها.
ولم يكن احتجاز تأشيرة البرهان لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد تفصيل بروتوكولي في هذا السياق، فقد نقلت رويترز عن مصادر سودانية أن إصدار التأشيرة ارتبط بقبول البرهان مقترح الهدنة لمدة تسعين يوماً، وهو ما نفته أو لم تؤكده علناً وزارة الخارجية الأمريكية، بينما طلب المندوب السوداني لدى الأمم المتحدة تدخل الأمين العام أنطونيو غوتيريش لدى واشنطن لحل المسألة.
ثم جاء رد البرهان لاحقاً ليؤكد أن الضغط الأمريكي لم يؤد إلى قبول الشرط؛ فقد رفض في 26 سبتمبر ما وصفه بالضغط المتعلق بالتأشيرة، وقال خلال اقتحامه لحفل مغني راب ذي شعبية كبيرة “إنه لا يريد تأشيرة أو إذناً من أي دولة”.
وبذلك تحولت مسألة التأشيرة إلى مؤشر سياسي على طبيعة المرحلة الجديدة، إذ باتت واشنطن تستخدم أدواتها الدبلوماسية ليس فقط للتعبير عن موقفها، وإنما للضغط من أجل تغيير سلوك أطراف الحرب، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض إذا أبدى أي طرف استعداداً حقيقياً لإنهاء القتال.
عشرة مسارات
وإذا جرى جمع العناصر الأساسية للمقترح الأمريكي كما ظهرت في الوثائق والتقارير المتداولة منذ يونيو، فإنها تتحرك في مسار متدرج يبدأ بالجانب الإنساني ولا ينتهي عند وقف إطلاق النار، وإنما يصل إلى إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية في السودان.
في مقدمة المقترح إعلان هدنة إنسانية فورية وشاملة على مستوى السودان لمدة تسعين يوماً، بحيث تصبح الأولوية خلال هذه الفترة لفتح الممرات الإنسانية وإيصال الغذاء والدواء وحماية المدنيين وتهيئة الظروف لعودة النازحين، على أن تخضع الهدنة لآلية مراقبة دولية تقودها الأمم المتحدة بمشاركة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
ويأتي بعد ذلك إنشاء آلية للتنسيق والمراقبة والتحقق، تكون مهمتها متابعة الالتزام بالهدنة، معالجة الخروقات، وتوفير آلية لفض النزاعات التي يمكن أن تنشأ أثناء التنفيذ، وهو ما يعكس محاولة أمريكية للاستفادة من إخفاقات الترتيبات السابقة التي تركت مسألة مراقبة وقف النار في مساحة واسعة من التقديرات السياسية والعسكرية للطرفين.

ثم ينتقل المقترح إلى مفاوضات بشأن وقف دائم لإطلاق النار، بحيث لا تكون هدنة التسعين يوماً نهاية للعملية، وإنما فترة انتقالية نحو اتفاق أكثر شمولاً، يتضمن ترتيبات أمنية واضحة وإعادة انتشار للقوات ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، مع إعطاء الأولوية في المرحلة الأولى لمناطق شمال دارفور وشمال كردفان.
وتكتسب الإشارة إلى شمال دارفور وشمال كردفان أهمية خاصة، لأن واشنطن لا تتعامل مع وقف النار باعتباره مجرد إجراء على الورق، وإنما تربطه بخطوات ميدانية لتخفيف الاحتكاك في أكثر مناطق الحرب حساسية، وقد نص المقترح على انسحابات محدودة ومدروسة تحت إشراف دولي، وهو ما اصطدم بالمطلب الذي قدمه الجيش بانسحاب أوسع لقوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ عام 2023.
أما المسار التالي فيتعلق ببنية المؤسسة العسكرية نفسها، إذ يدعو المقترح إلى الحفاظ على جيش وطني موحد، على أن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة للمساءلة أمام حكومة مدنية منتخبة، بالتوازي مع ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما يعني أن القضية المطروحة أمريكياً ليست فقط كيفية إسكات المدافع، وإنما كيفية منع إعادة إنتاج الحرب داخل مؤسسات الدولة بعد توقفها.
ويتصل بذلك مسار إنهاء التدخلات الخارجية ووقف تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب، باعتبار أن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، وإنما أصبحت مرتبطة بشبكات إقليمية ودولية من التمويل والتسليح والدعم السياسي، وهو ما يجعل أي وقف لإطلاق النار هشاً ما لم يتزامن مع ضبط مصادر الإمداد الخارجي.
ثم يأتي المسار السياسي، عبر إطلاق حوار وطني سوداني شامل تقوده القوى المدنية السودانية، وصولاً إلى عملية انتقالية يقودها المدنيون وتفضي إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية، على أن تكون الانتخابات هي محطة لاحقة لاستعادة الشرعية السياسية عبر صناديق الاقتراع.

ويضع المقترح كذلك مسألة طبيعة الدولة بعد الحرب في قلب العملية السياسية، من خلال التشديد على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن تثبيت الانقسام العسكري والجغرافي يمكن أن يحول الحرب من صراع على السلطة إلى واقع سياسي دائم.
أما المسار التاسع فيتعلق بالعدالة والمساءلة والإصلاح المؤسسي، بحيث لا يكون السلام مجرد صفقة بين حملة السلاح، وإنما عملية تتعامل مع آثار الحرب والانتهاكات وتضع أسساً لمعالجة جراح المجتمع وإعادة بناء الثقة بين السودانيين.
ويختتم المقترح مساره الاقتصادي ببرنامج للاستقرار وإعادة الإعمار وإنشاء صندوق مخصص لإعادة بناء السودان، بما يربط نهاية الحرب بالقدرة على إعادة تشغيل مؤسسات الدولة والخدمات والبنية التحتية والاقتصاد، لأن وقف القتال في بلد منهك بالحرب لا يكفي وحده لمنع عودة أسباب الانهيار.
عقدة الانسحاب
غير أن جوهر الأزمة لا يزال في الأرض، لا في الوثائق، إذ إن الهدنة المقترحة تصطدم بالسؤال الأصعب: ماذا يحدث للقوات الموجودة في المدن والمناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب؟
فالجيش يرى أن أي هدنة لا تسبقه معالجة وضع قوات الدعم السريع داخل المدن لن تؤدي سوى إلى تجميد الوضع العسكري الحالي، بينما ترى قوات الدعم السريع أن انسحابها من مناطق سيطرت عليها عسكرياً قبل الاتفاق النهائي قد يعني التخلي عن أوراق تفاوضية رئيسية. وقد ظهرت هذه الفجوة بوضوح في يوليو، عندما أعلنت قوات الدعم السريع قبولها بهدنة الأشهر الثلاثة، لكنها رفضت الانسحاب الجزئي المقترح من مواقعها في شمال دارفور وشمال كردفان، في حين تمسك الجيش بانسحاب أوسع من المدن التي سيطرت عليها القوات منذ مايو 2023.
ولهذا فإن الهدنة، على الرغم من كونها تبدو في ظاهرها مطلباً إنسانياً، تحمل في جوهرها سؤالاً عسكرياً وسياسياً بالغ التعقيد: هل توقف الحرب القتال عند خطوط التماس الحالية، أم تستخدم فترة التسعين يوماً لإعادة ترتيب القوات والبدء في تفكيك الواقع العسكري الذي نشأ خلال أكثر من ثلاث سنوات؟
وهذه هي النقطة التي تفسر المخاوف من أن تتحول الهدنة إلى تثبيت للانقسام الجغرافي، وهي المخاوف التي قال بولس إن واشنطن تدركها، لكنه رأى أن وجود رقابة دولية يمكن أن يقلل من خطر تحول الهدنة إلى تقسيم دائم للسودان.

ما بعد الجنرالات
اللافت في المقاربة الأمريكية أن مسألة وقف إطلاق النار لم تعد منفصلة عن السؤال السياسي، فواشنطن تقول بوضوح إن الهدنة ليست غاية نهائية وإنما مدخل إلى انتقال سياسي مدني، وهو موقف يتقاطع مع ما تطرحه المجموعة الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيغاد، والتي أكدت في سبتمبر أن أي عملية سياسية يجب أن تقترن بإجراءات ملموسة لإنهاء الحرب، وأن التسوية المستدامة ينبغي أن تقود في نهاية المطاف إلى انتقال مدني ديمقراطي.
وفي هذه النقطة تحديداً يلتقي الضغط الأمريكي مع تحرك القوى المدنية السودانية في نيويورك وواشنطن، إذ وصل وفد واسع من القوى المدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك إلى الولايات المتحدة، وبدأ سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين الدوليين والأمريكيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويبدو أن تحرك الوفد لا ينفصل عن اللحظة الدبلوماسية التي يعيشها السودان، فهو لا يطرح نفسه باعتباره طرفاً ثالثاً يطلب مقعداً في مفاوضات عسكرية، وإنما يحاول تثبيت مسار سياسي مدني باعتباره الطريق الذي ينبغي أن يأتي بعد وقف الحرب، مستفيداً من التحول في الخطاب الدولي الذي بات يتحدث بصورة أوضح عن ضرورة ألا يكون مستقبل السودان رهينة للقوات المتقاتلة.

وفي نيويورك عقد حمدوك ووفد القوى المدنية لقاءً مع نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، وتركزت المناقشات على الحرب وتداعياتها الإنسانية وضرورة توحيد الجهود الدولية والإقليمية وربط المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن عملية واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي يحافظ على وحدة السودان وسيادته.
كما تحرك الوفد باتجاه العواصم الأوروبية والأفريقية، فناقش مع مسؤولين ألمان الكارثة الإنسانية والحاجة إلى هدنة عاجلة دون شروط، وربط وقف إطلاق النار بالمسار السياسي وقضايا العدالة والمساءلة والتعافي الاجتماعي، كما نقل حمدوك إلى وزير خارجية جمهورية الكونغو رؤية القوى المدنية لإنهاء الحرب ودفع جهود السلام، في محاولة لتوسيع دائرة الدول الداعمة لمسار سياسي لا يختزل الأزمة في تفاهم بين القيادتين العسكريتين.
وعلى هامش الجمعية العامة، جاء اللقاء مع وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو في سياق الجهد نفسه، حيث قدم الوفد رؤيته للأوضاع الإنسانية والعسكرية، في وقت كانت فيه الأمم المتحدة تدفع هي الأخرى باتجاه ربط وقف النار بالمسار السياسي وعدم التعامل مع الهدنة كترتيب منفصل عن مستقبل الدولة.

واشنطن وهاجس الدولة
الفرق بين المبادرة الأمريكية الحالية والمبادرات التي سبقتها لا يكمن فقط في عدد بنودها أو في مدة الهدنة، وإنما في محاولة الربط بين ثلاثة ملفات كانت غالباً ما تعالج منفصلة: وقف إطلاق النار، إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية، ثم تحديد الجهة التي تملك حق إدارة الدولة بعد الحرب.
فإذا توقفت الحرب من دون معالجة السؤال العسكري، فقد تصبح الهدنة مجرد فترة لإعادة التموضع، وإذا تمت معالجة الملف العسكري من دون مسار سياسي مدني، فقد تعود السلطة إلى صيغة عسكرية جديدة، وإذا جرى الاتفاق السياسي من دون معالجة الاقتصاد والعدالة، فقد يبقى السودان تحت تأثير الأسباب الاجتماعية والسياسية التي فجرت الحرب.

ولهذا تبدو المبادرة الأمريكية أقرب إلى خارطة طريق لإعادة بناء الدولة منها إلى اتفاق هدنة بالمعنى التقليدي، خصوصاً أن واشنطن تضع في نهايتها الحكومة المدنية والانتخابات وإعادة الإعمار، بينما تضع في بدايتها وقف النار والمراقبة الدولية.
غير أن هذا الطموح يصطدم بحقيقة أخرى: الأطراف المسلحة لم تصل بعد إلى النقطة التي ترى فيها أن التسوية أقل كلفة من استمرار الحرب. فالجيش لا يزال يرى أن موقعه في أي تسوية يجب أن يرتبط بوحدة الدولة والجيش وانسحاب الدعم السريع من المناطق التي سيطر عليها، بينما تتمسك قوات الدعم السريع بمكاسبها العسكرية وتطرح بدورها إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والدولة بصورة مختلفة، وهو ما يعني أن الاتفاق على عنوان الهدنة لا يعني بالضرورة الاتفاق على مضمون السلام.

اختبار الأيام المقبلة
لهذا فإن المهلة التي تضعها واشنطن أمام الطرفين، إذا ما تأكدت بصيغتها المتداولة، ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية الأمريكية على تحويل الضغط السياسي إلى تغيير في الحسابات العسكرية، كما ستكون اختباراً للجيش والدعم السريع: هل يستطيعان الانتقال من منطق تحسين المواقع في الميدان إلى منطق التسوية؟
وتشير الخطوة الأمريكية إلى أن واشنطن لا تريد تكرار نمط المبادرات السابقة التي ظلت مفتوحة زمنياً أمام الرفض والمماطلة، بل تحاول صناعة كلفة سياسية ودبلوماسية للرفض، بالتوازي مع تحريك المجتمع الدولي خلف آلية تنفيذ ومراقبة وضمانات من مجلس الأمن.
لكن النجاح، في نهاية المطاف، لن يتوقف على قدرة واشنطن وحدها، وإنما على أربعة شروط متداخلة: قدرة المجتمع الدولي على توحيد ضغطه، وإمكانية مراقبة وقف النار فعلياً، واستعداد الطرفين لتقديم تنازلات عسكرية حقيقية، وقدرة القوى المدنية على تشكيل مسار سياسي واسع لا يتحول إلى مجرد واجهة تفاوضية لقوى بعينها.

وهنا تبرز أهمية تحرك حمدوك والقوى المدنية في نيويورك وواشنطن، ليس باعتباره بديلاً عن التفاوض بين طرفي الحرب، وإنما باعتباره محاولة لملء الفراغ السياسي الذي قد ينشأ إذا نجحت الهدنة، لأن وقف الحرب من دون تحديد الجهة التي ستدير السودان بعدها سيترك البلاد أمام السؤال نفسه الذي ظل قائماً منذ سقوط النظام السابق: من يملك الدولة، ومن يقرر مستقبلها؟
المشهد السوداني في نهاية سبتمبر، إذن، يقف عند تقاطع ثلاثة مسارات: ضغط أمريكي يتجه للمرة الأولى بهذا الوضوح نحو طرفي الحرب معاً، مسار دولي يسعى إلى تحويل الهدنة إلى مدخل لتسوية سياسية مدنية، وحركة مدنية سودانية تحاول أن تثبت أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن ينتهي إلى تقاسم السلطة بين الجنرالات.
وإذا كانت واشنطن قد انتقلت من مرحلة إقناع الطرفين إلى مرحلة الضغط عليهما، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من اللحظة التي يصبح فيها الاتفاق المطلوب أكثر من توقيع على ورقة؛ أي عندما تبدأ القوات في الانسحاب، وتفتح الطرق أمام المساعدات، وتتوقف الطائرات والمسيرات، وتبدأ عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية والدولة، ويجلس السودانيون أنفسهم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب أمام السؤال الأكبر: كيف تنتهي الحرب من دون أن تتحول الهدنة إلى هدنة بين جبهتين، أو يتحول السلام إلى اتفاق جديد بين حملة السلاح على حساب الدولة والمجتمع؟
ذلك هو الاختبار الذي تضعه واشنطن الآن أمام السودان، وهو أيضاً الاختبار الذي ستكشف خلاله الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كان الضغط الدولي قد نجح في تغيير قواعد الحرب، أم أن الجنرالات سيجدون مرة أخرى مساحة جديدة لتأجيل السلام حتى إشعار آخر.





